Search
728 x 90

سَطوة القضاء VS السَّطوّ عليه!

سَطوة القضاء VS السَّطوّ عليه!

منذ مُصادرة التّشكيلات القضائيّة على الأقلّ، في حين كنّا ننتظر ثورةً من القضاء ومجلس قضائه الأعلى تحديداً، منذُها تمّ إجهاض محاولة جديّة لاستعادة سطوة القضاء وهيبته. لَم يرتَح يوماً اللبنانيّون، ومنذ عقودٍ طويلة، للمسار الاستلابيّ الذي هيمَنت من خلاله المنظومة السياسيّة، متحكِّماً وحاكِماً، على مفاصل الدَّولة كلّها. كان نضالهم من أجل قضاءٍ ممانِع للاستباحة بالتّرهيب والتّرغيب نقيّاً عنيداً. شاؤوا التّمييز في التّصنيف بين قُضاةٍ جريئين فاعِلين منزَّهين، وقضاءٍ يحتمِل الكثير من التشوّهات والالتباسات. هذا التّمييز، على دقّته، لكنّه يبقى من باب الابتكار القسري، إذ هو القضاء قُضاة، وإلاّ لا قيمة للنصوص أيّاً يكُن عمقُها ورِيادتها.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

بعد مُصادرة التشكيلات القضائية، والصمت المدوّي لِمن يفترِض أن يواجه هذه المُصادرة، بدا انكفاءٌ قضائيّ ثانٍ عن مواجهة الفساد قبل محاكمته. لَم تنفع مشهديّات استدعاءاتٍ ظرفيّة انتهت، على ما تجلّى نافِراً، إنتهَت في مهدِها. في السّياق عينه، أشَّرت معطوبيّة غياب أيّ إعلانٍ مبدئيّ حتّى، عن تطوّر التحقيق في مأساة 4 آب، أشَّرت إلى أنًّ شللاً قاتلاً يتحكَّم بالسُّلطة القضائيَّة. من هنا يصحّ الاعتراف بأنَّ مُصادرة التشكيلات القضائيّة لَم تكُن من باب الاعتراض، غير الشرعيّ أصلاً، عليها، بل من باب توجيه رسالةٍ صارِمة أنَّ لا مكان لتسييد القانون في موازاة تدمير الدّستور.

في أيّ حال، ومهما يكُن من أمر قَضمِ سَطوة القضاء، والإستيلاء على هيبة القُضاة، فإنّه من المفارقة بمكان أن لا ينكَّب هؤلاء لمواجهة ضارية مع السّاطين والمُستَولين. في هذا شُبهة غير مُستحبّة لا يمكن تجاوزها بادّعاءات مُهمّة في منصّاتٍ هُنا وثمّة. لا يكفي إنجاز هذه الادّعاءات أو إعلانها في حين أنَّ قضايا أكثر تعقيداً ما زالت عالِقة، ناهيك بِتَرك مسار التدقيق الجنائيّ في عُهدة السُّلطتَين التشريعيّة والتنفيذيّة، في حين أنَّ هاتَين الأخيرتَين تقومان مقام أصل المشكلة. من غير المفهوم حتّى الساعة، عدا خيار الانصياع، من غير المفهوم لِمَ العمود الفِقريّ لدولة القانون والمؤسّسات، يُصِرُّ على مُجانبة المواجهة المباشرة مع أولياء المنظومة السّياسيّة وقاعدتهم الزّبائنيّة.

ليست استقلاليّة القضاء في هذه العُجالة قانوناً، ولا يمكن أن يؤدّيها إقرار قانونٍ مماثِل. المسألة هنا تتعلّق بذهنيّة أن تكون قاضياً متحرِّراً وغير هيّاب.
لا قيمة لهجوم وزيرٍ على القضاء، أو نائبٍ، أو زعيم، واستدعاء أيّ منهم إن قام بهذا الهجوم. يبقى هذا إجراءً شكليّاً، مع موجب التنبُّه أنَّ لأيّ هجومٍ من الأدوار اللّاحقة ما يكفي للتثبّت من صيرورة التّطويع المُمنهج فيه.
هذا التّطويع المُمنهج يتطلّب أن تكسره أخلاقيّة جماعيّة لمعشِر القضاة، بدءاً بالمتقاعدين منهم. هنا بيت قصيد استنفار إحدى ركائز القِوى المجتمعيّة الحيّة دون الاكتفاء بتسجيل مواقف.

بين سطوة القضاء المُرتجاة والسّطو عليه بكلّ أشكال بشاعة اغتيال العدالة، لا بُدَّ من عصيانٍ قضائيّ في قصر العدل يلاقي اللبنانيّات واللبنانيّين في سخطِهم، وينبري لتأطير الثورة بكلّ ديناميّنها دون وَجل، وما مشهديّة المبادرة الإنقاذيّة الوطنيّة سوى إحدى هذه الديناميّات، فخيار قيام الائتلاف المدنيّ الوطنيّ المُعارِض قَيد التشكُّل إحداها أيضاً، فنتائج الانتخابات الطالبيّة الجامعيّة كنموذجٍ صارخٍ عن مزاج اللبنانيّات واللبنانيّين المستجدّ عمقاً في ترسيخ مداميك التغيير الراديكالي. ربّما القضاء المؤتمَن على تحصين هذه الديناميّات، قد يجد فيها حصناً له، فيثور على مصادريه وخاطفيه، والمراهنين على استخدامه أكثر بعد السّطوة عليه بالكامل.

إلى الثورة القضائيّة… متى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات