Search
728 x 90

خطة عون – دياب : الإنقاذ حقاً ام رؤوس المعارضة ؟

خطة عون – دياب : الإنقاذ حقاً ام رؤوس المعارضة ؟

ماذا وراء خطة الحكومة المالية والاقتصادية الانقاذية؟
هل مرّت مروراً سلساً اقله لجهة إقرارها وإعلان سريان مفاعيلها بدءاً بآخر يوم من نيسان، ام ان موجات انتقادها او تبيّن نقاط الضعف فيها في المرصاد، ناهيك عن توظيف الحراك الشعبي الاحتجاجي الواسع الذي عاد بقوة الى المسرح الداخلي أخيراً؟

لم تثر الخطة المالية والاقتصادية التي أعلنتها حكومة حسان دياب في لبنان أي اعتراض جوهري لا من الموالاة بطبيعة الحال ولا من المعارضة نفسها حيال مبدأ ضرورة وضع هذه الخطة والتوجه بها الى المنتديات المالية الدولية وفي مقدمها تحديدا صندوق النقد الدولي . بل على العكس تماما فإنها قد تكون مرة نادرة ان يمر مبدأ وضع هذه الخطة لاعتمادها أساساً للتفاوض مع الصندوق النقد الدولي والإطلالة بها على الرأي العام الداخلي والخارجي من دون انقسامات صاخبة حول مضمونها في وقت تشكل الخطة في الكثير من توجهاتها والسياسات التي لحظتها خصوصاً على الصعيد المصرفي والمالي ما يشبه الانقلاب الناعم مصرفياً ومالياً، الامر الذي من شأنه ان يفجر انقسامات حادة حولها .

ويبدو واضحاً ان القيّمين على الخطة بدءاً برئيسي الجمهورية والحكومة العماد ميشال عون وحسان دياب سيرتكبان خطأ فادحاً في الحسابات السياسية ان هما وقعا في وهم ان الخطة مرّت مروراً سلساً اقله لجهة إقرارها وإعلان سريان مفاعيلها بدءاً بآخر يوم من نيسان، الامر الذي وصفه عون بأنه يوم تاريخي في حين ان دوافع تريّث المعارضة في بدء اطلاق رشقات الانتقاد والهجوم على الحكومة من خلالها تتصل بحسابات لا يراها اهل السلطة ولا يحسبون لها الحساب الكافي والجدي .

يمكن القول ان الخطة شكلت رأس جبل الجليد في تراكم إخفاقات الحكومة قبل ان يحل اليوم الـ 100 على وجودها في السلطة وجاءت بمثابة تعويض ضمني عن هذه الإخفاقات التي يحاول رئيس الحكومة حسان دياب طمسها وحجبها وحرف الأنظار عنها بإعلان الخطة ورصد ردود الفعل الداخلية والخارجية عليها .

واقعياً، لا يمكن انكار ان الخطة تشكل مستنداً مهماً على صعيد رسم صورة بانورامية واسعة للاختلالات المالية والاقتصادية والمصرفية والاجتماعية المتراكمة في لبنان والتي أدت الى نشوء طبقات من الازمات وليس طبقة واحدة . كما ان الكثير من الإجراءات التي تقترحها وتعد بتنفيذها لا يختلف عليها لبنانيان من منطلق التسليم بأولوية الإصلاحات والتوجه الى ترميم مالية الدولة وإطلاق المفاوضات مع الدائنين لاعادة هيكلة الدين اللبناني وكذلك التوجه الى إطفاء متدرج للدين العام والاهم أيضاً اطلاق رزمة إجراءات إصلاحية حقيقية طال انتظارها وفي مقدمها التصدي لازمة الكهرباء التي استهلكت وما تزال اكثر من نصف الدين العام ولا تزال تشكل المقتل المالي الأول لمالية الدولة ومصرف لبنان .

ولكن السمّ المخفي والعلني في آن في الخطة يكمن في الإجراءات الملحوظة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي وكذلك مصرف لبنان بما أوحى فوراً بمحاولة خطيرة لوضع اليد على هذا القطاع الأساسي الذي لا اقتصاد من دونه. تتضمن الخطة في هذا السياق إجراءات تعطي الدولة الصلاحية في فرض قواعد مالية واقتطاعات من الفوائد ورؤوس الأموال والمساهمات في موازنات المصارف لكي تعوّض الفجوات المالية الضخمة في مالية الدولة على نحو اشبه ما يكون بتأميم مقنع للمصارف على غرار ديكتاتوريات عدة يعرفها الشرق الاوسط .

وبعد ساعات قليلة من إقرار الخطة في مجلس الوزراء، انكشفت محاولات التلاعب بحقائق الازمة المالية من خلال التفاوت الفاضح في مجموع ارقام الازمة والدين بين النسخة التي تضمنت الخطة باللغة الإنكليزية والنسخة المترجمة الى العربية، الامر الذي اضطر الحكومة الى سحب النسخة العربية من التداول بغية توحيد النسختين .

ولكن الامر لا يقف هنا فقط على خطورة الواقع المالي والاقتصادي في لبنان بل يغلب الإطار السياسي على المجريات المرتقبة للازمة السياسية التي تسابق التداعيات المالية بما ينذر باحتدام لم يعد لبنان يحتمل درجاته المرتفعة . اذ ان المشهد السياسي الذي ارتسم في الأيام الأخيرة ينذر بأنه بعد المئة يوم من عمر الحكومة سيختلف الوضع في لبنان على نحو كبير في ظل عوامل ظاهرة واُخرى مستترة تذكي الصراع الذي انفتح على الغارب . من ابرز هذه العوامل ان الحكم ورئيس الحكومة يتصرفان باستنسابية تكاد تكون شخصية لتحكيم هدف دفين لديهما امعنا في تثبيته في الأسابيع الأخيرة، وهو رمي كرة كل الازمات المتعاقبة والمتفجرة في مرمى خصوم العهد ومعارضي الحكومة، أي ما كان يشكل يوماً قوى تحالف 14 آذار ولا سيما منها الحريرية السياسية والاقتصادية والحزب التقدمي الاشتراكي وبدرجة ربما اقل القوات اللبنانية ولكن لحسابات أخرى هنا تتصل بالصراع على رئاسة الجمهورية .

ويمكن القول ان ابراز هذا الهدف كأولوية مكشوفة لدى عون وتياره وعلى راْسه صهره الوزير السابق جبران باسيل عجل في شكل قياسي بضرب صدقية حكومة حسان دياب الذي اذهل المراقبين بمطواعيته المفرطة امام عون وصهره وعبرهما امام حزب الله بطبيعة الحال في حين كانت القوى التي رعت وصوله الى منصب الرئاسة الثالثة بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري تتباهى بتصويره مسؤولاً تكنوقراطياً مستقلاً فإذا به ينفّذ سياسات هذه القوى بالتناوب الى حدود فتحت الأبواب امام خصومه لتعييره بإطاحة صلاحيات ودور رئيس الحكومة بشكل غير مسبوق .

في ظل هذا المناخ تماما سيكون طبيعياً ان تتلقى قوى المعارضة خطة الحكومة كهدية لاطلاق العنان واسعاً امام موجات انتقادها او تبيّن نقاط الضعف فيها او توظيف الحراك الشعبي الاحتجاجي الواسع الذي عاد بقوة الى المسرح الداخلي أخيراً فيما سيتعيّن على الحكومة بذل الكثير الكثير لكي تقنع الجميع بأن خطتها تحظى بالصفة المضخمة التي صورتها بأنها تاريخية .

يكفي ان تسأل الحكومة أولاً لماذا لا تبدأون بتعيين الهيئة الناظمة للكهرباء قبل ان تطلبوا عشرة مليارات دولار من صندوق النقد الدولي لكي تظهر الفوارق بين خطة مكتوبة بالنظريات وإجراءات تحتاج الى استقلالية واصلاحيين شجعان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات