Search
728 x 90

عمري فوق 65 : اخشى ان اترك للموت بالكورونا

عمري فوق 65 : اخشى ان اترك للموت بالكورونا

لا يمكن للمرء في متابعة تفشي وباء الكورونا الا ان يتوقف امام تطورين مهمّين لكن يكتسب احدهما بعداً انسانياً خطيراً خصوصاً ان العالم في ظل ما شهده من تطور لا يتوقع احد ان يعود الى الوراء بهذا الشكل.

هذا التطور الاخير هو ما اوردته وسائل الاعلام من الدول التي اصيبت بعنف من حيث عدد الاصابات وعجز المستشفيات عن توفير فرص المساعدة للمرضى الذين يقصدونها. فأن تختار بعض الدول ان تزيل اجهزة التنفس عمن تخطوا سناً معينة تجاوز احياناً الثمانين، كما في بريطانيا او كتالونيا او فرنسا او اسبانيا وايطاليا، فهو امر مروع في حد ذاته علماً ان بعض الشهادات تحدثت عن منع اجهزة التنفس عمن تخطى الخامسة والستين.

وهذا لا يعد مقياساً ظالماً في حد ذاته بل يخشى من استفادة خبيثة في مكان ما لبعض المجتمعات التي يثقل عليها كبار السن واصبحوا عبئاً اقتصادياً وصحياً مما انتشار المرض لتنقية “المجتعات” وتجديدها بحيث تعطى الاولوية للشباب .

انه بمثابة فيلم خرافي لا يمكن تصديقه لان ما يحصل لا يعود الى زمن القرون الوسطى او ما بعدها بل للقرن الواحد والعشرين حيث التقدم التكنولوجي والاقتصادي في اوجه. انها مسألة اخلاقية عميقة يفترض ان تطرح في هذه المجتمعات بحيث ليس واضحاً هل يجب التكتم على القيام بنزع اجهزة التنفس عن المسنين لتضاؤل فرصهم بالحياة في حال اُصيبوا بالمرض او الاعلان عن ذلك صراحة فتظهر الخيارات الصعبة التي وضعت امامها السلطات الصحية والمستشفيات فاختارت اهون الشرور.

في الاحوال المنطقية العادية تمنع دول كثيرة في العالم الموت الرحيم الذي يطالب به مسن مريض يعاني اوجاعاً هائلة وهناك ملاحقة قانونية لذلك بحيث يلجأ من يودّ اعتماد الموت الرحيم الى بعض الدول التي تجيزه منعاً لأي ملاحقة للاطباء او للاقرباء الذين يوافقون على ذلك.

ولكن اذا كانت الظروف الخطيرة التي فرضها انتشار وباء الكورونا يجيز هذا الامر، فإن التغطية القانونية ستتوافر من السلطات السياسية. لكن هل يمكن تخيل اي امرء يمكن ان يضحي بوالده او والدته في هذه الازمة بسبب فقدان او نقص اجهزة التنفس فحسب.؟

نقابة الاطباء البريطانيين اعترضت على قرار الجمعية البريطانية التي سلكت سلوك ايطاليا واسبانيا على هذا الصعيد. فاعتبرت ان هذه السياسة ستكون كذلك تمييزاً ضد كل من كبار السن والاشخاص الذين يعانون من امراض مزمنة عبر اعاقة قدرتهم على الحصول على العلاج اللازم لهم والمنقذ لحياتهم. يثير ذلك تساؤلات اذا كان الشخص السليم ممن تعدى عمره الثمانين يجب ان يُحرم من العلاج على اساس السن.

وينبغي الاقرار بأن هذه الدول التي اعلنت عن وقائع من هذا النوع اضطرت الى لملمتها بسرعة ولا سيما انها دول كاثوليكية في شكل اساسي بحيث ان الدين المسيحي لا يسمح بذلك فضلا عن ان تكرارها سيترك من دون شك تداعيات خطيرة على نسيج المجتمعات الغربية والاخلاقيات او المعايير التي تعمل من ضمنها. اذ ان فشل القادة السياسيين في استباق الازمة او عدم ايلائهم الاهمية الكافية للوباء او تفضيل بعضهم انقاذ الاقتصاد وعدم وقف عجلته على انقاذ حياة الناس اضافة الى حتمية مراجعة الانظمة الصحية في عدد كبير من الدول ستكون جميعها ملفات مفتوحة امام هذه الدول. لكن الاهم هو الاسباب وراء اضطرار كبار السن الى دفع فاتورة غباء او اهمال او لامبالاة قادة سياسيين حشرتهم الازمة واربكتهم.

والازمة الاكبر ان يجد كبار السن انفسهم فجأة ، وقد امضى كثر حياتهم مثلا في خدمة بلادهم، متروكين عن عمد للموت بدلاً من رد الجميل اليهم او انقاذهم في زمن الشدة. لا بل ان الرعب ساور من تخطى الخامسة والستين في دول اوروبية ولا سيما بين المهاجرين لئلا يتركوا فجأة على سرير ما في مستشفى ، في حال توافر لهم سرير، في حال انتقلت العدوى اليهم.

اما الامر الاخر فيتصل بواقع استخدام دول ديموقراطية تهديدات بالسجن او بفرض غرامات عالية على مواطنيها من اجل دفعهم الى التزام معايير البقاء في منازلهم. اذ بدا لافتاً ان تهدد كندا مواطنيها بالسجن لسنة في حال خرق هذه المعايير فيما هددت روسيا وعلى نحو لافت بالسجن لسبع سنوات. ( هل هو الفارق بين دول ديموقراطية وانظمة شمولية ؟) فيما ان رئيس الفيليبين رودريغو دوارتي دعا الجيش والقوى الامنية الى اطلاق الرصاص على المخالفين ( !) وكأنما المخاوف من ازدياد عدد الاصابات، وتالياً الوفيات، قد يبرره اعدام بالرصاص مثلا.

وعلى رغم ان هناك ما يبرر لهذه الدول رفع سقف تهديداتها بإجراءات قاسية في حق المواطنين نتيجة عدم التزام كلي بتوصياتهم وفي ظل المخاوف من انتشار واسع للمرض، الا ان التعبير عن ذلك بدا بدوره صورة من افلام هوليوودية اكثر منها من الواقع.

ولعل في هذه التهديدات مبالغات كبيرة لكن بات واضحاً ان انتشار الوباء اظهر جوانب غير معروفة لدى الانظمة من المتوقع ان تترك تداعيات كبيرة في المرحلة المقبلة في اي اتجاه كان خصوصاً اذا صح ان الوباء يمكن ان يتكرر او تجنباً لظروف مماثلة في اي وقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات