Search
728 x 90

رفض ترامب نتائج الانتخابات : نموذج للعالم الثالث

رفض ترامب نتائج الانتخابات : نموذج للعالم الثالث

حين استنكر الرئيس الاميركي المنتخب جو بايدن رفض الرئيس الحالي دونالد ترامب الاعتراف بهزيمته في الانتخابات الرئاسية قائلا ان ” ذلك يبعث برسالة مروعة الى العالم عمن نكونه كدولة” ، فهو حرص على ابراز ان التصرف غير المعهود في الولايات المتحدة يؤثر على صورتها وديموقراطيتها. ولكن في الواقع هو يرسل رسالة بالغة التأثير سلباً للدول غير الديموقراطية باعتبار ان التصرف الذي يقوم به ترامب انما يماثل ذلك المتبع في هذه الدول والتي يعمد اصحاب السلطة الى رفض نتائج الانتخابات متى اتت في غير مصلحتهم.

لا يتوقع هذا الاداء من الولايات المتحدة وهو مفاجىء الى حد كبير بالنسبة الى الاميركيين كما بالنسبة الى الخارج علما ان ترامب استمر في عدم الاعتراف في نتائج الانتخابات على رغم ان اصوات المجمع الانتخابي اكدت فوز المرشح الديموقراطي جو بايدن. كما ان كل الدعاوى التي اقامها فريق الرئيس الاميركي في عدد من الولايات المتنازع عليها فشلت فشلاً ذريعاً. واكتمل عقد الدول التي هنأت بايدن بفوزه في الانتخابات حتى لو ان اعضاء في الكونغرس الاميركي من الجمهوريين لا يزالون لم يقروا بفوز بايدن.

ويتفق مراقبون انه وقد باءت محاولات ترامب لتغيير نتائج الانتخابات بالفشل، سيؤدي جو بايدن اليمين كرئيس الولايات المتحدة السادس والأربعين، بعد دقيقة واحدة من ظهر يوم 20 كانون الثاني، سواء أقر ترامب رسمياً بذلك أم لم يقر. اذ عندئذ يحق لجهاز الأمن والجيش الأميركي معاملة الرئيس السابق بالطريقة التي قد يُعامل بها أي فرد غير مصرح بوجوده داخل منشأة حكومية.

ولكن حتى إن لم ينجح ترامب الذي يعتقد مراقبون كثر انه يرفض التعامل معه على انه “بطة عرجاء” وفقاً للتعبير الذي يطلق على اي رئيس اميركي قبل اسابيع قليلة من مغادرته السلطة بحيث يغدو وجوده غير فاعل وغير مؤثر، ولذلك فإنه يبقي من خلال الجدل الذي يثيره ومتابعته عمله الرئاسي كما لو انه مستمر في البيت الابيض كأس التعامل معه كبطة عرجاء بعيداً نسبياً. ولكنه ايضا ً وعبر استراتيجية الأرض المحروقة التي اتبعها في الطعن في نتائج الانتخابات تشكل سابقة لانتخابات مقبلة، وتقوض ثقة الكثير من الأميركيين في الأنظمة والمؤسسات الديمقراطية، وفقاً لاستطلاعات الرأي.

ما يعني شعوب عدة في العالم ان النموذج الذي قدمه ترامب قد يساهم في تشجيع رؤساء دول غير ديموقراطية ومن العالم الثالث على اعتماد الاستراتيجية نفسها من دون ان يهابوا العصا الاميركية التي كانت ترفع في هذا الاطار منعاً لاستيلاء غير مشروع على السلطة اوتشجيع الديكتاتوريات. فحين تفقد الولايات المتحدة هذه الميزة التقدمية كدولة عظمى تحدد المعايير لديموقراطية اي انتخابات او شرعيتها فإنها تتمتع بذلك بسلطة الدولة العظمى او هيبتها ولا سيما عبر رفض اي رئيس من دول العالم الثالث خصوصا نتائج انتخابات لم تصب في مصلحته .

ولذلك فإن اداء ترامب هو مشكلة في حد ذاتها لأن المعايير الاخلاقية والقانونية تصبح ملتبسة لاعتمادها على اثارة الشكوك وعدم الاعتراف بالانتخابات. وهذا في حد ذاته خطير بالنسبة الى شعوب ، وليس الى دول ، تتطلع الى الولايات المتحدة كمثال ديموقراطي. وذلك علماً ان ليس هذا النموذج الاول الذي قدمه ترامب في خربطة المعايير ونسفها. بل انه وحين استند الى افراد عائلته في مراكز استشارية مهمة في البيت الابيض فإنه قدم مبررات مشروعة الى رؤساء دول العالم الثالث على هذا الصعيد، وهم الذين يلجأون عادة الى تعيين افراد عائلاتهم في السلطة والاعتماد عليهم ما يؤدي الى تحويل الحكم الى حكم عائلي . وكذلك الامر بالنسبة الى الشعبوية التي اعتمدها والتي توجت مساراً شعبوياً اضحى معمماً في انحاء العالم.

ومع ان ترامب شكل ظاهرة في الولايات المتحدة مبنية على عوامل داخلية متعددة تجد جذورها في المجتمع الاميركي بدليل حصوله على 70 مليون صوت في الانتخابات الاخيرة التي لم يفز فيها، فإن الشعبوية في الدول التي يعتمدها رؤساؤها او مسؤولوها تستمر في احداث انعكاسات خطيرة وسلبية على مستويات متعددة. فالشعبوية لم يدخلها ترامب الى القاموس السياسي الاميركي بل اعاد احياءها وهي المعروفة في الولايات المتحدة منذ اواخر القرن التاسع عشر، وهي لم تكن مجهولة كذلك ايضاً بالنسبة الى مناطق مختلفة من العالم التي عرفت اشكالاً مختلفة منها ولا سيما انها تستند الى كلمة شعب وحمل مطالبه وتسويقها على انها ضميره وصوته، لكنها غالباً من دون وجود استراتيجية او رؤية واضحة.

وتجدر الاشارة الى ان الباحث الفرنسي بيار تاغييف اعتبر أن للشعبوية عدداً من الخصائص الأولية من بينها أنها تمثل ثورة ضد النخبة. وتزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن إدراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار. ولذلك فهو يرى أن معظم جمهور الخطاب الشعبوي من الأميين والفقراء خصوصاً في المناطق الحضرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات