Search
728 x 90

زجريّة الثورة… والسّيادة البوصلة!

زجريّة الثورة… والسّيادة البوصلة!

ثبات الثورة في الحالة الرفضيّة واستعادة نبضها في الشارع، على الرغم من محاذير فيروس كورونا، يؤكّد على تجذّر مسبّبات انطلاقها من ناحية، واستمرار السُلطة ومن فوقَها في تسجيل الأخطاء من ناحيةٍ أخرى.

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة

هذا الثبات، على أهميّته، لم يعُد كافياً إذ ثمّة ما يستدعي، بفِعل التعقيدات المتتالية التي نشهد، على الصّعد السياسيّة، والسياديّة، وليس حصراً الاقتصاديّة – الاجتماعيّة – الماليّة، ثمّة ما يستدعي مقاربة أعمق في ما يواجه الثورة كما في ما تواجهُه. في المواجهتين المتوازيتين من المُلِحّ التنبّه الى أنّ التوتّرات الميدانيّة، والتي احتشدت فيها تعبئة تماسٍ بين الجيش اللبناني وقِوى الأمن الدّاخلي والناس والموجوعين، من المُلِحّ التنبّه الى خلفيّاتٍ ما قد تستغلّها بخُبثٍ، خصوصاً تلك الخلفيّات التي دأبت وتأدب على تدمير مشروع الدولة بالمباشر، أو من خلال غطاءات انتفاعيّة سُلطويّة مقيت.

من هنا ينجلي بُنيويّاً الإصرار على سلميّة الثورة، إذ هو العُنف، ولو على بعضٍ من تعابيره النّابعة من يأس، قد يطيح ليس فقط بنقاء الثورة، بل بإمكانيّة تنزيهها عن أجندات المتحكِّم والحاكِم، ناهيك بأولئك المنتهجين تكتيكاً زئبقيّاً، علَّهم يعودون في لحظةٍ ما للانتظام في خياراتٍ ترسِّخ بقاءهم جزءاً من معادلة السُلطة. في حالَي الإطاحة وعدم التنزيه تضيع البوصلة السديدة، وندخل في انتحاراتٍ تخدم أهداف اللّادَولتيّين.

في أيّ حال، بالعودة الى ما تواجهه الثورة نفسها، يجب الانسياق لفَهم أنّ هذه الثورة ما زالت تحاذر مقاربة الخلل السياديّ الذي يعاني منه لبنان، وفي هذه المحاذرة مقتَلةٌ للهدف الأساسي الذي قامت عليه الثورة، وهو استعادة الدولة من خاطفيها السياسيّين والسياديّين والماليّين. ومن المفيد بمكان فهم أنّ هذه المحاذرة لمقاربة الخلل السيادي من باب استعادة الدولة، حتَّمتها اختراقاتٌ أيديولوجيّة للثورة، عدا تلك القانعة بأنماط تحرك تقليديّة، حيث التوعية مؤسِّسة، لكن ليس على حساب ديناميّة طرح الحُكم البديل بحوكمة سليمة في مقابل اهتراءٍ سُلطوي متمادٍ.

في كلِّ ما سبق يحتاج لبنان أيضاً، الى جانب استعادة الدولة من خاطفيها الذين ذكرنا، استعادة ثقة المواطنين بأنّ الثورة قادرة على انتهاج مسار تحويلها حُكماً بديلاً لبناء دولةٍ عصريّة، دولة المواطنة الحاضنة للتنوّع، دولة الرّعاية للعدالة الاجتماعيّة الناظمة للعقد الاجتماعي فيما بين اللبنانيّين، بعيداً عن نقاشاتٍ عقيمة في الصيغة والميثاق. السُلطة شوّهت الصيغة والميثاق، فيما هما في طبيعتهما يكتنزان فرادةً تستأهل تفكّراً مسؤولاً، إلا إذا ثمّة خياراتٍ تفتيتيّة تلُوح في الأفق، وسيتولّى تنفيذها من يدّعي ممانعتها.

ثُمّ أنّه لا بدّ لنا من استعادة لبنان إلى العالم العربي والمجتمع الدّولي، ليس من باب الحاجة الى استثماراتٍ وسيولاتٍ نقدية، إذ إنّ توجّهاً مماثلاً ينِمّ عن مركنتيليّة ومكيافيلليّة غير محمودتَين، فعودة لبنان الى هاتين المنصّتَين مرتبطة بهويّة لبنان ودوره كنموذج حضاري في الحرية وحُسن إدارة التعدّديّة، وليس بحاجته لاستقطاب الأموال.

أمام هذه التحدّيات الاستعاديّة للدّولة، والثّقة، والشرعيّتَين العربيّة والدوليّة، على ما يبدو أنّ الثورة استرسلت الاستنقاع في زجريّتها ورفضيّتها، حتى بان فيها بعض العُنف العفوي، أو ذاك المُمنهج السرطانيّ التوجهات، مُقدمةً لجعلها في مواجهة مع السِلم الأهلي، وفي هذا أيضاً اغتيالٌ لسَعيها النبيل.

لم يعُد من مناصّ من مصارحةٍ عميقة مع الثورة. دون قيادة وبرنامج مُمَرحل مع السيادة كأولويّة قُصوى، سندخل في مجهولٍ مدمِّر. مكافحة الفساد دون استعادة الدولة ذات السيادة الناجزة عبث وأوهام. الإستعداد لانتخاباتٍ نيابيّة آتية جوهري.

أخاف في زمن الجوع والفوضى أن تفقد الثورة كاريسمتها. هي بناءٌ مستقبلي وليست دماراً للحاضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات