Search
728 x 90

فرنسا تنتفض لقوانينها واصولها المجتمعية !

فرنسا تنتفض لقوانينها واصولها المجتمعية !

ليس قليلا ان يستمر يعود الارهاب للتعبير عن نفسه من فرنسا وذلك إثر قطع رأس أستاذ تاريخ عرض في الآونة الأخيرة رسوماً كاريكاتوريّة للنبي محمد في حصّة دراسيّة حول حرّية التعبير، في كونفلان سان أونورين قرب باريس.

لم تتوان النيابة العامة في باريس عن ادراج الجريمة في اطار الارهاب وليس في اطار الجريمة الانتقامية العادية اذ ربطت العمل الجرمي الذي اقدم عليه شاب شيشاني ” بعمل ارهابي ” و” مجموعة اجرامية ارهابية”. ولا يمكنها اعتبار اقل من ذلك نسبة الى واقع طابع الجريمة واسلوبها وفي ظل الطابع الديني الذي اعتمده المتهم الذي قتلته الشرطة لاحقاً، والذي اخاف بقوة المجتمع الفرنسي من المهاجرين واللاجئين عموما والهاربين من دول اسلامية حيث يتزايد التشدد الاصولي الاسلامي بطابع ارهابي.

ويتزامن الهجوم الإرهابي مع محاكمة المتواطئين مع مهاجمي صحيفة “شارلي إيبدو” العام 2015، كما يأتي عقب أسابيع قليلة من هجوم إرهابي شنّه رجل بساطور وأدّى إلى جرح شخصَيْن ظنّ أنّهما يعملان في الصحيفة الساخرة. وتُعدّ فرنسا من اكثر الدول التي تعرضت لهجمات متطرفة او ارهابية في الاعوام الخمسة الماضية، وهو يعد نتيجة بديهية لانفتاح فرنسي واوربي عموماً على خط النزاعات حيث تتفشى ظاهرة المقاتلين المتطرفين او الذين تحكمهم عقائد ايديولوجية متطرفة.

والاشكالية بالنسبة الى فرنسا خصوصاً كما الدول الاوروبية عموماً ان مرتكبي الاعمال المتطرفة غالباً ما يقعون تحت تصنيف المهاجرين الذي حظيوا بفرصة اللجوء والاقامة في هذه الدول وليس عبر تهديد خارجي يتصل بمشاركة فرنسا على سبيل المثال في نزاعات خارجية بحيث تنعكس عليها عمليات ارهابية في الداخل.

ولا تعد جريمة قطع رأس استاذ التاريخ استثناء ولا سيما ان الكثير من العمليات التي ادرجت تحت عنوان الارهاب في فرنسا ارتبطت بأحداث معيّنة كتلك التي ارتبطت بتنظيم الدولة الاسلامية او داعش في الاعوام الاخيرة وما نتج عنها مما اطلق عليه اسم ” الذائاب المنفردة” كجريمة الدهس في نيس التي ادت الى مقتل اكثر من 84 شخصاً. لكن هناك ايضاً اصحاب الايديولوجيا المتطرفة المنفردين الذين يتحركون بناء على رد فعل قد يكون استفزهم فيما يعيش الكثير من هؤلاء وفق ما يقول خبراء، حالة انفصام بين واقعهم الحضاري العلماني وتنشئتهم الدينية المتشددة غير القابلة على الانفتاح على الآخر ولو انه يعيش في بيئة هذا الاخر. ويقول هؤلاء الخبراء ان الاشكالية الكبرى تكمن في ان كل الاجراءات التي اتخذتها الدول الاوروبية من اجل مكافحة الارهاب، ان عبر التنسيق في ما بينها او اجراءاتها الحدودية اظهرت ثغراً في تجنب حوادث مأسوية من هذا النوع لانها تنطلق من داخلها وعبر اشخاص لا يُصنّفوا عادة في البيانات الاجرامية او لا تتم ملاحقتهم على هذا الاساس. لكن ثمة اشكاليات كبرى تتعلق بالهويّة الاصلية للمعتدين والذي باتوا مدرجين في شكل عام تحت هوية دينية معينة كما بواقع عجز هؤلاء عن الانتماء او الرسوخ في المجتمعات الاوروبية والغربية .
لكن ومع الاقرار بصعوبة او الانعكاسات السلبية الكبيرة لعمليات متطرفة من هذا النوع، فإنه يُخشى ان وتيرتها فقط قد تختلف بين فترة واخرى وليس احتمال اختفائها نظراً لتعدد اسبابها واختلاف هذه الاسباب فيما فرنسا ومعها الدول الاوروبية تستوعب ملايين المهاجرين بحيث يصعب عليها اعادة عقارب الساعة الى الوراء فيما لو ارادت ذلك.

فالرئيس الفرنسي امانويل ماكرون المدرك هذا الواقع سعى الى استدراكه من خلال ما اثاره في خطاب القاه في الثاني من تشرين الاول 2020 متحدثاً عن الاسلام السياسي. فأعلن ان على فرنسا التصدي إلى الانعزالية الإسلامية” الساعية إلى “إقامة نظام موازٍ” و”إنكار الجمهورية”. ففرنسا التي تشعر بالقلق من تداعيات وجود اقلية اسلامية كبيرة لديها غدت على اهبة اتخاذ اجراءات تسعى من خلالها لوقف الانجرافات الدينية. فطرح ماكرون مثلا مجموعة من التدابير مثل إلزام أي جمعية تطلب مساعدة من الدولة على التوقيع على ميثاق للعلمانية، وفرض إشراف مشدد على المدارس الخاصة الدينية والحد بشكل صارم من التعليم الدراسي المنزلي. وأضاف أن المدارس يجب أن “تدرّب مواطنين وليس مؤمنين”. وتطرق الى تفاصيل يومية تشكل فارقاً مهماً من حيث أن الدولة ستكون لها السلطة في التدخل إذا قدمت السلطات المحلية تنازلات غير مقبولة للإسلاميين، مستشهداً بـ”قوائم دينية” في مقاصف المدرسة أو عند الدخول بشكل منفصل لحمامات السباحة” مذكراً بالحظر الذي فرضته فرنسا على الشعارات والرموز الدينية، بما في ذلك الحجاب على قاعدة انه سيتم توسيعه ليشمل موظفي القطاع الخاص الذين يقدمون خدمات عامة.

وقد ادى خطاب ماكرون الى ردود فعل غير مريحة وحظي بانتقادات اعلامية من بعض الدول العربية ايضاً على خلفية موقفه من ” الاسلام السياسي” فيما انه ترجم حجم المخاوف المتصاعدة من هذا التحوّل المجتمعي الذي بات يضغط على فرنسا العلمانية او حتى الكاثوليكية . ففي خطابه قال ماكرون تعبيراً عن ذلك ” ثمة في تلك النزعة الإسلامية الراديكالية (…) عزم معلن على إحلال هيكلية منهجية للالتفاف على قوانين الجمهورية وإقامة نظام موازٍ يقوم على قيم مغايرة، وتطوير تنظيم مختلف للمجتمع” معتبراً أن الإسلام ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم “. وهذه العبارة بالذات اثارت حفيظة مثقفين من الدول العربية يرفضون الاقرار بحجم الضرر الذي حصل للاسلام في حد ذاته نتيجة تصاعد تنظيمات متطرفة او ارهابية لا تتوانى عن استغلال المجتمعات التي استقبلتها من اجل تنفيذ اعمال باتت تخيف العالم.

بات واضحاً ان فرنسا لم تعد تستطيع مواجهة كل ما حدث بالمقاربة المعهودة وهي في وارد الانتقال الى مقاربة اخرى مجتمعية تتصدى لما تعتقد انه يخترق قواعدها المجتمعية والثقافية وهو امر يعتبر كثر انها تأخرت فيه ولكنها تستدركه قبل فوات الاوان.
وليس واضحاً ما اذا كان لموقف ماكرون الاثر الاهم في قطع رأس استاذ التاريخ من المتهم الشيشياني ولا سيما ان هذا الاخير اتهم الرئيس الفرنسي او وصفه في تعليق وجد على هاتفه بانه ” زعيم الكفار”. لكن لا يمكن القول ان هناك اقل من كباش قوي قد يكون اطلقه الرئيس الفرنسي ولا سيما ان التهديدات غدت بالغة ومتكررة وتفوق قدرة فرنسا واوروبا عموماً على الاحتمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات