Search
728 x 90

خيارات محدودة لتجنب الانهيار! 

خيارات محدودة لتجنب الانهيار! 

تصريحات متضاربة حيال خطر انهيار لبنان اقتصادياً ومالياً، تتراوح بين إنكار الواقع ونظريات المؤامرة فتعكس، إما فشل الحكومة في إدراك حجم الأزمة وإما عدم رغبة الطبقة الحاكمة في إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية، أو كليهما.

أعاد وزير المال علي حسن خليل في أكثر من مناسبة على مدى الأسابيع الأخيرة التذكير بوجود اتفاق بين الحكومة والبنك المركزي والمصارف المحلية على تأمين 11 تريليون ليرة لتمويل الخزينة بمعدل 1 في المئة.

لكن جمعية المصارف سارعت للنأي بأعضائها عن هذا الاتفاق ونفت موافقتها على الاكتتاب المقترح والذي من شأنه خفض أرباحها.

و من المتوقع أن يتحمل البنك المركزي عبء توفير السيولة للحكومة التي تواجه صعوبة الاقتراض من الأسواق الدولية وسط الارتفاع الحاد في عائدات سندات اليوروبوندز اللبنانية.

وفي حال قيامه بإقراض الحكومة ، سيزيد البنك المركزي المعروض من الليرة في السوق ، مما سيؤدي الى زيادة في الانفاق، وبالتالي الواردات و تعزيز الطلب على الدولار الأميركي في ظل التراجع الذي تعاني منه المؤسسة في الاحتياطي من العملات الأجنبية.

وتشير احصاءات الأشهر الخمسة الأولى من عام 2018 الى ارتفاع العجز في ميزان المدفوعات إلى حوالي 5 مليارات دولار، وهو مبلغ فاق إجمالي العجز المسجل خلال العام السابق. وقد سجل ميزان المدفوعات عجزاً متتالياً لمدة ثماني سنوات باستثناء العام 2016 حين سجل فائضاً صغيراً بسبب عمليات المبادلة التي قام بها البنك المركزي.

ويضغط العجز المتزايد في ميزان المدفوعات على البنك المركزي الذي يستنزف احتياطه النقدي بمعدل متسارع. و يتزامن هذا الاستنزاف مع حال عدم استقرار سياسي وامني في الإقليم تلقي بثقلها على لبنان في ظل تفاقم التوترات بين المعسكر اللبناني المدعوم من الغرب والمحور المنافس برعاية إيرانية.

في خضم هذه التوترات، لن يشهد ميزان المدفوعات أيّ تحسن. بل على العكس، فمن المتوقع أن تؤدي التوترات السياسية والأمنية – في ظل انعدام المؤشرات على وجود حل قريب للمواجهة الإيرانية الأميركية- الى تسارع خروج روْوس الأموال من لبنان. ويتزامن ذلك مع استمرار تراجع التحويلات المالية الوافدة الى لبنان بسبب التباطؤ الاقتصادي الذي تشهده الدول المنتجة للنفط في الخليج وأفريقيا ، حيث يعمل معظم المغتربين اللبنانيين بحيث انخفضت قيمة ودائع الزبائن بقيمة 3.68 مليار دولار، منذ نهاية عام 2018.

وسيؤدي هذا العجز المتزايد في ميزان المدفوعات إلى مزيد من التراجع في احتياط البنك المركزي وعلى الأرجح بمعدل أسرع.

وفي حال استمرار دول مجلس التعاون الخليجي في الامتناع عن ضخ المال في لبنان في ظل تشديد حزب الله المدعوم من إيران قبضته على لبنان وسط شد الحبال بين طهران والمعسكر الأميركي السعودي ، فإن احتياط البنك المركزي سينحدر إلى مستويات غير مستدامة في أقل من عام ، اذا استمر النزف على نفس الوتيرة المسجلة في الأشهر الخمسة الأولى من العام، مما سيدفع حكما الى اعادة النظر في سعر صرف الليرة.

أما الخطر الاخر المرتبط بإقراض الحكومة بفوائد مخفضة فهو إضعاف ميزانية البنك المركزي وتقويض مصداقيته حسب ما حذر صندوق النقد الدولي.

من ناحية أخرى ، قالت وكالة موديز إن هذا الاكتتاب يمكن أن يصنف في خانة التخلف عن السداد وهو ما سيواجهه لبنان أيضًا في حال امتناع البنك المركزي عن الاكتتاب بسندات الخزينة، مما سيجبر الحكومة على الاقتراض من السوق بمعدلات فوائد مرتفعة وسط تضخم الدين العام الى مستويات غير مستدامة.

وسيكون لهذا التخلف تداعيات خطيرة، ولا سيما على المقرضين المحليين والبنك المركزي ، الذين يحملون الجزء الأكبر من الديون.

ببساطة، خيارات لبنان باتت محدودة ومن غير المرجح أن يتجنب الانهيار الاقتصادي والمالي من دون دعم خارجي.

الا أن الرئيس ميشال عون نفى ذلك الأسبوع الماضي ، واتهم “مطلقي الشائعات حول قرب انهيار الوضع الاقتصادي والعملة الوطنية” بالسعي إلى “تخريب لبنان”.

وتتناقض تصريحات عون مع رئيس الوزراء سعد الحريري الذي حذر من أن لبنان يواجه أزمة ديون شبيهة بتلك التي عصفت باليونان عام 2009. وقد أدت تلك الأزمة الى دعم اليونان بما لا يقل عن 330 مليار دولار منذ العام 2010 لتفادي الانهيار.

أما وزير المال ، وهو مساعد مقرب من رئيس البرلمان نبيه بري ، الحليف الشيعي لحزب الله ، فذهب بتصريحاته أبعد من الحريري مقترحاً إعادة هيكلة الديون ، مما هزّ الأسواق ودفعه إلى التراجع عن تصريحاته.

في حين ان وزير الخارجية جبران باسيل ، صهر عون وزعيم أكبر حزب مسيحي، حذّر من أن الفشل في خفض الأجور لموظفي القطاع العام “لن يبقى معاش لأحد.”

من ناحية أخرى، سرب اللوبي المصرفي خبر اعتزامه مقاضاة وكالة موديز بعد نشر تقريرها السلبي الأخير عن لبنان.

هذه التصريحات المتضاربة والتي تتراوح بين إنكار الواقع ونظريات المؤامرة تعكس، إما فشل الحكومة في إدراك حجم الأزمة وإما عدم رغبة الطبقة الحاكمة في إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية، أو كليهما.

لكن الانكى أن أصحاب نظرية المؤامرة الذين يتهمون الغرب بالسعي لتقويض الاستقرار المالي في لبنان لفرض توطين اللاجئين مقابل دعم مادي، هم نفسهم الذين يراهنون على أن المجتمع الدولي سيمنع سقوط لبنان رغم فشلهم الواضح في تنفيذ الإصلاحات وتعزيز سيادة القانون.

لقد حان الوقت لكي يحاسب اللبنانيون من هم في السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات