Search
728 x 90

فرنسا – الإسلاموفوبيا… و”كلُّنا إخوة” للبابا فرنسيس!

فرنسا – الإسلاموفوبيا… و”كلُّنا إخوة” للبابا فرنسيس!

عادت فرنسا إيمانويل ماكرون إلى مربَّع الإسلاموفوبيا. أرغمتها على ذلك الجريمة البشِعة التي قضى فيها المدرِّس صامويل باتي مقطوع الرأس. ليس سهلاً وفي أقلّ من عامَين تلاقي القمصان الصفر والنّقاش في التعدّديّة على هزِّ بُنية المجتمع الفرنسي. العدالة الاجتماعيّة بما هي المؤسِّسة في كينونة حقوق الإنسان، وحريّة المعتقد مقرونة بحريّة الضمير بما هي المؤسِّسة في انوجاد الحريّة الدينيّة حتى حدود الإلحاد، كِلاهما في ارتجاجٍ ثقافيّ / جيو-سياسيّ. المأزِق يكمن في إمكانيّة استنهاضٍ متجدِّد لليمين الشعبويّ المتطرِّف في كلّ أوروبا إنطلاقاً من فرنسا.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

في ألمانيا مناعة أعمق على ما يبدو في هذا السياق الحضاري المتوتّر. قد يكون مُلِحّاً عقدُ قمّةٍ أوروبيّة لحسم خيارات إعادة تحديد مسار إدارة التعدّديّة بناءً على إرث أوروبا الحضاريّ. الانسياق لتدابير أحاديّة، على أحقيّتها السياديّة، قد يؤشِّر إلى انطلاق قطارٍ تفتيتيّ لوحدة السياسات العامة للاتحاد الأوروبي ربطاً بهذا النقاش العائد، بعد أن فشِلت مسألة الهجرة في ذلك منذ عامَين.

في مقابل هذا المحذور التفتيتيّ، وبعد أن خاض البابا فرنسيس مواجهةً ضارية مع المدّ الشعبويّ في أوروبا، وتقدَّم بجرأةٍ تاريخيّة في مسيرة وئامٍ بين المسيحيّين والمسلمين، بل وبين كلّ أتباع الأديان في العالم ربطاً، من خلال وثيقة “الأخوّة الإنسانيّة من أجل السلام العالمي والعيش المشترك” (أبو ظبي – شباط 2019)، ها هو يذهب أبعد في رسالته الأخيرة “كُلُّنا إخوة” ليُدمِّر المعازل الإتنولوجيّة، والدَينيّة، والطبقيّة، والثقافيّة، والهوياتيّة المُركّبة، ليس من باب نفي الخصوصيّات، بل من حرصٍ على جماليّة هذه الخصوصيّات ضمن بوتقة المواطنة الحاضنة للتنوّع.

بإزاء ما سبق بين فرنسا – الإسلاموفوبيا، مع رفضٍ مُطلق للجريمة التي دفع ثمنها صامويل باتي حياته، وبين “كُلُّنا إخوة” للبابا فرنسيس، الفالِق الزلزاليّ يحتلّ امتداداتٍ واسعة، والحاجة مُلِحّة لرَدم تصدّعاتٍ فيها قد تشي بزلازل مدمِّرة. أوروبا العلمانيّة تستنجِد على ما يبدو بمسيحيّتها، من باب إعادة ترتيب أولويّات الهويّات المركّبة لنسيجها المجتمعي. البابا فرنسيس مثابر على سبر أغوار المسيحيّة من بوّابة الكرامة الإنسانيّة، والعدالة الاجتماعيّة، والسلام المستدام حيث البوصلة تعاضدٌ في مواجهة تراجيديا المشتركات.

ليس سهلاً مع تداعيات جائحة كورونا التي فرضت إعادة نظر شامِلة بأشكال التواصل والتعاون، بمعنى نقلِها إلى الحيّز الافتراضي، كما ارتفاع منسوب الخوف الصحّي ما بنى مسافاتٍ تباعديّة على كثافةٍ من الرمزيّة، ليس سهلاً جَسر الهوّة بين تفاقم العصبيّات الراديكاليّة من ناحية، ومندرجات الانفتاح الأخويّ من ناحيةٍ أُخرى. من هنا يبرز نافِراً الانتقال التكامليّ مع الصراعات ذات السِّمة الاقتصاديّة إلى تلك الحضاريّة، وهذا شديد التفجير التدميريّ إنّ ترسّخَ على المستويَين السياسيّ والتشريعيّ بترجمة دينوغرافيّة. تبقى هُنا المواطنة الحاضنة للتنوّع في هذا السياق مُنقِذاً من كلِّ ضلالٍ وتضليل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات