Search
728 x 90

عطر نسائي في الحكومة الجديدة

عطر نسائي في الحكومة الجديدة

سابقة تاريخية سجلتها الحكومة الجديدة عبر ضمّ اربع وزيرات، تسلمّت اثنتان منهن وزارتين  “ثقيلتين” لأول مرة في تاريخ لبنان، ان لم يكن في الشرق الاوسط، وهما الداخلية والطاقة. فهل تعيينهن جاء فقط لتجميل صورة لبنان الرسمي الذي غرق تسعة اشهر في المناكفات والمحاصصة السياسية والواقف على شفير الهاوية المالية، ام انه استجاب للترغيب الخارجي من ضمن الإسهام في تمكين المرأة العربية ام انه ناجم عن تطور ايجابي في الحياة السياسية اللبنانية ؟

حريّة ولكن

إذا كانت النساء العربيات يحسدن المرأة اللبنانية على الحريّة الاجتماعية التي تتمتع بها، فإنهن لا يحسدنها حتماً على دورها شبه الغائب في السياسة المحلية وفي تبوئها مناصب المسؤولية الرسمية. وما المطالبة بكوتا نسائية في البرلمان سوى سعي بديهي لتأمين مساحة – ولو محدودة – للبنانية السبّاقة في ميادين جامعية وعملية جمّة، اذ ان لبنان يُعدّ من بين اكثر البلدان تثقيفاً لنسائه اللواتي بتن، وفق ارقام الهيئة الوطنيّة لشؤون المرأة اللبنانيّة، يتساوينَ في الأعداد تقريباً مع الذكور في القضاء وفي المحاماة، كما يشكلنَّ نحو 24 % من الجسم الطبي، وأكثر من 18% من أعداد المهندسين و 70% من الصيادلة، اضافة الى انهن يتساوين بأعدادهن كأساتذة جامعيين مع الذكور في معظم الجامعات والمعاهد العليا.

واللبنانية لم تصل الى سدة المسؤولية من قبل الا بعامل التوريث السياسي. فكانت تارة “زوجة شهيد” مثال نائلة معوض وصولانج الجميل وطوراً “شقيقة شهيد” مثال بهية الحريري، او حتى “ابنة شهيد” مثال نايلة تويني. ولم يقتصر التوريث على سبب الشهادة، فالنائب ميرنا البستاني كانت اول سيدة ترث مقعد والدها اميل البستاني الذي قضى في تحطم طائرته الخاصة العام 1963 فانتخبت بالتزكية لتفتح باكورة المشاركة النسائية النيابية التي انتظرت 28 عاماً، لتتبعها نايلة معوض العام 1991 بعد اغتيال زوجها الرئيس رينيه معوض، ومن ثم العام 1992 مهى الخوري الخوري (اثر اغتيال شقيقها غيث الخوري) ونهاد سعيد العام 1996 (بعد وفاة زوجها انطوان سعيد).

 وبات التوريث السياسي شبه قاعدة كما لدى العنصر الذكوري، طبقتها ايضاً النائب جيلبرت زوين التي “ورثت” مقعد والدها النائب موريس زوين، والنائب سيتريدا جعجع نيابة عن زوجها رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، مع تسجيل استثناءات سابقة نادرة مثال غنوة جلول (من تيار المستقبل) التي انتخبت في دورتي 2000 و2005 وديما جمالي ورلى الطبش جارودي (من المستقبل ايضاً) وبولا يعقوبيان (من المجتمع المدني) في دورة 2018.

وفيما لم تتعدّ نسبة مشاركة المرأة في المجلس النيابي الـ 10% ، احتلّ لبنان المرتبة 180 عالمياً والـ15 عربياً في نسبة مشاركة النساء في البرلمانات، اذ ان عدد النساء اللواتي دخلن البرلمان منذ إقرار حق المرأة بالانتخاب والترشح العام 1953، عشر فقط، خمس منهن انتخبن لأكثر من دورة (نايلة معوض، سيتريدا جعجع، جيلبرت زوين، بهية الحريري، صولانج الجميل) علماً ان العنصر النسائي  يشكل 50.8% من إجمالي الناخبين وفق الارقام التي وردت العام 2016.

اما اليوم، فشكلت الانتخابات النيابية الاخيرة العام 2018 قفزة نوعية لترشيح المرأة اللبنانية حيث ترشحت 86 امرأة ، 70% منهن على لوائح غير حزبية او لوائح المجتمع المدني، مقارنة بـ 12 مرشحة فقط في الدورة السابقة العام 2009.

ورغم ان البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري الاولى في عهد الرئيس ميشال عون أكد على أن “الحكومة ستعمل مع المجلس النيابي على إدراج كوتا نسائية في قانون الانتخابات المنوي إقراره”، الا ان هذا القانون أُقرّ من دون كوتا، لا بل رشحّت الاحزاب اللبنانية 9 نساء فقط على لوائحها من اصل 86 مرشحة: 3 على لوائح تيار المستقبل، 3 على لوائح التيار الوطني الحر، اثنتان على لوائح القوات اللبنانية، ومرشحة على لوائح حركة امل فيما ضمت لوائح المجتمع المدني رقماً قياسياً بلغ 19 امرأة. اما لوائح الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الله فلم تضمّ اي مرشحة.

واللافت ان ست مرشحات فقط دخلن البرلمان بعد فوزهن في مقابل اربع العام 2009، بحيث صُنّف لبنان  من بين اسوأ 10% من البلدان من حيث المشاركة السياسية للمرأة وفق المركز اللبناني للدراسات.

 اما وزارياً، فالأرقام صادمة:  61 عاماً بعد استقلال لبنان، و66 حكومة و8 رؤساء جمهورية حتى يشهد لبنان تعيين اول وزيرتين من اصل 12 وزيرة فقط.

حكومة الرئيس عمر كرامي: اول وزيرتين في تاريخ لبنان، بين تشرين الاول 2004 و19 نيسان 2005، هما وزيرة الصناعة ليلى الصلح حماده ( ابنة رجل الاستقلال رئيس الحكومة الراحل رياض الصلح وأرملة الوزير ماجد حمادة، نجل رئيس الحكومة الراحل صربي حمادة) الى جانب وزيرة الدولة لشؤون مجلس النواب وفاء الضيقة حمزة.

-حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بين 19 تموز 2005 و11 تموز 2008: نايلة معوض وزيرة للشؤون الاجتماعية.

-حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بين 11 تموز 2008 و9 تشرين الثاني 2009 : بهية الحريري وزيرة للتربية والتعليم العالي.

-حكومة الرئيس سعد الحريري من 9 تشرين الثاني 2009 الى 13 حزيران 2011: ريّا حفار الحسن (من تيار المستقبل) وزيرة للمال ومنى عفيش وزيرة دولة.

-حكومة الرئيس تمام سلام بين 15 شباط 2014 و18 كانون الاول 2016: اليس شبطيني وزيرة للمهجرين.

-حكومة الرئيس سعد الحريري بين 18 كانون الاول 2016 و31 كانون الثاني 2019: عناية عز الدين (من حركة امل) وزيرة دولة لشؤون التنمية الادارية.

-حكومة الرئيس سعد الحريري من 31 كانون الثاني 2019: وزيرة الداخلية والبلديات ريا الحسن، وزيرة الطاقة والمياه ندى بستاني، وزيرة دولة لشؤون التنمية الإدارية مي شدياق، وزيرة دولة لشؤون التأهيل الاجتماعي والاقتصادي والمرأة فيوليت خيرالله الصفدي.

علماً انه تم  تعديل اسم وزارة الدولة لشؤون التأهيل الاجتماعي والاقتصادي للشباب والمرأة ليصبح “وزارة الدولة لشؤون التمكين الاقتصادي للنساء والشباب” بطلب من الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية.

 من هنا عدم استغراب موقع لبنان العالمي على صعيد تمكين المرأة سياسياً وفق The World Economic Forum  اذ بات في المرتبة 142 من اصل 144 دولة، فيما وضعته مشاركة نسائه في الحياة البرلمانية في المرتبة 141 بعدما احتل المرتبة 65 بالنسبة الى العام 1952، يوم حازت فيها المرأة على حق الاقتراع. اما مشاركة المرأة وزارياً فوضعته في المرتبة 138.

وأتت الانتخابات النيابية الاخيرة لتدعم هذا الاتجاه، خصوصاً ان النساء يشكلن نصف القوة الناخبة، مما لفت المنظمات الدولية غير الحكومية التي تعنى بتمكين المرأة ومساواتها بالرجل وتوعيتها على حقوقها، الى ان الاحزاب الكبرى والصغرى في لبنان لم تعط المرأة حقها، لا ترشيحاً ولا تحميلاً فعلياً للمسؤولية.

من هنا ايضاً كان العتب الضمني الصادر من هذه المنظمات، ولا سيما منها المتعلق بالأمم المتحدة، اذ ان صورة لبنان العصري المتقدم تحرراً عن مختلف الدول العربية، باتت مشوهة نوعاً ما بفعل الذهنية السياسية الرجعية التي يتم التعامل بها مع المرأة، خصوصاً ان غالبية هذه الدول حسّنت وضع المرأة فيها بشكل ملحوظ، اكان قانونياً ام اجتماعياً ام سياسياً.

وإذا كانت هذه المنظمات تركّز على تمكين المرأة العربية ولا سيما اللبنانية عبر دعم الجمعيات المحلية التي تعنى بها، معنوياً ومالياً وبالنشاطات، فإنها لفتت في تقاريرها الى موقع لبنان المتدني في هذا الاطار، خصوصاً ان الدراسات التي قامت بها في مختلف البلدان العربية اثبتت دورها في تمكين المرأة، اكان من الناحية الاقتصادية عبر توعية النساء على فرص العمل المتاحة وتدریبهن على المشاريع المدرّة للدخل، أم اجتماعياً  عبر دعم شخصیة المرأة، وسياسياً عبر توعیتها على واجباتها السیاسیة في المجتمع، وقانونياً عبر اطلاعها على حقوقها القانونیة الخاصة.

لذا، اعتبر كثيرون ان تعيين اربع وزيرات يشكل “تبييضاً” لصفحة السياسة اللبنانية المثقلة بتسعة اشهر من المناكفة والمحاصصة اللتين حالتا دون تشكيل الحكومة من قبل، ونوعاً من “الاستلحاق” الرسمي لركوب موجة العصرنة والانفتاح والتحرر في عصر التخوف من الاصولية والرجعيّة الفكرية، بغض النظر عن الاسباب الوجيهة لهذا التعيين النسائي، اكانت سياسية ام غيرها، وبغض النظر طبعاً عن انتفاء الشك بالقدرة النسائية على تبوّء اعلى المراكز والنجاح في تحمل المسؤوليات واتخاذ القرارات الصعبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات