Search
728 x 90

روسيا المعاكسة لاميركا تذكّر بوجودها

روسيا المعاكسة لاميركا تذكّر بوجودها

فيما يتم التركيز سياسياً في شكل كبير على الدور الروسي في سوريا خصوصاً عدما تدخلت موسكو بقواتها العسكرية المباشرة في 2015 من اجل انقاذ نظام بشار الاسد من الانهيار وفقاً لتصريحات كبار المسؤولين الروس، فإن الكباش الاميركي الروسي الذي يتم تظهيره في سوريا او في المنطقة عموماً لا يجد الصدى نفسه في لبنان.

فهنا يشكل الكباش، لا بل الصراع الايراني الاميركي، المحور الاساسي ولاسيما في ظل العقوبات الاميركية على ” حزب الله” باعتباره احد الاذرع الاساسية لايران في المنطقة ودرة تاجها كما تشكّل اسرائيل جزءاً مهماً من هذا الصراع ولا سيما ان ايران في لبنان تشهر سيف مواجهة اسرائيل التي بدورها تساعد جداً في هذا الاطار من خلال اعتداءات اسرائيلية متواصلة على مواقع ايرانية في سوريا بعدما تم تحييد لبنان نسبياً عن المواجهة المباشرة منذ حرب تموز 2006.

لكن الدور الروسي في لبنان غالباً ما لا يحظى بالأهمية الكبيرة على غرار تلك التي تتخذها المواقف الاميركية او الايرانية وحتى الفرنسية وذلك على رغم ديبلوماسية اعلامية روسية تميّزت بنشاط كبير في خلال الاعوام الماضية مع السفير الروسي الكسندر زاسبيكين الذي يغادر لبنان بعد عشرة اعوام امضاها في مركزه في العاصمة اللبنانية على نحو غير مسبوق، ما جعله مطلعاً جداً ولكن بلدياً ايضاً.

والمتابع للموقف الروسي يلمس بقوة مدى التعاكس الذي تتخذه روسيا ازاء ملفات لبنانية حساسة هي في العادة الملعب الاساسي للولايات المتحدة فيها. وهذه المواقف تتصل في شكل خاص بـ” حزب الله” الذي يشكل الموقف الديبلوماسي الروسي سنداً مهماً له وكذلك لايران في لبنان، فيؤمن له غطاء دولياً موازناً للموقف الاميركي الى حد بعيد علماً انه لا يحظى بالاهتمام المطلوب لبنانياً في هذا الاطار.

وعلى خلفية وداعه لبنان ، لم يبخل السفير زاسبيكين بلقاءات اعلامية تثبت ركائز الموقف الروسي في انتظار تسلم السفير الجديد مهامه. فهو لا يخفي دفاعه عن ” حزب الله” في وجه الاميركيين باعتبار ان هؤلاء ” يصنعون المشاكل وينتهكون القوانين الدولية والهدف هو توتير الاوضاع لاثبات انهم موجودون ولديهم دور ونفوذ” كما يقول في حديث اعلامي . ويؤيد المنطق الذي يصر عليه الحزب من ان ” انهيار النظام المصرفي في لبنان حصل تحت تأثير العقوبات الاميركية” وان ” الغرض من العقوبات هو نزع سلاح الحزب كما يقول. وهذه النقطة الاخيرة منطقية ومعروفة انما ” نحن نرى أن المسألة الأساسية هي توازن الردع مع إسرائيل وهو مضمون بسبب قدرات حزب الله، وهذا هو الواقع”.

في خلال الحرب البنانية بين 1975 و1990 كان التوصل الى سلام في لبنان مرتبطاً بتفاهم اميركي روسي دفع لبنان ثمنه باهظاً فيما كانت روسيا راعية بحماسة كبيرة للقوى الفلسطينية كما لسوريا لاحقاً. وهذا التفاهم لا يزال مطلوباً راهناً ولو ان ايران تأخذ الواجهة في لبنان فيما لا يعطى الدور الروسي حقه على نحو كاف في هذا السياق. اذ ان ايران، وعلى رغم الدور الكبير الذي تلعبه في سوريا، فإنه لم يكن ليكون ممكناً لولا عملية الانقاذ الروسية للنظام السوري ولكن ايضاً للنظام الايراني الذي سارع هو لإدخال الروس عسكرياً على الخط من اجل منع انهيار النظام ومعه انهيار المحور الذي يربطه مع ايران بعد فشل الاخيرة في الاستمرار في منع سقوط بشار الاسد.

وراهناً، وعلى رغم الهامش الكبير الذي تمتع به ايران في سوريا، فإنها تعمل تحت السقف الروسي حيث ان اعتداءات اسرائيل على مواقع ايرانية او مواقع لـ” حزب الله” انما لا تحظى برد فعل سلبي من روسيا غالباً. وهذا يدخل في اطار التوزان الذي تقيمه روسيا في علاقتها مع اسرائيل كما في حمايتها لايران في وجه الولايات المتحدة وعقوباتها لكن من دون الدخول في مواجهة مع الاميركيين من اجل ذلك.

وينسحب اثبات الموقف الروسي في شأن ” حزب الله” في لبنان على معاكسة الولايات المتحدة ايضاً واثبات ان لبنان ايضاً يجب ان يلحقه التفاهم الثنائي متى حصل بينهما او في حال حصوله.

وهذا امر محتوم في وقت ما على رغم انه يطول ولا سيما ان روسيا تطمح لأن تتفاهم مع واشنطن حول سوريا مثلاً كملف قائم في حد ذاته وربما يشمل لبنان تباعاً لكن لا يبدو ان الولايات المتحدة في وارد اتفاقات مجتزأة بل صفقة متكاملة تلحظ الى سوريا العراق واليمن وليبيا حتى. ووجود ايران والحزب في لبنان يضع لبنان من ضمن سلة الاتفاقات ولو اتى في شكل جانبي، لكن الموقف الروسي يحرص على ان يبقي المواقف المتناقضة مع الولايات المتحدة حول لبنان قائمة لكي تشمله ايضاً. وذلك علما ان واشنطن لم تظهر اهتماماً، على الاقل في الاعوام الماضية، بأن يكون لبنان جزءاً من معادلة الاتفاق بين الطرفين علماً انه قد يكون من الاضرار الجانبية لأي تفاهم متكامل بين واشنطن وموسكو. وذلك مع العلم بأن لبنان في حد ذاته لا يشكل اشكالية ولا سيما انه كان يدور في فلك سوريا وسيطرتها عليه بموافقة اميركية وروسية حتى العام 2005 فيما استطاعت ايران ان تحل محل النظام السوري تدريجاً وبالقوة وعبر وسائل يمكن اعتبارها ترهيبية حتى اندلاع الحرب في سوريا والتهديد الجدّي الذي واجهه نظام الاسد.

يقول زاسبيكين ان ما يطلبه الاميركيون من لبنان وهم . وهو ترجمة لما يقوله من عجز اميركي عن نزع سلاح الحزب وتالياً اضعاف النفوذ الايراني. وهذا الكلام يجد صدى له الى حد كبير على خلفية انه، وازاء المخاوف التي يبديها سياسيون لبنانيون، ليس ازاء استمرار الخلاف الاميركي الايراني واثره على لبنان بل ازاء احتمال حصول اي تفاهم ايضاً لجهة الخوف من ان يترك لبنان الصغير وغير الاساسي الى ايران، فإن سفراء عرباً يسألون اذا كان اللبنانيون يعتقدون فقط في العمق ان اميركا لم تترك لبنان مسبقاً الى ايران حين تم توقيع الاتفاق النووي. وذلك في الوقت الذي من غير المستبعد ان تشكل المناوشات الجارية راهناً سبيلاً الى دفع الامور الى طاولة المفاوضات مجدداً لكن لبنان اصبح في مكان اخر كلياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات