Search
728 x 90

“صفقة” تنتزع من الفلسطينيين قضيتهم

“صفقة”  تنتزع من الفلسطينيين قضيتهم

بين “فرصة القرن” كما سمّاها مستشار الرئيس الاميركي صهره جاريد كوشنر، وبين عنوان ” السلام من اجل الازدهار”، قد تدفع القضية الفلسطينية ثمن ضياعها بأموال عربية، لو دُفعت للفلسطينيين اساساً لانتشلتهم من ضائقتهم الاقتصادية… وصانت القضية العربية الاولى منذ العام 1948… هذا، اذا فُرضت “صفقة القرن” على الفلسطينيين ودول الجوار.
وزير الخارجية والمغتربين السابق د. عدنان منصور وسفير لبنان السابق لدى الامم المتحدة ورئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بين 2005 و2009 السفير خليل مكاوي يحددان اكثر ما برز من “صفقة القرن” لموقع beirutinsights.

ابحثوا عن التطبيع

اذا كان قطار السلام او “سكة حديد السلام” – التي اقترحها وزير النقل الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تشرين الثاني 2018 خلال مشاركته في مؤتمر عن النقل الدولي في مسقط لربط دول الخليج بإسرائيل مرورا بالأردن – شبه مستحيلة في الوقت الراهن، فإن اكثر من متابع لتفاصيل “صفقة القرن” يشكك في قابليتها للتنفيذ بانتظار من سيصعد في قطارها من الدول العربية بعد الرفض الفلسطيني الجذري لها، علماً ان جزءها الاقتصادي فقط بات معلوماً فيما الجزء السياسي منها يتضح عبر تسريبات تولّت نشرها الصحافة الاسرائيلية. وعلماً ايضاً انها تأتي في لحظة اميركية مؤاتية كلياً لاسرائيل. فالإدارة الاميركية الحالية مؤيدة كلياً لتل ابيب، ولم يخف ذلك دونالد ترامب، لا في حملته الانتخابية الاولى، ولا في بدء حملته الثانية، نظراً الى انه يحتاج لدعم اللوبي اليهودي الاميركي بالكامل. فما من رئيس اميركي تجرأ من قبل ونقل سفارة بلاده رسمياً الى القدس او شرعن السيادة الاسرائيلية على الجولان- مهما كان دعمه قوياً لاسرائيل – كما اكد وزير الخارجية السابق عدنان منصور عبر موقع beirutinsights.

قد يعتبر بعض المحللين ان الظروف الاقليمية الاخيرة التي عاشتها المنطقة كانت مؤاتية لتحضير الارضية لصفقة القرن، اكان عبر الدعم الاميركي المطلق لاسرائيل، ام عبر الانشطة الايرانية في اليمن وسوريا والعراق وما رافقها من مخاوف خليجية حيال تصاعد التأثير الايراني، ام حتى عبرالضائقة الاقتصادية التي يعيشوها فلسطينيو غزة والضفة الغربية بفعل احجام الولايات المتحدة الاميركية عن دفع مساهماتها في مؤسسة الاونروا الاممية، كما اقفال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن ناهيك عمّا يتم تسريبه اسرائيلياً بين الحين والآخر عن انفتاح خليجي غير مسبوق على تل ابيب.

فمنذ ان قال رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في 18 شباط 2018 في مؤتمر ميونيخ للأمن عبارته الشهيرة “لم أكن أتخيل في حياتي أن تصل العلاقة مع بعض الدول العربية إلى مثل هذا التقارب”، بدا ان ميزان العلاقات الشرق الاوسطية فقد استواءه المعهود، خصوصاً بعدما عاد واكد المتحدث باسم نتنياهو أوفير جندلمان في 6 ايلول 2018 إن “ما يحدث في علاقاتنا مع الدول العربية غير مسبوق.. هذا تغيير هائل”.

ومن المفارقة ان يأتي احدث تصريح لوزير الخارجية البحرينية خالد بن أحمد آل خليفة لوسائل اعلام اسرائيلية في خلال مؤتمر المنامة، ليصب في هذا الاتجاه، اذ قال “إسرائيل دولة باقية، ونريد علاقات أفضل معها، ونريد السلام”.

من سخرية القدر ايضاً ان يكون مؤتمر المنامة فتح الباب للمرة الاولى لحضور اسرائيلي رسمي واعلامي على ارض دولة عربية لا تقيم علاقات رسمية مع تل ابيب في وقت اطلق الاعلام الاميركي اسم “ورشة عمل جاريد كوشنير” على هذا المؤتمر الذي يحمل العنوان الفلسطيني، مما شكل سابقة في المشهد العربي في البحرين، نجح في كسر “tabou” وجود مسؤولين عرب جنباً الى جنب مع مسؤولين اسرائيليين، كما لفت اليه الوزير السابق عدنان منصور، معتبراً ان الايجابية الوحيدة التي سجلها مؤتمر المنامة هي كشف النقاب عن كل الوجوه العربية التي كانت تدّعي الحفاظ على القضية والشعب الفلسطينيين مستعملة الادبيات المؤيدة الفارغة على مدى عقود.

اما قول جاريد كوشنر من المنامة، أن “مشكلة الشرق الأوسط يمكن حلّها اقتصاديا وسيتم الاعلان عن خطة للحل السياسي عندما ستكون جاهزة”، فيؤكد منصور ان المقصود بالحل السياسي هو تطبيع العلاقات مع الدول العربية – ومن البحرين- من دون الحصول على اي مكسب مسبق من اسرائيل.

فالغاية من “صفقة القرن” يقول منصور هي طي القضية الفلسطينية بشكل نهائي وكامل، باعتبار ان اسرائيل لم تستطع ضمان امنها منذ العام 1948 وحتى اليوم رغم كل الحروب التي قامت بها، طالما هناك شعب فلسطيني يطالب بأرضه وبحقه في ظل قرارات دولية تضمن له حق العودة.

والسلطة الفلسطينية التي تغيبت عن مؤتمر البحرين تعرف جيداً انها المستهدفة بهذه الصفقة، وهي رغم كل التنازلات التي قدمتها منذ مؤتمر اوسلو الى اليوم، لم تحصل على شيئ من اسرائيل، لا بل زاد الحصار والتهجير والاعتداءات وعدد المستوطنات التي حرصت “صفقة القرن” على ابقائها تحت السلطة الاسرائيلية مع جدارها الذي يحيط بها بطول 760 كلم. فكيف لصفقة تدّعي توفير الرخاء للشعب الفلسطيني، ان تستمر بالاعتداءات وبحصار غزة ومحاصرتها، ناهيك عن مصادرة الاراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات، يقول منصور.

من جهته، يعتبر رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بين 2005 و2009 وسفير لبنان السابق في الامم المتحدة السفير خليل مكاوي لموقع beirutinsights ان الحكومات شيئ والشعوب شيئ آخر. فلا يتجاسر اي حاكم عربي على أن يجازف بموقفه تجاه هكذا قضية حساسة تُعتبر جوهر الصراع العربي- الاسرائيلي خصوصاً ان القيادة الفلسطينية ترفض بيع ارضها.

وإذ يشدد مكاوي ان لا سلام عادلاً وشاملاً في المنطقة طالما هناك احتلال لفلسطين ولجزء من الاراضي اللبنانية، يعوّل على الشعوب العربية لإجهاض “صفقة القرن” الفاشلة مئة بالمئة – كما يقول- مضيفاً ان الشعب العربي يمتد من الخليج الى المحيط. فأي قوة بالعالم يمكنها ان تقهره ؟

غموض سياسي … وتوطين؟

البنود الاقتصادية لصفقة القرن التي باتت معروفة تقابلها بنود سياسية لا تزال كاملة الغموض، بحيث يبدو مصير 5 ملايين و150 ألف لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الأونروا وموزعين على الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وسوريا، مجهولاً.

فالجزء الاقتصادي من “صفقة القرن” نشر على موقع البيت الابيض الرسمي بعنوان” السلام من اجل الازدهار” باللغات الثلاث الانكليزية والعربية والعبرية، وهو من أربعين صفحة مقسمة الى 4 فصول: المقدمة، اطلاق العنان للإمكانيات الاقتصادية، تمكين الشعب الفلسطيني، تعزيز الحوكمة الفلسطينية.

والأرقام المالية التي تضمنها هذا الجزء تبدو فضفاضة وبرّاقة لتخبئ الواقع، وفق ما اكد اكثر من خبير اقتصادي اطلع عليها، اذ ان مبلغ خمسين مليار دولار الذي ذكرته الخطة موزع على عشر سنوات، وسيكون اكثر من نصفه بقليل مخصصاَ للضفة وغزة – وغالبيته بقروض ميسرة- فيما يتوزع المبلغ الباقي على الاردن ومصر ولبنان بحيث يثير التساؤل حيال كون هذا المبلغ “ثمن” توطين اللاجئين حيث هم، خصوصاً ان ما سًرب من الخطة يقضي بعودة الفلسطينيين الذين هجروا العام 1948 من دون اولادهم واحفادهم.

من هنا قراءة البعد الاخر ل”صفقة القرن” الذي يترجم في توطين الفلسطينيين في دول الجوار عبر التحفيزات المالية لهذه الدول ومن بينها لبنان. فلا الرساميل الاجنبية وجدت طريقها الى مشاريعه ولا هو يرضى بتوطين نصف مليون فلسطيني على ارضه سيغيرون حتماً تركيبته الديموغرافية، كما يؤكد منصور الذي يكشف ان التمهيد للصفقة بدأ منذ العام 2017 وتحديداً في كانون الاول، حيث اعلنت نتائج التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان ان عدد اللاجئين الفلسطينيين 170 الفاً فقط ، مما كان ليسهّل توطين هذا العدد الصغير،( على رغم ان هذا العدد صدر عن مجموعة عمل تضم جميع الاحزاب اللبنانية) علماً ان مساعد الامين العام للأمم المتحدة اكد في تقرير له العام 1996 ، ان على الارض اللبنانية 410 الف فلسطيني- كما كشف منصور.

من الاقتصاد الى “فلسطين الجديدة”؟

الغموض السياسي الذي لف “صفقة القرن” كشفت عنه صحيفة “يسرائيل هايوم” الإسرائيلية التي نشرت في 7 ايار 2019 ما قالت انه “وثيقة داخلية من 9 نقاط، تناقلتها مصادر في وزارة الخارجية الإسرائيلية، تتعلق بالتفاصيل الكاملة للـ”صفقة “.

وجاءت نقاط الوثيقة كالآتي:

1- اتفاق ثلاثي بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وحماس، بحيث تقام دولة فلسطينية يطلق عليها اسم “فلسطين الجديدة” على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، من دون المستوطنات القائمة.

2- تبقى الكتل الاستيطانية تحت السيطرة الإسرائيلية، وتُضم إليها المستوطنات المعزولة بحيث ترتبط ببعضها.

3 – تكون القدس مشتركة بين إسرائيل وفلسطين الجديدة، وينقل سكانها العرب ليصبحوا سكانا في فلسطين الجديدة، على ان تكون بلدية القدس مسؤولة عن كل أراضي القدس، باستثناء التعليم كما تدفع لها فلسطين الجديدة ضريبة “الأرنونا والمياه”، علماً انه لن يُسمح لليهود بشراء المنازل العربية، والعكس صحيح، على أن تبقى الأماكن المقدسة كما هي اليوم.

4 – تمنح مصر أراض جديدة لفلسطين، بهدف إقامة مطار ومصانع ومكان للتبادل التجاري والزراعة من دون السماح للفلسطينيين بالسكن فيها. ويربط أوتستراد غزة بالضفة الغربية.

5 – الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي ودول الخليج وافقت على المساعدة في تنفيذ الاتفاق ورعايته اقتصاديا.

6 – تتوزع الدول الداعمة المساهمات كالآتي:

– الولايات المتحدة 20%

– الاتحاد الأوروبي 10 %

– دول الخليج المنتجة للنفط 70%

7 – يمنع على فلسطين الجديدة أن يكون لها جيش وسلاح قوي، والسلاح الوحيد المسموح به هو سلاح الشرطة، على أن تتولى إسرائيل الدفاع عن فلسطين الجديدة من أي عدوان خارجي، شرط أن تدفع لها ثمن دفاعها.

8- الجداول الزمنية ومراحل التنفيذ:

– تسلم حماس كل اسلحتها للمصريين لدى توقيع الاتفاق.

– تؤمن المعابر الإسرائيلية والمصرية التجارة العالمية لقطاع غزة الذي تفتح اسواقه على الضفة الغربية وعبر البحر.

– تقام انتخابات ديمقراطية لحكومة فلسطين الجديدة بعد عام من الاتفاق.

– يطلق سراح جميع الأسرى تدريجيا لمدة 3 سنوات بعد مرور عام على الانتخابات.

– يتم انشاء ميناء بحري ومطار لفلسطين الجديدة في غضون 5 سنوات.

– ابقاء الحدود مفتوحة بين فلسطين الجديدة وإسرائيل أمام المواطنين والبضائع.

– اقامة جسر معلق ارتفاعه 30 متراً عن سطح الارض بين غزة والضفة الغربية.

9 – يبقى غور الاردن تحت السيطرة الاسرائيلية

وختمت الصحيفة الاسرائيلية بتحذير ورد في الوثيقة من ان اعتراض “حماس” ومنظمة التحرير الفلسطينية على الاتفاق سيؤدي الى الغاء الولايات المتحدة كل دعمها المالي للفلسطينيين مع ضمانها بألا تقوم أي دولة في العالم بتحويل الأموال إليهم.

وفي المقابل، ذكرت ذكرت صحيفة “ماقور ريشون” العبرية في 31 ايار2019 أن الخطة الأميركية تشمل نقل ضاحية أبو ديس في القدس إلى السلطة الفلسطينية بهدف إقامة العاصمة الفلسطينية فيها.

وفي هذا السياق، يسأل وزير الخارجية السابق عدنان منصور كيف يمكن لصفقة ان تكون لصالح الفلسطينيين فيما هي تقتطع 60% من مساحة الضفة الغربية البالغة 5800 كلم2 ليبقى للفلسطينيين 40% منها فقط، ناهيك عن ان شرط السلام مع اسرائيل يقضي بالإعتراف باسرائيل دولة لليهود، بحيث يكون المسيحي والمسلم فيها في اقامة “مؤقتة”.

ويستعين منصور بكتاب رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو A place among the nations ، الذي اكد “لن نقبل ان تكون الضفة الغربية مثل السوديت Sudet لتشيكوسلوفاكيا”، اذ ادى سقوط الاولى الى تمزق الثانية، وبمعنى آخر ان اسرائيل لن ترضى ان تفقد الضفة.

واذا كانت صفقة القرن لديها القدرة على “احداث تغيير جذري في الضفة الغربية وغزة وفتح فصل جديد في التاريخ الفلسطيني، لا يكون محدداً بالمحن والخسائر انما بالحرية والكرامة” – كما جاء في خطتها الاقتصادية – فإنها ادينت بيد النافذين في الادارة الاميركية عندما قال وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو في 3 حزيران 2019 ” يمكن القول إن صفقة القرن غير قابلة للتحقيق، وقد لا تحقق النتائج”.

اما صانع “الصفقة” جاريد كوشنر فأعدم في اليوم نفسه اي موافقة فلسطينية محتملة – وان كانت مستحيلة- بإعلانه من اسرائيل “انا هنا ليس لكسب ثقة الفلسطينيين. ونأمل في أن يصبحوا في وقت ما قادرين على إدارة أنفسهم “… اي ان الوقت لم يحن بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات