Search
728 x 90

شعارات ثوار العالم متشابهة… ونتائجها ايضاً

شعارات ثوار العالم متشابهة… ونتائجها ايضاً

– “ما الذي تثور عليه؟”
– ” سمّ ما تشاء”
قد تختصر هذه العبارة للممثل مارلون براندو في دور جوني سترابلر في الفيلم المحظور “الجامح” “The Wild One” العام 1953، كل شعارات الثورات – على تنوعها- في ارجاء العالم.
اكثر من 20 بلداً تشهد تظاهرات متزامنة في كل القارات، قد تتقاطع شعاراتها، لكن لكل منها اسبابها وميزاتها تحت عناوين عريضة اربعة، تبدأ اقتصادية… وتنتهي سياسية.

 

بين الاقتصاد والسياسة

منذ ايلول 2019، يشهد اكثر من 20 بلداً تظاهرات تترنّح بين السلمية والدموية بقوة. من هونغ كونغ، الشيلي، إقليم كتالونيا في إسبانيا، ايران، لبنان، العراق، الجزائر… الى بوليفيا، فنزويلا، غينيا، الإكوادور، البيرو، هايتي، باكستان، الهند، فرنسا، بلجيكا، هولندا، تشيكيا، بريطانيا. كلها ملأت الساحات والشوارع رافعة شعارات مطلبية تتراوح بين السياسية والاجتماعية والمعيشية، وتجمعها كلها احياناً كثيرة.

وإذ انفردت كل دولة منها بشرارة مختلفة اطلقت العنان لثورة شبابها وشيبها ايضاً، إلا أن العامل الاقتصادي، ولا سيما ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية، بقي القاسم المشترك تقريباً بين كل المطالب الشعبية حيث شعر المواطنون بحرمانهم طويلاً من ثروات بلدانهم.

فكما في لبنان الذي انطلقت حركته الشعبية بفعل ضريبة على الواتسآب، سريعاً ما توسّعت لتشمل مطالب حياتية وسياسية ايضاً ، هكذا في الشيلي حيث شكل رفع سعر بطاقة المترو شرارة اندلاع ثورة شعبية عارمة. في الاكوادور وفي ايران ايضاً، ثار المواطنون احتجاجاً على زيادة أسعار المحروقات فيما مواطنو البيرو ثاروا ضد مشاريع مناجم تعتزم الحكومة اطلاقها بالتعاون مع شركات اجنبية، وشرطة هايتي ومناصروها ثاروا لتحسين اوضاعهم المعيشية قبل التحول الى المطالبة بتنحي الرئيس.

اما عدوى احتجاجات السترات الصفر فامتدت من فرنسا الى بلجيكا بسبب ارتفاع اسعار الوقود في البدء، ومن ثم ارتفاع كلفة المعيشة فالمطالبة بإسقاط الاصلاحات الضريبية.

واذا كانت المطالب السياسية النتيجة شبه الحتمية للمطالب الاحتجاجية الاقتصادية، فإنها تشكل احياناً كثيرة السبب الاساسي لها، ولا سيما في اقليم كاتالونيا الذي انطلقت شرارة تظاهرته الدامية في اعقاب صدور حكم المحكمة العليا الصادر الذي يقضي بالسجن لفترات طويلة تتراوح بين 9 إلى 13 عاماً لتسعة من كبار السياسيين والنشطاء الانفصاليين في الاقليم.

في هونغ كونغ ايضاً ، اسابيع طويلة من التظاهرات بدأت لمناهضة مشروع قانون تسليم المجرمين للصين، وما لبثت ان توسعت المطالب حتى بعد الرجوع عن القانون وصولاً الى المطالبة بإقالة الرئيس التنفيذي للبلاد لاري كام.

والوضع شبيه في باكستان حيث سارت تظاهرات ضد الهند ومناهضة للحكومة بسبب المشاكل في إقليم كشمير وسط المطالبة بإسقاط حكومة رئيس الوزراء عمران خان فيما تشهد البلاد أزمة اقتصادية حادة. والوضع سيّان في الهند اثر قرار الحكومة ، من طرف واحد، بإلغاء المادة 370 من الدستور التي تكفل الحكم الذاتي الخاص لجامو وكشمير وتقسيم الولاية الى منطقتين منفصلتين للإتحاد.

اما في بوليفيا، وهي ثالث دولة في أميركا اللاتينية شهدت تظاهرات واسعة، فإن الاحتجاجات اندلعت بعد الشكوك بنتائج الانتخابات الرئاسية التي اعلنت فوز الرئيس المنتهية ولايته إيفو موراليس بولاية رابعة. واستمرت الاضطرابات حتى بعد استقالته وانتقاله الى المكسيك.

غينيا ايضاً، كان سبب تظاهراتها سياسياً في اعقاب مشروع دستور جديد قد يسمح للرئيس ألفا كوندي (81 عاماً) بالترشّح لولاية ثالثة في انتخابات 2020. وفي فنزويلا ايضاً، تظاهرات للمعارضة تطالب بتنحي الرئيس نيكولاس مادورو.

وفي اندونيسيا، ادى قانون جنائي صارم الى سلسلة اضطرابات شعبية شاملة في البلاد. وفي بريطانيا، التظاهرات عمّت الشوارع مطالبة باستفتاء جديد على اي اتفاق نهائي تبرمه الحكومة بشأن خروج البلاد من الاتحاد الاوروبي.

من جهتها، عمّت التظاهرات مدن الجزائر الكبرى للأسبوع الاربعين على التوالي مطالبة برحيل رموز نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ورافضين اجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في 12 كانون الاول 2019 في ظل النظام القائم.

وعشية الثورة الثلاثين للثورة المخملية، خرج مئات الآلاف الى الشارع في العاصمة التشيكية براغ مطالبين رئيس الوزراء أندريه بابيس بالتنحي.

هولندا من جهتها، تميزت باحتجاجاتها اذ اقفل آلاف المزارعين الهولنديين الطرقات بجراراتهم الزراعية احتجاجاً على ما اعتبروه تحميلهم مسؤولية التلوث في البلاد.

وعلى الهامش ايضاً، شهد العديد من مدن العالم في تشرين الثاني الحالي، مسيرات بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء خصوصاً في فرنسا وبلجيكا وايطاليا واسبانيا وروسيا وأميركا اللاتينية وتركيا.

واذا كان لبنان من البلدان النادرة التي بقيت تظاهرته سلمية نسبياً مع عدد الضحايا لم يتجاوز الاربع كما في بوليفيا، فإن التشيلي مثلاً سجل 18 قتيلاً ومئات الجرحى في ايام معدودة، كما الاكوادور حيث سقط 8 قتلى و1340 جريحاً في 12 يوماً. اما في مصر فتم اعتقال 2300 شخص في خلال الاحتجاجات. وفي العراق تحصي مفوضية حقوق الانسان القتلى بالعشرات يومياً، اذ فاق عددهم الـ 300 حتى التاسع من تشرين الثاني. في ايران، ايضاً العنف الذي يواجه به المتظاهرون ادى الى سقوط 115 ضحية، وفق ما وثقته منظمة العفو الدولية ناهيك عن مئات المعتقلين وسط تعتيم اعلامي كبير.

اربعة عناوين

عناوين اربعة تنضوي تحتها غاليبة الحركات الشعبية الاحتجاجية مهما كان البلد الذي يشهد عليها.

1- الفساد، ولا سيما فساد الحكومة والسلطة الحاكمة، من سرقة اموال الدولة الى العمولات والمحاباة وغيرها من اوجه الفساد، كلها شكلت نتيجة حتمية للتظاهرات في كل من لبنان والعراق ومصر. وهذا العنصر مرتبط بشكل كبير بالشعور بعدم المساواة بين افراد المجتمع الواحد حيث تتوزع الثروات بشكل غير عادل لتتركز بين اقلية لا تتعدى احياناً الـ 5% فيما الـ 95% من الشعب تعاني من ظروف اقتصادية صعبة.

2- الحرية السياسية المفقودة في الانظمة السياسية الصارمة حيث يشعر المواطنون بسجن عملاق يحيط بهم مثل احتجاجات هونغ كونغ، وفي ما بعد ايران التي بدأت احتجاجاتها اقتصادية وتطورت نحو المطالب السياسية.

وقد اشارت منظمة العفو الدولية في تقرير لها في 25 تشرين الاول 2019 الى ان “القاسم المشترك بين كل هذه الاحتجاجات هو رد شديد القسوة من جانب الدولة، والتي وصل في كثير من الحالات إلى حد ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”.

ووثّقت المنظمة دلائل على وقوع إساءات وانتهاكات أثناء الاحتجاجات في كل من بوليفيا ولبنان وشيلي واسبانيا والعراق وغينيا وهونغ كونغ وبريطانيا والاكوادور والكاميرون ومصر. اما في ايران فالإنتهاكات تبرز في تصريحات مسؤوليها وآخرها تهديد حسام الدين أشنا، المستشار السياسي للرئيس الإيراني حسن روحاني في 23 تشرين الثاني 2019، بقمع المتظاهرين وقتلهم على غرار ما حدث في الاحتجاجات التي اندلعت عام 1988 التي تسمى بـ”الضياء الخالد” وراح ضحيتها 30 ألف سجين.

3- تكلفة المعيشة والفوارق الطبقية الفادحة. وتكفي الاشارة الى الارقام التي اوردتها مؤسسة “اوكسفام” الدولية للتحقق من هذا السبب، اذ افادت بأن اول 26 شخصاً الاكثر ثراء في العالم يملكون ثروة تضاهي الاموال التي يملكها مجموع نصف سكان العالم الاكثر فقراً.

4- العدالة المناخية حيث شارك أكثر من 7.6 مليون شخص في أسبوع الإضرابات من أجل المناخ في 185 دولة في أيلول 2019.

ثورة الانترنت

هل هذه الاسباب هي وحدها المسؤولة عن التظاهرات؟

بالتأكيد لا، اذ ان التغطية الاعلامية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي التي تحصل عليها الاحتجاجات تضفي عليها صفة جذّابة بالنسبة الى الثائرين او المحتجين. فهؤلاء يطّلعون مباشرة على ما يحصل في دول اخرى، يتفاعلون معه، ويسعون احياناً كثيرة الى التماثل به.

والدليل ما حصل في تظاهرات كاتالونيا حيث عمد المتظاهرون الى التمثل بما يحصل في هونغ كونغ، اذ تبادلوا رسائل على هواتفهم تدعوهم الى التوجه الى المطار للإعتصام فيه، وهم فعلوا مرددين “سنعمل مثل هونغ كونغ”، ناهيك عن توزيع منشورات مكتوبة في هونغ كونغ تبين للمتظاهرين طريقة حماية أنفسهم من خراطيم المياه، وقنابل الغاز.

فالانترنت اتى ليوثّق منحى التظاهرات في اي بلد في العالم بعدما جعل العالم قرية كبرى بحيث ان مستوى معيشة الشباب في الدول الراقية بات مثالاً لمن يعيش في دول دون مستواها. فلم لا يحصل ابن العراق او ايران او سوريا على نوعية الحياة التي يعيشها ابن اوروبا او اميركا؟

كما انه شكل وسيلة اتصال مباشرة بين المتظاهرين او الثائرين الذين كانوا يتناقلون برنامج تحركاتهم الشعبية في اجزاء من الثانية وبكلفة شبه معدومة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي – وهذا ما حصل في تظاهرات كاتالونيا- ناهيك عن توثيق الانتهاكات التي يتعرضون لها عالمياً. فما يحصل في العراق من قمع للمتظاهرين كان يشاهد في ثوان في اي بقعة من العالم مهما كانت بعيدة.

صحيح ان الانترنت ليس عاملاً وحيداً في نشر “ثقافة الثورات” في الدول التي تعيش ظروفاً اجتماعية وسياسية واقتصادية صعبة، اذ انه لم يكن موجوداً مثلاً في الستينيات التي شهدت فورة تظاهرات اميركية مطالبة بالحقوق المدنية والطالبية والنسائية والمثلية والبيئية والسياسية، الا انه يشكل الاداة الاساسية لنشرها بعد وجود “الارضية الصالحة” للثورة. والدليل الابرز هو دوره في “ثورات الربيع العربي”، كما سعي السلطات الى قطعه في كل مرة تفلت زمام الامور من يديها، اذ انها تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في فضح ممارساتها امام الرأي العام الداخلي والخارجي. وما حصل في ايران والعراق ومصر اخيراً يظهر خير مثال على الامر حيث عمد المتظاهرون الى نقل قمعهم بشكل مباشر اكان عبر “فايسبوك” او “يوتيوب” او اي منصة تواصل اخرى، مما حدا مثلاً بالحكومة الايرانية الى الإعلان منتصف تشرين الثاني الجاري، ان شبكة الانترنت ستظل مقطوعة حتى التأكد من عدم اساءة استخدامها، في وقت اعلن السفير الاميركي في المانيا ان واشنطن وبرلين قادرتان على منع حجب الانترنت في ايران.

ويجب عدم اغفال دور وسائل التواصل الاجتماعي في تظاهرات لبنان اذ ان اي “غزوة” من “اصحاب الموتوسيكلات” كانت تنقل مباشرة عليها، مستقطبة مزيداً من متظاهرين استفزهم الاعتداء، كما ان “شعارات الثورة” كانت تنتشر مثل النار في الهشيم جاعلة مناطق جديدة تنضم الى قطع الطرق او الى الاعتصامات، بحيث ان هذه الوسائل شكلت الحافز الذي يدفع الشخص المتردد الى مغادرة منزله والتوجه الى الشارع.

وقد ذهب بعض المحللين الى اعتبار ان الثورات السائدة بعض ارجاء العالم هي “ثورات التواصل الاجتماعي على الانظمة التقليدية التي تعتمد فرض القوة من اعلى الهرم الى اسفله”. فثورة مولودوفيا في 2009 مثلاً حملت اسم “ثورة التويتر”، كما ان الرئيس الاميركي باراك اوباما قارن في مقابلة مع “يوتيوب” في 27 كانون الثاني 2011 “، “شبكات التواصل الاجتماعي العالمية بالحريات الشاملة والعالمية مثل حرية التعبير”.

الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ايضاً سيف ذو حدّين، فهو سمح لتنظيم “داعش” مثلاً بتجنيد محاربين من كل انحاء العالم. كما سمحت “فيديوهاته” عن الاعدامات المقززة التي نفذها بنشر الرعب حياله بسرعة البرق، مضاعفة نشر عقيدته – سلباً او ايجاباً- اينما كان.

ماذا بعد الثورة؟

لكن ماذا بعد الثورة والحراك والاحتجاجات؟ هل يمكن ان تؤدي الى نتيجة؟

المشكلة يؤكد الباحثون في هذا المجال تكمن في المرحلة التي تلي انتهاء الاحتجاجات الحاملة شعارات مثالية، ومنها مثلاً قلب النظام السائد الذي يمكن ان يتحقق فعلياً لكنه سيبقى حاضراً في المؤسسات الحكومية وشبكة الادارات القائمة عليه والتي يصعب قلبها او القضاء عليها ايضاً. يضاف الى ذلك ان غالبية التظاهرات تفتقد الى مرجعية واحدة وموحدة. واذا كان هذا الامر يسهّل عليها عدم ملاحقتها من قبل السلطات الا انه ايضاً يحول دون استمراريتها على المدى الاوسط.

نظرة سريعة الى بعض التظاهرات التي لا تزال سارية في بعض البلدان تطرح علامة استفهام كبيرة حول نتائجها:

– لبنان: بعد اكثر من 42 يوماً في الشارع، ونشوة وحدة الهوية اللبنانية، يتخوف المراقبون من ان الانقسامات السياسية والطائفية العميقة التي يرتكز اليها النظام اللبناني قد تنقلب صدامات طائفية في الشارع خصوصاً ان لا اجندة ولا قيادة واضحتين للمتظاهرين. واذا هم حققوا مطلبهم في استقالة الحكومة، فإن ليس من الواضح ما سيحل محلها.

– هونغ كونغ: بعد خمسة اشهر على بدء التظاهرات، تقلص عدد المشاركين فيها، الا ان العدد المتبقي يتوعد بالبقاء في الشارع حتى تحقيق المطالب ومهما كان قمع السلطات له.

– الشيلي: رغم سعي الرئيس بينييرا الى تنفيس الاحتقان خصوصاً ان الاحتجاجات ادت الى الغاء مؤتمر “ابيك” للتعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ الذي كان مقرراً في 16 و17 تشرين الثاني 2019، فإن المحتجين يهتفون “ان الشيلي استفاق”

– كاتالونيا: اخذ ورد بين المعارضة والحكومة وتهديدات متبادلة بالمسؤولية عما حصل فيما ازمة كاتالونيا ستبقى قائمة حتى لو توصل الفريقان الى نوع من التسوية المؤقتة.

– العراق: وعود حكومية بملاحقة الفاسدين واقالات لم تشف غليل المتظاهرين الذين لا يزالون في الشارع، لا بل زادوا عنفاً ضد التدخل الايراني في البلاد.

– ايران: استمرار التظاهرات رغم العنف الذي واجهه المتظاهرون لقمعهم، ومعلومات شحيحة عن سير الامور نظراً الى العزلة الاعلامية التي يفرضها النظام الايراني.

– الجزائر: استمرار التظاهرات مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في 12 كانون الاول 2019، وترجيح تواصلها ما بعد هذا التاريخ لأن المحتجين يرفضون نتائجها سلفاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات