Search
728 x 90

صفقة القرن والصراع الوجودي أين الديبلوماسيّة اللبنانيّة؟

صفقة القرن والصراع الوجودي أين الديبلوماسيّة اللبنانيّة؟

“صفقة القرن” صفعة جديدة للانتلجنسيا الدَّوليّة والعربية، للأمم المتّحدة وجامعة الدول العربيّة، للمرجعيّات المسيحيّة والإسلاميّة واليهوديّة.
الديبلوماسية اللبنانية مدعوة لإعداد ملف تفاوضي متكامل لرفع الصوت حيال ما يريده لبنان ويراه ويناضل من أجله. والأولويّة لتفكيك دوغماتيّات هشّة بغية التأسيس لاشتباك ديبلوماسي متماسك مع الساعين لفرض التوطين وإجهاض حق العودة.

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

لن يفهم المجتمع الدولي أنَّ إنجاز حلّ مستدام للصّراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وبالتالي العربي – الإسرائيلي، لن يقوم إلا على أساس العدل. ليست جديدة ولا مستجَدّة صفقة القرن التي يُثار حولها الكثير من علاماتٍ الاستفهام. متجدّدةٌ هي. والطابع الاقتصادي – الاستثماري، والتحفيزي – التعويضي تمويليّاً فيها كان نتاج مساراتٍ أُخرى منذ بداية الخمسينيّات. المحاولات عينها تتراكم. الفشل عينه سيتكرّر. السلام خيار وليس صفقة. إسرائيل لا تريد السلام.

من غير المجدي، على ما اعتدنا عليه، قرع طبول المعركة بوجه مؤامرة مستمرّة منذ العام 1948. وعلى كثيرٍ من السذاجة انتِهاج نسَق التخويف والتخوين من باب فبركة انتصارات وهمية. من الأولى بمكان بناء ديبلوماسيّة لبنانيّة رصينة تأخرّت، وعلى الأرجح لن ترَ النور للأسف. وإنَّ أيّ بناءٍ لهذه الديبلوماسية اللبنانية الرصينة يقتضي إطلالةً على مشاريع “التوطين” و”الاستيطان” تاريخيّاً، والمسارات التفاوضية حول اللاجئين الفلسطينيين، خلوصاً الى أولويّة تفكيك دوغماتيّات هشّة بغية التأسيس لاشتباك ديبلوماسي متماسك مع الساعين لفرض التوطين وإجهاض حق العودة.

1- اللاجئون الفلسطينيّون و”مشاريع التوطين” و”الاستيطان”

منذ بدأت العصابات الصهيونية التطهير العنصري بحق الفلسطينيين، استحدث قادتها ومنظروها مفهومين متكاملين “منع العودة” وتسويق “حق العودة”. منع عودة الفلسطيني وحق عودة اليهودي. وكانت معادلة “أرض بلا شعب لشعب بلا ارض”. أُرفقت هذه المعادلة بمشاريع متوالية تحفّز الاستثمار الايديولوجي في صندوق استيطاني، كما طُرح إنشاء “صندوق تعويضي” على من سيهجّرون بأموال دولية، ليتم إطلاق فكرة التعويض على اليهود الوافدين الى اسرائيل من الدول العربية بصندوقٍ خاص مؤخراً. وتوالت مشاريع مثل “لجنة غوردن كلاب”، و”بلاندفورد”، و”الكنيسة الاميركية”، و”مستركين”، و”وكالة الغوث لنقل اللاجئين الى ليبيا”، و”جمعية أصدقاء الشرق الاوسط الاميركية لتوطين اللاجئين”، و”إريك جونسون”، و”باروخ”، و”همرشولد”، و”جوزف جونسون”… ما أنتجت هذه المشاريع توطيناً بمعنى تجنيس الفلسطينيين في دول جوار فلسطين المحتلة التي لجأوا اليها، باستثناء الخصوصية الاردنية وهي الوحيدة التي أنجزت استراتيجيّات متكاملة لمواجهة ما أُسمِي بـ “الوطن البديل”، بقدر ما أثقلت كاهل هذه الدول، كما اساءت الى حالة اللاجئين الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأمنيّة، خصوصاً في لبنان حيث شابت العلاقة مع اللاجئين الفلسطينيين على مدى 15 عاماً تشوّهات بنيوية. وعانى لبنان ما عاناه قبل انطلاق ترميم الذاكرتين اللبنانية والفلسطينية منذ العام 2005.

2- اللاجئون الفلسطينيّون: مسارات تفاوضيّة

بين الاعوام 1991 – 1997 أُطلق فريق عمل اللاجئين الفلسطينيين ليعقد 8 اجتماعات تفكير، وتأسس من خلاله عام 1995، وبعد اتفاق أوسلو (1993) جسم تفاوضي ثابت طُرحت فيه وثائق مثل “بيلين – أبو مازن”، و”مسار أوتاوا”، وكانت إشارة واضحة في هاتين الوثيقتين الى حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى “دولة فلسطين” (الضفة – قطاع غزة) مع الدفع في اتجاه إقرار اسرائيل بمبدأ لم الشمل ضمن الاراضي المحتلة، الى تداول إمكان إنشاء “هيئة دولية للاجئين الفلسطينيين”. ثم برزت “قناة استوكهولم” (2000) بتسهيل سويدي والتزام أميركي لبناء سيناريوات، واكبها مذذاك وحتى 2003 دراسات قام بها خبراء في البنك الدولي برعاية الادارة الاميركية لتقدير أحجام التعويضات المترتبة لحل نهائي لهذه القضية.

لم يسقط منطق التعويض حق العودة بالكامل، بل إن الرئيس الاميركي بيل كلينتون، وفي رعايته الماراتونية طرح سيناريوات أربعة: العودة الى اسرائيل (لمّ الشمل)، العودة الى الضفة وقطاع غزة، الانتقال إختيارياً الى بلد ثالث، البقاء اختيارياً حيث هم. كان ذلك في “كمب ديفيد” وأطلق كلينتون حينها، ما لم نصوّب عليه جهودنا إعلامياً وديبلوماسياً، معادلة “دولة فلسطين هي أرض الشعب الفلسطيني، واسرائيل هي أرض الشعب اليهودي”. في هذه المفاوضات طرح حق التعويض لليهود ليسحب من التداول في مفاوضات طابا (2001). في جولة طابا نوقشت خصوصية لبنان، وطُرحت فكرة عودة 25 ألفاً من اللاجئين فيه كل 3 سنوات على مدى 15 عاماً، ما يعادل 125 الفا ما يجزئ حق العودة. وفي هذا جريمة ضد العدالة، انما تستأهل دفعاً في اتجاه الضغط لاستكمال العدد بالكامل حتما مع الضغط لإنشاء دولة فلسطين التي اكدها كلينتون، وبتضافر الجهود في استكمال العدد بين الشرعيتين اللبنانية والفلسطينية. حينها لم يسمح للبنان ان يفاوض او ان يتحرك ديبلوماسيا.

بعد طابا أتت مبادرة السلام العربية (2002)، فـ”خريطة الطريق” (2003) لتطلا على معادلة “ايجاد حل موافق، وسليم وعادل وواقعي لقضية اللاجئين الفلسطينيين”، في ظل انطلاق محاولات غير رسمية لتظهير رؤى حل. فكانت وثائق “صوت الناس” (2002)، و”جنيف” (2003)، و”فريق AIX” حيث بنيت نظرية الحل الاقتصادي للاجئين. في انابوليس أهملت القضية وكان بحسب مرجع رسمي لبناني، صوت لبنان فيها عاليا كما الفاتيكان، اذ تمحورت النقاشات حول الحدود والاستيطان والامن.

لم يكن ما سبق استعراضاً تأريخيا بقدر ما هو قراءة السيناريوات، واستلهام عناصر منها قد تدعم الحقيبة الديبلوماسية اللبنانية المرتقبة حين يحل ربما موعد الحلول، بمنأى عن المساومة على ثابتة دعم حق العودة، وصوت لبنان الدستوري والشعبي عال في هذا الإطار، نصرة لفلسطين وتأكيداً على دعم لبنان حق العودة.

في هذا السياق ثمّة تساؤل في هل يقوم رفض لبنان لأي شكل من أشكال التوطين المباشر او المقنّع، انطلاقاً من خوف على ديموغرافيته وتوازناته الطائفية؟ او لقناعته بأن أي طرح لإبقاء الشتات الفلسطيني ودمجه بالمجتمعات التي هجّر اليها اغتيال لهويته بداية، ونحر للعدالة الدولية ثانياً، بما ينهي بالكامل أي إمكان تجنيب التاريخ مجازر مماثلة؟

إن توحيداً وطنياً للمصطلح في اعتماد “دعم حق العودة”، مع ما سبقه في مقدمة الدستور من “رفض التوطين”، كفيل بإخراج هذه المسألة الانسانية العادلة من بازارات الاستغلالات الداخليّة التهويلية التي استحالت مذهبية، وبإنقاذها من التقزيم العنصري، الذي تفسّره اسرائيل عبر استنادها الى استقبالها يهوداً عرباً تركوا دولهم الاساس ليستوطنوها. وشتّان بين الهجر الطوعي والممنهج، والتهجير الدموي المنظّم.

3- تفكيك الدوغماتيات الهشّة

الديبلوماسية الهجومية تضمن “حق العودة”. لا أدري ما علاقة السلاح، أي سلاح، غير ذاك الممسكة به الشرعية اللبنانية، لا أدري ما علاقته بـ”حق العودة”، أو ربما بـ”حقوق أخرى”. استصدار شرعنة وجودية لسلاح وتأبيد منظومته انطلاقاً من “رفض التوطين” يحتمل المساءلة في كيفية مساهمته بدعم حق العودة. ثمة دوغماتيات تربط وثيقاً بين السلاحين ووظيفتيهما ويجب تفكيكها. لكن هل من تجزئة في السيادة؟ أوليست وحدة الرؤية والقرار والتحرك بيد الدولة اللبنانية كفيلة بدعم حق العودة؟

ثمة بعض اندفاعات حماسية ربما، أو متهورة، أو تكتيكية، أو توظيفية، سنشهدها في الايام والاسابيع المقبلة، لكن دعم حق العودة ينتجه الفعل الهادئ، والرصين، والرؤيوي، في تواصل مع مواقع القرار لإقناعها، أكثر منه البكاء على أطلال مؤامرات تحيكها. كيف تحيكها؟ بمساندة من قرّر منذ 61 عاماً أن يقبض على العقول قبل الاحتكام الى خيارات السلاح.

4- الديبلوماسية الهجومية

إن الحكومة اللبنانيّة مدعوّة الى بلورة تصوّر لدعم حق العودة بديبلوماسية هجومية مرتبطة حتماً بالاستراتيجية الدفاعية. وإن هذا التصوّر يجب أن يتأسس على إيقاظ حركية سياستنا الخارجية من سباتها في عواصم القرار، عبر تشكيل فريق عمل متخصص يتواصل مع مراكز الابحاث ووسائل الاعلام، ورجال الاعمال و…، وللبنان من هؤلاء ملايين من أصل مهاجر او متحدّر. على هذه الديبلوماسية الهجومية أن تنسق مع الشرعية الفلسطينية وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، وتسمعهم ما يريد لبنان ويراه ويناضل من أجله، لا فقط الاصغاء الى ما هم يتطلعون اليه. المبادرة اللبنانية باتت ملحّة فعلاً لا قولاً. وهذا ما يقتضي إعداد ملف تفاوضي متكامل يبدأ بالداتا، ويمر بالحجج القانونية لعودة اللاجئ الى دياره، ويختم بتقدير التعويضات التي يستحقها لبنان عن الاجتياحات الاسرائيلية كما العدوانات والاشكالات التي نتجت عن هذا التواجد القسري على أرضه. كل ذلك تحت سقف قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام. أما الاكتفاء بترداد المبادئ، او تحصينها فقط داخلياً، من دون مبادرات في السياسة الخارجية، فمن المرجّح أنه يستجلب عطفاً أكثر منه تبنياً لعدالة مرتجاة لبنانياً، وفلسطينياً، وعربياً، ودولياً. لطالما كان لبنان رأس حربة في دعم القضية الفلسطينية ديبلوماسياً، أما آن أوان استعادة دوره بعد سنوات من الاستباحة والمصادرة والمفاوضة عنه والمقايضة عليه؟

“صفقة القرن” صفعة جديدة للانتلجنسيا الدَّوليّة والعربية، للأمم المتّحدة وجامعة الدول العربيّة، للمرجعيّات الحكيمة المسيحيّة والإسلاميّة واليهوديّة. كلُّ صفعة فُرصة ليقظة من استنقاع في الشعارات، وانسياقٍ لمبادرات جديّة فأين الديبلوماسيّة اللبنانيّة من كلّ هذا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

4 التعليقات

  • حبيب الحداد
    حزيران 4, 2019, 4:12 م

    مقال عميق وجدير بالقراءة

    الرد
  • حبيب الدبس
    حزيران 4, 2019, 4:20 م

    مقال مفصل عن صفقة القرن يوضح كل اتبعاتها.

    الرد
  • باتريك دبس
    حزيران 4, 2019, 11:49 م

    موضوع شيق و تحليل رائع

    الرد
  • Vera Vartanian
    حزيران 4, 2019, 11:55 م

    Interesting Article

    الرد

أحدث المقالات