Search
728 x 90

صياغة لبنان اخر بعد مئويته الاولى

صياغة لبنان اخر بعد مئويته الاولى

يثير استمرار القوى السياسية في لبنان في مماحكات سياسية لا بل في كباش مرير استغراباً شديداً لدى مراقبين ديبلوماسيين يقفون مصعوقين تماماً امام صراع تبدو نتائجه واضحة للعيان في المزيد من انهيار لبنان اقتصادياً ومالياً وانعدام قدرته على النهوض لسنوات عدة لا بل عقود مقبلة .

فالوضع بات اشبه بلحس المبرد بحيث ان المزيد منه يدمي وفق تحذيرات الامم المتحدة والمنظمات الانسانية فيها من ازدياد نسبة الفقر وتخطيها نسبة 60 في المئة فيما ان القوى السياسية تتصرف كما لو انها تنام على اسرار تسمح بالامل ان البلد يملك ما لا يمكن الافصاح عنه من اوراق او انها تخوض صراعاً قاتلاً على قاعدة غرق الجميع دفعة واحدة اذا كانت لا تستطيع الانتصار او الاستئثار بالسلطة او ان هذه القوى تعتقد انها يمكن ان تنجز فيما يغرق الاخرون وان المعارك التي تجريها على حافة الهاوية ستؤدي الى هلاك خصومها وانتصارها. هذ المسار التدميري بكل احواله يترك الجميع غير مصدق حول لامبالاة سياسية لم تنفع معها انتقادات شديدة وجهها الخارج ولا سيما الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون ولا العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على بعض المسؤولين وابرزهم كان في الاونة الاخيرة صهر رئيس الجمهورية ورئيس تياره السياسي جبران باسيل.
ولا يقل الاستغراب ازاء انخراط مباشر للرئيس ماكرون في مساعدة لبنان لكي يتجاوز ازمته او يجمد انزلاقه السريع الى الانهيار مع زيارة ثالثة متوقعة قبل اعياد نهاية السنة الى بيروت من دون قدرته على تجاوز العراقيل او اقناع القوى السياسية في الاتفاق على تخطي المرحلة الراهنة. وهو امر يثير التساؤل اذا كانت القوى السياسية اللبنانية هي وحدها التي تعرقل لحسابات شخصية معروفة في ظل الاستعداد لاستحقاقات دستورية كالانتخابات النيابية المقبلة وانتخابات رئاسة الجمهورية وسعي البعض الى تكريس المكاسب الميدانية ولا سيما بالنسبة الى ” حزب الله” وتسييل نفوذه دستورياً، ام ان هناك توظيفاً خارجياً على خلفية امساك ايران بالورقة اللبنانية تعزيزاً لمفاوضاتها المقبلة مع الادارة الاميركية الجديدة وسعي النظام السوري الى توظيف الاهتراء اللبناني ربطاً بتأمين الحل السياسي الذي يناسبه في سوريا.
وواقع الامر ان مجموعة هذه الاعتبارات قد تلتقي معاً بحيث لا يمكن فصلها على رغم الاستغراب الشديد الذي يثيره المسؤولون اللبنانيون بربط بلادهم بالاستحقاقات الخارجية كما حصل بالنسبة الى الانتخابات الاميركية وراهناً بالنسبة الى تسلم الادارة الاميركية الجديدة مهماتها.
ولكن الاستغراب الديبلوماسي لا ينفي في الوقت نفسه ان عدم قدرة الخارج على فرض ضغوطه كما هي الحال بالنسبة الى فرنسا انما لا يعود فقط لقدرة الافرقاء اللبنانيين على مواجهة هذه الضغوط انما يعود لعدم امتلاكها الاوراق الضاغطة بما يكفي وفق معادلة العصا والجزرة لان هناك شروطاً اقليمية لا تجد طريقها الى التجاوب معها.
وهذا لا ينفي مسؤولية الزعماء اللبنانيين الذين يعمل غالبيتهم وفق اجندات شخصية وطائفية ضيقة بعيداً من مصلحة لبنان ككل على رغم انه ينبغي الاعتراف بأن الطوائف تستقوي بالخارج بحيث تغدو القوى الاقليمية والدولية متصارعة في لبنان وعلى حسابه تماماً وفق ما يظهر من الكباش الاميركي الايراني في انتظار اتضاح طبيعة الحوار بين الجانبين في المرحلة اللاحقة.
ولعل ابرز تعبير عن الربط بين ما يشهده لبنان وهذا الكباش ما وصل اليه ملف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل والذي انطلق في وقت مستغرب جداً في 14 ايلول الماضي، اي قبل اسبوعين من موعد الانتخابات الاميركية، كربط نزاع ايراني مبكر من جانب ايران تحسباً لاعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب لولاية ثانية ومن ثم اصطدام هذا الملف بعراقيل واضحة تم ربطها بانتظار ايران تسلم ادارة بايدن الرئاسة في 20 كانون الثاني المقبل من اجل ابقاء الملف ورقة لتعزيز موقع التفاوض.
هل يجعل ذلك من لبنان رهينة لنفوذ ايران وسطوة ” حزب الله”؟ هذا بالتأكيد ما يحصل وهو ما يترك لبنان عملانياً من كل الدول الصديقة ولا سيما العربية منها في تحدي واضح امام لبنان لتصويب موقعه الاستراتيجي والسياسي تحت وطأة بقائه في مرحلة سقوط حر واصطدام كارثي ما لم يراجع سياساته .
ومؤدى ذلك كباش اقليمي ايضاً بين ايران والدول العربية في لبنان ايضاً بعدما بدأت مؤشرات جوهرية في المنطقة من خلال التطبيع الذي انطلق بين دول خليجية واسرائيل قبل انتهاء ولاية ترامب واستباقاً لتسلم بايدن ايضاً ما يفرض امراً واقعاً جديداً في المنطقة يصعب تجاوزه في اطار تجميع الاوراق استعداداً للمرحلة المقبلة.
ولا يتمتع الافرقاء اللبنانيون بالمناعة الوطنية الكافية من اجل تحييد لبنان بل يوظفون الصراعات الاقليمية والدولية لتحقيق مطامعهم حتى لو ادى ذلك الى تدمير البلد اقتصادياً واجتماعياً ومؤسساتياً فيما يسقط اللبنانيون ضحايا كأضرار جانبية للعوامل كلها مجتمعة الداخلية والخارجية معاً.
وواقع انهيار لبنان على كل المستويات يثير اسئلة لا اجوبة عليها بحيث ان المسؤولين لا يبدون مقيمين على هاجس اليوم التالي اياً كانت النتائج فيما ان المخاوف كبيرة من اضمحلال لبنان في زمن تمّ تهدئة العراق بعدما حل به وتهدئة سوريا بعد الحرب فيها منذ 2011، مما نزع عن الخارج تهمة محاولة تفتيت المنطقة وتقسيم هذه الدول، الامر الذي كان سينعكس حكماً على لبنان .
ولكن تعود راهناً نغمة عدم الممانعة في احياء الفدرالية كنظام حكم ربما بناء على ان سوريا لا تبدو في الافق انها ستكون موحدة تحت رئاسة بشار الاسد الذي يترشح للانتخابات الرئاسية مرة جديدة في السنة المقبلة وبناء على محاولة تثبيت ان سلاح ” حزب الله” ابدي وسرمدي الوجود حتى لو انتفى الصراع مع اسرائيل وايضاً بناء على احياء آمال كانت انتعشت ابان الحرب لدى الافرقاء المسيحيين .
ويساعد على ذلك ان تدمير المؤسسات الدستورية وكل قطاعات الاقتصاد والمال والتربية والمصارف سيؤدي الى اخضاعها جميعاً الى محاولة صياغة جديدة بحيث لا تعود اطلاقاً كما كانت وفي ايدي طوائف قوية بها.
وهو ما يجري عملياً راهناً على خلفية مكاسب سياسية للبعض وفق ما يجرى تسليط الضوء على الاكتفاء المالي والامني والاجتماعي وحتى الاقتصادي الذي يؤمنه ” حزب الله” لمناصريه وبيئته . ويخشى انه يجري عملية صياغة ضمنية لنظام جديد لبنان في حال بقي موحداً بين جميع طوائفه ولكن لا شيء مما قبل سيبقى على حاله لأن لبنان القديم دفن مع مئويته الاولى في انتظار التحضير للبنان آخر مختلف كلياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات