Search
728 x 90

خَلاصيّة العطاء… وجحيمُ المحاسباتيّة!

خَلاصيّة العطاء… وجحيمُ المحاسباتيّة!

ليس سليماً القول بإنهيارٍ حتميّ لمؤسّسات عمرها عقود بعد شهرٍ، أو أشهر، أو سنة، أو سنتين من معاناة أزماتٍ مستجِدة، منها ماليّ ومنها وبائيّ كتلك التي نعيشها في هذه المرحلة بتعقيدات ستتعاظم بسبب سوء إدارة هذه الأزمات من ناحية، أو استغلالٍ مقنّع من ناحية خرى.

زياد الصائغ*

لا تعنيني في هذا السياق بتاتاً مؤسّسات القطاع الخاص ذات المنفعة الربحيّة، رغم أنها، خصوصاً تلك العريقة منها طوّرت مفهوم المسؤولية الاجتماعية، بل هي حتى تقدِّم، الكثير منها دون تعميمٍ، نموذجاً متماسكاً في التعاضد؛ قانِعة بأن استدامتها في الوِفر قبل الأزمة، كما بعدها، لا يستقيم إلا بفضلِ كوادرها والعاملين أيضاً. المعادلة السالِفة ذكيّة في عالم الأعمال، لكنها ذات بُعدٍ أخلاقي حتماً.

وفي موازاة مؤسّسات القطاع الخاص التي أشرنا، لا تعنيني أيضاً حكوماتٌ وتكتّلاتٌ حكوميّة دولتيّة عدة من مِثل الاتحاد الأوروبي ومجلس دول التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأميركية والصين على سبيل المثال لا الحصر، وقد أنجزت آليّات دعم لمواطنيها بالاستناد الى فلسفة التعاضد عينها بمعنى أن وِفرها في الحركة الاقتصادية، وإن تسنّى منه الاستثمار أو تكديس الأموال، ففي زمن الشِدّة يتحوّل للأمن الإنساني، إذ دون هذا الأمن خصوصاً في سياقه المجتمعي، لا إمكان لدوّامة منتِجة في هذه الحركة الاقتصادية، لا حاضرا ولا مستقبلا.

ما يعنيني في هذه العُجالة تلك المؤسّسات غير الرِبحيّة بالمبدأ، ذات الانتماء التنزيهي عن الدينامية الاستهلاكية بالمعنى العلمي لهذا المصطلح، الضاربة جذورها في خدمة الإنسان روحيّة وعلّة وجود، والتي أسهم المجتمع باحترافيّتها واستثمارٍ سليم لمواردها، ما سمح لها بتوسيع آفاقها، وتشعيب اهتماماتها، وتطوير تجهيزاتها، وتجويد آدائها، ما جعلها مقصداً تبذَل فيه جهودٌ هائلة، في مقابل تسديد مبالغ هائلة أيضاً لقاء الاستحصال منها على أفضل خدماتٍ تربوية، واستشفائية، واجتماعيّة.

تلك المؤسّسات غير الربحيّة بالمبدأ، لطالما تغنَّت بحُسن إدارتها ونجاحاتها على مدى عقود، ما أمّن لها حتماً، على الرغم من النّفس التعاضدي الذي من غير الممكن إنكاره فيها، أمّن لها حتماً وِفراً استثمارياً من ناحية، ووِفراً مخزونياًّ من ناحية أخرى. لا حاجة لاستعراض مندرجات هذا الوِفر لوضوح الرؤية في مسار هذه المؤسّسات. ولا إمكان لفهم أن أشهراً عدّة، أو حتى سنتين إلى ثلاثة قد استنزفت هذا الوِفر كله. اللاحاجة واللاإمكان اللذان يستندان الى المعطى الميداني في كيف تقوم هذه المؤسسات بتحديث ذاتها، البعض منها القليل بالعطاءات، والغالب منها بحركة اقتصادية تمويليّة استحالت ربحيّة، ولا ضير في ذلك، إذ أنّ الهمّ يبقى خدمة الإنسان بما يعني تلازم قيمة الخدمة ووسائلها التقنيّة، اللاحاجة واللاإمكان يستدعيان توجيه سؤال بنيوي الى هذه المؤسّسات والقيّمين عليها، في كيف بعد أسابيع ثلاثة من انطلاقة ثورة 17 تشرين، تمّ التهويل على كوادرها بإمكانيّة عدم دفع أجورهم، ثمّ بعد شهر من انطلاق أزمة كورونا، تمّ إبلاغهم أيضاً بحسم نصف رواتبهم أو أكثر، عدا مَن صُرِف منهم؟

الإجابة على هذا السؤال البنيوي لا يكتمِل بالاتكاء على الأزمة، أو بترداد ما تقدّمه هذه المؤسسات من مساعدات في مشهديّاتٍ استعراضية، لا تمت بصِلة الى روحيّة هذه المؤسّسات الواجب فيها التقدمة بصمت وهيبة تواضعية، أو بتحميل المسؤوليّة لأجهزة رسميّة تخلّفت أساساً عن القيام بواجباتها، ولولا ذلك لما قامت هذه المؤسسات بما قامت به مشكورةً في قناعةٍ بأنَّ كينونتها لا معنى لها بمنأى عمّا قامت به، أو بالإنكفاء الى ترداد صدىً من وراءِ جدران عالية علّ من يُصغي من عَلُ يُزيح الأوجاع وبالتالي يتلقّى الهموم عنها.

كلُّ ما سبق لا يشفي غليل الناس العطشانين لوقفة نبويّة في زمن الشقاء الممزوج بشللٍ، أو تلكؤٍ، أو جُبنٍ، أو جهلٍ، أو خوف، أو فقدان معنى أن تكون قيّماً على شعبٍ يجوع، ليس بسبب نقص في الموارد بالدرجة الأولى، بل بسبب غيابٍ لحوكمة سليمة للموارد وإدارة حكيمة للأزمة.

في ليلةٍ سابقة، هاتفني أسقفٌ أخ تقيٌّ فقير. كانت الساعة متأخرة. سُرِرت بتواصلنا الذي تمحور حول هذه المأزقيّة التي نعيش. طال الحوار بالعمق، وأثلجتني مقاربته في إلحاح العودة الى الذات بالإيمان القائم على دعم الناس، ليس بما أمكن، بل بكل ما هو متوفّر دون تردّد لسنواتٍ قاسية قادمة بعد عقودٍ من الازدهار.

كان سيدنا، كما نعبر دوما، صارِماً لكن حزيناً مِمّا يشاهده من كثيرٍ من التقاعس. أقفلنا حوارنا بوعد تزخيم النضال.

عدت محاولاً أن أرتاح من توتّر انعدام ميزان البوصلة الديونتولوجيّة، وفي عمقي قناعةٍ أن خَلاصيّة العطاء ستنتصر على جحيم المحاسباتيّة، والآتي سيكون عظيماً!

* خبير في السياسات العامة وزميل باحث في السياسات في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية – الجامعة الأميركية في بيروت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

1 التعليق

  • fadi nasr
    نيسان 16, 2020, 10:43 م

    كلام بليغ ومعبر عن مازق وعي واخلاق مع مقاربة حقيقية واقعية ووجدانية بنفس الوقت

    الرد

أحدث المقالات