Search
728 x 90

خطة الحكومة اللبنانية للتعافي المالي: إنقاذ أم إغراق؟

خطة الحكومة اللبنانية للتعافي المالي: إنقاذ أم إغراق؟

أقــرّت الحكومــة اللبنانيــة فــي اجتماعها في 30 نيســان خطة “التعافي المالــي”، وتبع ذلك اجتماع بعــد أيام في المقرّ الرئاسي في بعبدا مع رؤساء كتل نيابية لعرضها ومناقشتها. والخطة تحملُ مسمَّيات مختلفة فهي تارة برنامج للتعافي المالــي وطــوراً خطــة إصلاحيــة وإنقاذية وأحيانًــا اقتصادية. لكن بعيدًا عن التســميات وعن بعض الاختلافــات في الارقام بين النســخة الاصلية باللغة الانكليزية وتلك المترجمة للعربية، تحتوي الخطة على تدقيق دفتري للخســائر المالية الحاصلة في لبنان منذ عقود، وهذا التشخيص هو الاول من نوعه منذ تدهور الوضع النقدي والمالي.

ناصر ياسين

 أستاذ السياسات ومدير معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدوليّة بالوكالة، الجامعة الاميركيّة في بيروت 

تطرح الخطة الكثير من التســاؤلات حول فرضياتها العديدة وكيفية احتســاب أرقامها وتســتولد هواجس محقّة من حيث توجهاتها ومآلاتها. لذلك نقدم في هذا التعليق الجماعي من قبل باحثين وزملاء وشركاء لمعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الاميركية في بيروت ملاحظات واقتراحات تتناول جوانبها الاساسية بغرض المساهمة في النقاش العلمي والهادئ حول طرق مقاربة أزمة لبنان الاقتصادية والمالية.

“ما تلتمسه الخطة لا يستدعي الاحتفالية ولا تستوجب نعتها بالتاريخية، والبلد يسير نحو إفلاس عسير ومسار ممكن أن يحرمه من سيادته الاقتصادية.”

بداية في الشكل والتأطير العام، تنطلق الخطة من تسليم شبه كامل لوصفات التكيّف الهيكلي التي تفتي بها مؤسسات التمويل الدولية حتى قبيل البدء بالمفاوضات مع ممثليها، وبعض هذه الاصالحات مطلوب حكماً، لكن ما تلتمسه الخطة لا يســتدعي الاحتفالية ولا تســتوجب نعتها بالتاريخية، والبلد يســير نحو إفلاس عســير ومسار ممكن أن يحرمه من سيادته الاقتصادية. ويطرح احتساب بعض الارقام تساؤلات عن جديتها كتقديرها أن كلفة “النزوح” السوري إلى لبنان توازي 25 مليار دولار وهو رقم غير مؤكد يدمج بين كلفة تأثير الازمة الســورية على الســياحة والتجارة وبين كلفة اســتضافة اللاجئين. كما غاب عن واضعي الخطةِّ اتَباع تشــاركية مطلوبة الان أكثر من أي وقت مضى، فلم يحصل أي تشــاور جدّي مع ممثلي الفئات المهنية والاقتصادية أو مع المجتمعين المدني والسياســي باســتثناء بعض اللقاءات الشــكلية التي تظهر وكأنها لإرضاء المانحين لا الانطلاق بنقاش حقيقي مع قوى المجتمع في لحظة مصيرية من تاريخ لبنان وبعد ثورة شعبية واسعة.

الإصلاحات المقترحة والإطار الزمني

جمال صغير

 أســتاذ لممارســات التنميــة فــي جامعة ماغيــل وزميل باحث متميــز في مجال الاقتصــاد والتنمية في معهــد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدوليّة، الجامعة الأميركيّة في بيروت 

تقترح الخطة برنامجًا ماليًا ونقديًا شاملاً وطموحًا، لكنّها تتضمّن بعض التدابير الصعبة، ولا تركّز بشكل كافٍ على الإصالحات القطاعيــة. فيقــدّم البرنامــج تشــخيصًا جيًّدا، لا بــل أكثر من ذلك، خلفية تقييمية لبدء النقاشــات مع صنــدوق النقد الدولي وشــركاء التنميــة. ويعــرض لائحــة طويلــة مــن النوايا والإجــراءات، ولكنّه يفتقــر إلى قائمة واضحــة بالأولويــات، وخريطة طريق واقعية وإطار زمني لتنفيذ تلك الإصالحات، بالإضافة إلى الإجراءات المُسبقة التي تطلبها، عادة، المؤسّسات المالية الدولية. فضــلاً عــن ذلــك، تضع خطّة الحكومــة توقّعات ضخمة حول الدعــم المالي الدولي المتوقع الحصول عليــه عبر صندوق النقد الدولــي وبرنامــج “ســيدر”، وتقــدّره بنحــو 10 مليارات دولار أميركي تعتقد أنها ســتكونُ متاحة بســهولة خلال الأشــهر القليلة المقبلة. في حين نعلم جميعًا أن قدرة البلد على تحمل الديون هي واحدة من المسائل الرئيسية التي توجّه عمل صندوق النقد الدولي وشركاء التنمية.

“الأولويات والتسلسل وفقًا لخارطة طريق واضحة بمقاييس مناسبة وجدول زمني يرصد التقدّم ويواكبه تصوّر للمساءلة. “

إلــى ذلــك، تبــدو اقتراحــات ترشــيد النفقات غير كافيــة. من جهة أخرى، تعــدُّ الإيرادات المتوقّــع توليدها نتيجــة تنفيذ برنامج الإصـلاح طموحــة للغايــة وغيــر مؤكّدة. كنّــا نتوقّع المزيد مــن التفاصيل والإجــراءات المُتعلّقــة ببرنامج الإصالحــات القطاعية، ولا ســيّما الطاقــة والمرفــأ والاتصــالات.

نذكر على ســبيل المثــال الأهداف غير الواقعيــة لقطاع الكهرباء علــى المدى القصير، خصوصًــا أن الدعــم المُنتظــم الذي حصل عليه القطاع، على مدى الســنوات العشــرين الماضية، شــكّل نحــو %40 من الديون المتراكمــة، أو مــا يــوازي نحــو مليــاري دولار أميركــي ســنويًا. في حين يفتــرض أن تحدّد إصلاحــات هذا القطاع، ولا ســيّما إعادة هيكلة مؤسّسة كهرباء لبنان، بشكل مفصّل.

باختصار، يتضمن البرنامج قائمة طويلة من المشــاريع المرجوة، وإنما غير المُنظّمة بطريقة مناســبة حيث لا تظهر الأولويات والتسلسل وفقًا لخارطة طريق واضحة بمقاييس مناسبة وجدول زمني يرصد التقدّم ويواكبه تصوّر للمساءلة.

السياسة النقدية وسعر الصرف

محمد فاعور

  باحث في التمويل والمصارف لدى كلية دبلن الجامعية 

توفقًا للخطّة، ستنتقل سياسة سعر الصرف من ربط العملة وتثبيتها إلى سعر صرف أكثر مرونة (التعويم الموجّه أو نظام الربط المُتحرّك لأسعار الصرف)، على أن يتمّ تخفيض قيمة العملة المحلّية إلى 3500 ليرة لبنانية مقابل الدولار في العام 2020، يليــه تخفيــض تدريجي بنســبة %5 ســنويًا خلال الســنوات الاربــع التالية، باعتبار أن ذلك سيســاعد في الســيطرة على ميزان المدفوعات في لبنان وتحسين القدرة التنافسية وتعزيز النمو الاقتصادي.

لا شكّ أن كلّ هذه الحجج صحيحة، لكن الخطّة تفوتها نقطة في بالغ الأهمية وهي أن غالبية قروض العملاء مقوّمة بالدولار الأميركي ( %66 من مجمل القروض وفقًا لأرقام آذار 2020).

من هنا، من المُحتمل أن يؤدّي تخفيض قيمة العملة إلى ارتفاع نســبة القروض المتعثّرة بشــكل كبير، نظرًا إلى كون مداخيل %70 من الســكّان مقوّمة بالليرة اللبنانية، وبالتالي ســيعاني المدينون أصحاب الرواتب بالليرة لتســديد قروضهم بالدولار الأميركي. بالنســبة إلى المدينين من القطاع الخاص، يمكن أن يــؤدّي تحفيــض قيمــة العملة إلى موجة كبيرة من الإفالســات لأن الشــركات التــي تحصّل إيراداتها بالليرة اللبنانية ســتعاني لتأميــن قروضهــا بالــدولار الاميركــي. وينســحب الأمــر على المدينيــن الأفراد الذين يشــهدون تراجعًــا في قوّتهم الشــرائية، وبالتالي ستكون العواقب الاجتماعية الاقتصادية عليهم واضحة. أما بالنسبة إلى المصارف، سيؤدّي ارتفاع القروض المتعثرة إلى تفاقم خسائرها ورفع كلفة إعادة الهيكلة. لذلك من الضروري النظر في تحويل القروض المقوّمة بالدولار الاميركي إلى الليرة اللبنانية قبل تخفيض قيمة العملة، وذلك لتحقيق مصلحة كلّ من المدينين والدائنين.

“من الضروري النظر في تحويل القروض المقوّمة بالدولار الاميركي إلى الليرة اللبنانية قبل تخفيض قيمة العملة، وذلك لتحقيق مصلحة كلّ من المدينين والدائنين.”

أيضًا تتناول الخطّة الحاجة المتأخّرة لتشريع ضوابط رأس المال على أن يتمّ رفعها في العام 2021، وهو أمر مفرط في التفاؤل نظــرا إلــى حجــم الأزمــة.  إلى ذلك، تتوقع الخطة خروج ودائع بقيمة 9 مليــارات دولار بعد رفع ضوابط رأس المال، وهو ما يعادل الحدّ الأقصى لقيمة القرض المتوقع أن يحصل عليه لبنان من صندوق النقد الدولي. لا شك أن قيمة هذه التدفقات الخارجة ستكون كبيرة جدًّا بالمقارنة مع حجم أزمة ميزان المدفوعات. وبالتالي، يجب أن تبقى ضوابط رأس المال لبضع سنوات حتى يتمّ تنقية القطاع المصرفي بالكامل، ونعود إلى مسار الانتعاش المستدام.

خفض الإنفاق

ليا بو خاطر

أستاذة جامعية في التنمية الاقتصادية وباحثة في مؤسسة البحوث والاستشارات 

تتغاضــى الخطــةّ عــن الاثــر الاجتماعي للأزمة الاقتصادية، وتهدف إلى تحقيق تعافٍ مالي ســريع. من هنا، يصبح تقليص كلفة أجور القطاع العام، من %19 إلى %9 من مجمل الناتج المحلّي بحلول العام 2024، أمرًا أساسيًا في الخطة. في هذا السياق أطرح ثلاث قضايا من المهم الاضاءة عليها:

أولاً: لا شــكّ أن في الادارة العامة موظفين مؤهلين وأكفاء، لكن القطاع العام منتفخ بســبب العلاقة الزبائنية الســائدة بين الزعمــاء السياســيين وأتباعهــم، والتــي تعــدّ أداة ضروريــة للحفاظ على متانــة النظام الطائفــي القاهر. وبنــاء عليه، يصعُب توقّـع قــدرة الطبقة السياســية الحالية على تقليــص قطاع يحافظ على وجودها، وهو ما يجعــل تطبيق هذه الاصلاحات أمرًا مشكوكًا فيه.

“يشكل القطاع العام أحد أهم المسارات التي تقود إلى الارتقاء الاجتماعي في لبنان، وعليه سيؤدي ترشيق القطاع العام إلى الحد بشكل كبير من هذا الارتقاء في المجتمع اللبناني.”

ثانيًــا: بينمــا تســتهدف إعــادة هيكلــة القطــاع العام فاتــورة رواتب وأجور القــوى الأمنية والعســكرية المُضخّمة، والمشــكوك بالحاجة إليها أساسًا، ّإلا أن الخطّة لا تتعامل مع خصوصية موظّفي القطاع العام ولا سيّما المعلمين، الذين تشكّل أجورهم المخصصــات الحاليــة التــي يحصلــون عليها، الحوافز الرئيســية لجذب المــوارد البشــرية المؤهّلة إلى القطاع العــام. من هنا، ســتؤدّي الحوافــز الضئيلــة إلــى اســتنزاف كل الموارد بشــكل جــذري، وبدلاً من ذلــك، ستســتبدل بباحثين عــن عمل غير مؤهّلين، غالبًا ما تكون فرصهم محدودة في القطاع الخاص.

ثالثا:ً يشكل القطاع العام أحد أهم المسارات التي تقود إلى الإرتقاء الاجتماعي في لبنان، وعليه سيؤدي ترشيق القطاع العام إلى الحد بشــكل كبير من هذا الارتقاء في المجتمع اللبناني. ولا يبدو أن الخطّة تقدّم سياســات أو إجراءات واضحة لكيفية تعويــض فقــدان وظائــف آلاف اللبنانييــن، إذ لم تتمّ الإشــارة إلــى تأمين أي حماية اجتماعية ولو هامشــية لهــؤلاء الموظفين المزمع صرفهم من الخدمة.

زيادة الإيرادات

فيفيان عقيقي 

 باحثة وصحافية اقتصادية

تقتــرح الخطــة سياســات تقشــفية قاســية، تهدف من خلالهــا إلى عصر النفقات وتحســين الإيــرادات لتخفيض عجــز الموازنة وصــوال إلــى تحقيــق فائض أولي ( الفارق بيــن الإيرادات والنفقات قبل دفع خدمة الدين) بنســبة %1.6 من الناتج المحلي بحلول العام 2024، وبالتالي استخدام هذا الفائض لاستئناف تسديد الديون والفوائد عليها.

بمعزل عن مدى دقّة هذه الأرقام التي تغيّرت بين النسخة المُسرّبة بداية والنسخة الأخيرة التي أقرّت، وعدم وضوح المنهجية التــي بنيــت عليهــا التقديرات، ومدى واقعية تحقّقها نتيجة الإنهيار الشــامل الذي ســيطال مداخيل الدولــة أيضًا، تأتي هذه المقاربة محاسبية بامتياز ولا تتعامل مع التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لإفلاس النظام السياسي الاقتصادي.

تســعى الحكومة إلى زيادة الإيرادات عبر توســيع القاعدة الضريبية خلال المرحلة الأولى، من خلال تحســين الجباية الجمركية والضريبيــة، ومكافحــة التهــرّب الضريبي والتهريب، وإلغــاء الإعفاءات والحوافز الضريبية وهي إجــراءات قد تخضع للتجاذبات السياسية، وربّما يكون مصيرها شبيهًا بقانون “الكابيتل كونترول” الذي لم يقرّ. على أن تتبعها في المرحلة الثانية زيادة المعــدّلات الضريبيــة التي تســتهدف بشــكل رئيس ضرائــب الدخل، عبر زيادة معــدّل الضريبة على أرباح الشــركات والفوائد والأسهم والأجور المرتفعة، وفرض رسوم على الأنشطة الملوّثة للبيئة ولا سيّما المقالع والكسّارات، صحيح أن هذه الإجراءات لا تزيــد العــبء الضريبــي على المداخيل الدنيا والاســتهالك الاساســي، ولكنهــا لا تمسّ أيضًا بهيكلية النظــام الضريبي بل تعمد إلى ترقيعه.

“تقول لنا “الورقة الحكومية” بأن هناك خسائر مترتبة وعجوزات متراكمة ناجمة عن إفلاس النظام السياسي الاقتصادي القائم منذ أكثر من ربع قرن، وهي تعمد إلى توزيع أكلافها، وتدعونا إلى  تحمل المزيد من الآلام خلال السنوات الخمس المقبلة لنخرج من الأزمة، من دون أن يكون واضحًا إلى أي دولة سنخرج وأي مجتمع وأي اقتصاد.”

الضريبة ليست هدفًا بذاتها ّإنما أداة تستخدمها الحكومات للحصول على موارد وتحقيق أهداف تخدم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية.

في لبنان، يعدُّ النظام اللبناني غير عادل بطبيعته، وأداة ساهمت طول سنوات في تحويل الثروة من المجتمع إلــى القلّــة، إذ يرتكــز بشــكل رئيس الى الضرائب غير المباشــرة ويعفي الثروة والأرباح من تحمّل الأكلاف المناســبة.

في هذا الســياق، تخلّت الخطّة عن الضريبة الموحّدة لكلّ مصادر الدخل والتصاعدية، التي وردت في المســوّدة الأولى وتعدّ إصلاحًا أساســيًا لأي نظــام ضريبي، واســتبدلتها بزيادة المعــدّلات على أنواع الدخل المختلفة، فيما لم تبحــث بأي إجراءات أخرى تحدّ من التفاوتات الاجتماعية وانعدام المساواة. أيضًا يتميّز هذا النظام بكونه غير هادف ولا يتدخّل لتأمين الحقوق الاجتماعية من طبابة مجّانية وسكن ونقل عام، أو تصحيح التشوّهات الاقتصادية وتوجيهها نحو أهداف تسمح بزيادة النموّ والإنتاجية والتنافســية، وهــو مــا لــم تتطرّق له الخطّة أيضًا على الرغم من كونه مدخلاً أساســيًا لحمايــة المجتمع في ظلّ الأزمة القائمة وتحفيز الاقتصاد الراكد والنهوض به.

بإيجاز تقول لنا “الورقة الحكومية” بأن هناك خسائرُ مترتبة وعجوزات متراكمة ناجمة عن إفلاس النظام السياسي الاقتصادي القائــم منــذ أكثــر مــن ربع قــرن، وهي تعمد إلــى توزيع أكلافها، وتدعونــا إلى تحمّل المزيــد من الآلام خلال الســنوات الخمس المقبلة لنخرج من الأزمة، من دون أن يكون واضحًا إلى أي دولة سنخرج وأي مجتمع وأي اقتصاد.

إنشاء شركة عامّة لإدارة الأصول

ألبير كوستانيان 

خبيــر اقتصــادي وزميــل باحــث في السياســات العامة فــي معهد عصام فــارس للسياســات العامة والشــؤون الدولية في الجامعة الاميركية في بيروت.

تبرز الخطّة أبعد من عنوانها المالي، فتظهر كبيان سياســي يســعى إلى إقناع أكبر عددُ ممكن من أصحاب المصلحة في الداخل والخارج، إذ تتضمّن عددًا لا يحصى من “الإعلانات” الجيّدة وكذلك السيئة منها لتحصيل كلّ ما يمكن الحصول عليه، بما يقوِّض تماسكها على الرغم من التشخيص الصلب المُقدّم واقتراحات الإصلاح المطروحة.

وشركة إدارة الأصول العامّة المقترحة ضمن الخطّة هي إحدى هذه التدابير، ويبدو أنها أدرِجت غبّ الطلب وتحتاج إلى الكثير من التوضيح.ُ يطمح من خلال هذه الشركة إلى تعويض الدين المتبقي على المصرف المركزي لصالح المصارف التجارية بعد إعادة الهيكلة، عبر استخدام الإيرادات التي ستنتج عن إعادة هيكلة الأصول المملوكة من الحكومة. هذا الطموح مشكوك فيــه، فــي أحســن الأحــوال، لأنه قد يــؤدّي إلى نقل الثروة من الأكثرية إلى القلّة. حيث انه ســيتمّ تمويــل الأصول المملوكة من الدولة ، إما من دافعي الضرائب والمشــتركين، في حالة الكهرباء وشــركتي الخلوي على ســبيل المثال، وإما من المستخدمين مثل شركة الميديل إيست أو كازينو لبنان أو الريجي. وبما أن خسائر المصارف التجارية سيتحمّلها المساهمون والمودعون أصحــاب الثــروات العاليــة وفقًــا لخطّــة الإصالح، فإن أي اســتخدام لعائــدات الأصول المملوكــة من الدولة للتخفيف من خســائر القطــاع المصرفــي يمكــن اعتبارهــا بمثابــة دعــم غير مباشــر للفئــات “الأغنى” مــن قبل قاعدة واســعة من دافعــي الضرائب والمكلفين.

“وبما أن خسائر المصارف التجارية سيتحمّلها المساهمون والمودعون أصحاب الثروات العالية وفقًا لخطّة الإصلاح، فإن أي استخدام لعائدات الأصول المملوكة من الدولة للتخفيف من خسائر القطاع المصرفي يمكن اعتبارها بمثابة دعم غير مباشر للفئات “الأغنى” من قبل قاعدة واسعة من دافعي الضرائب والمكلفين.”

وتبــدو مهمّــة الشــركة المقترحة ملتبســة إذ تنصّ الورقة الإصالحية: “ســتُكلف الشــركة العامّة لإدارة الأصــول بإعادة هيكلة الشــركات العامّــة الموجــودة فــي محفظتها”. هــذا الأمر ليس كافيًا لتحديد اســتراتيجية الشــركة العامّــة لإدارة الأصول التي ســيتم ائتمانهــا علــى أصــول الأفــراد إذ يمكــن أن تكــون لخطّة إعــادة الهيكلة أهداف متضاربة تخــدم أغراضًــا مختلفة.  قد تســعى إلــى تحقيــق الحــدّ الأقصى من الدخل والتدفّق النقدي للشــركات المُدارة لتلبية التحويــلات الهامّة إلى مصرف لبنان على حســاب المســتخدمين والمواطنين على ســبيل المثال، في حين تســعى الكيانات العامّة إلى توفير ســلع عامّة فعّالة للناس بأسعار معقولة.

يجب أيضًا مراعاة ديناميات واحتياجات المؤسسات المختلفة وخصوصًا لناحية إعادة الهيكلة. إذ لا يمكن تطبيق طرق الإدارة نفسها على كل المؤسسات وعليه يمكن خصخصة بعضها على المديين القريب والمتوسّط، مثل شركتي الخلوي، فيما يقدّر الإبقاء على الملكية العامّة لمؤسّسات أخرى كمرافق النقل.

إلــى ذلــك، تشــكّل الخيــارات بيــن إعــادة هيكلــة الأصــول العامّة وخصخصتهــا مصدر قلــق جــدّي. عمليًا، لا يشــمل التفويض الممنوح للشــركة المقترحة القيام بالخصخصة، كما أنه يحدّد فترة 10 ســنوات لإعادة الهيكلة والانتفاع من الأصول. لكن هل ســيحول ذلك  دون القيام بأي خصخصة خلال هذه الفترة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن ذلك ســيحدّ من خيارات الحكومات المقبلة. وإن لم يكن الأمر كذلك، فقد يعني أن شركة إدارة الأصول العامّة قد تخاطر بضمّ أصول أقل جاذبية مع مرور الوقت، بافتراض أنه سيتم خصخصة الأصول الأخرى، في تناقض مع هدفها الأولي المتمثّل بتخفيف أعباء المصرف المركزي الناجمة عــن خســائره. عــلاوة علــى ذلــك، ومن منظــور مالي خالص، تســتغرق مشــاريع إعــادة الهيكلة بعــض الوقت لتحقيــق نتائج، وتتطلب اســتثمارات كبيرة في مرحلتها الأولية. نتيجة لذلك، يمكن أن يكون الوضع النقدي للشــركة ســلبيًا في الســنوات الأولى بعد إنشائها، وهو ما يطرح المزيد من الشكوك حول الجدوى منها.

علــى صعيــد الحوكمــة، تقــدّم الخطّـة الإصالحيــة كلمــات طنّانة مثــل “الأفضــل ضمن فئتهــا” و”الخبــرة الدوليــة” و”الدروس المســتفادة”. لكــن ذلــك لا يكفــي للتخلّــص من الشــكوك المشــروعة حــول كيفيــة إدارة هذا الكيان الذي ســيكون رئيســيًا في المشــهدين السياســي والاقتصادي اللبنانيين. ان حصر الصلاحيات في ظل النظام الطائفي الزبائني اللبناني ينشــئ مكمناً واحداً للفشل بدل توزيع المخاطر عبر اللامركزية.

“من المفهوم أن الشــركات المملوكة من الدولة ســتحافظ على اســتقلاليتها طوال العملية”، هذا ما يرد في الجملة الأخيرة من الفقرة المخصّصة لشــركة إدارة الأصول العامّة ضمن الورقة الإصالحية. وهو ما يتعارض مع كل  “الدروس المســتفادة” مــن “الخبــرات الدولية” “الأفضل ضمن فئتها”، التي تتطلّب ســيطرة كاملة ومباشــرة لفريق إعــادة هيكلة على الكيان الذي تتم إعادة هيكلته، وهذا يثير المزيد من الشكوك حول جدّية الاقتراح بأكمله.

 

زيادة تنافسية الاقتصاد اللبناني

خليل جبارة

أستاذ وخبير في الشؤون الإدارية والاقتصاد السياسي والتنمية المحلية والسياسات العامة، وزميل باحث في السياسات العامة في معهد عصام فارس في الجامعة الاميركية في بيروت. 

تضمنــت الخطــة قســمًا أساســيًا لعرض أفكار تتعلق بإطلاق ورشــة إصالحية هيكلية تهدف الى تطويــر بيئة الأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد اللبناني ورفع إنتاجيته. وأعادت الحكومة في خطتها التذكير بما وعدت به في بيانها الوزاري من التأكيد علــى أهميــة مكافحــة الفســاد والإجراءات التي ســتتخذ في هــذا الإطار خصوصًا بعــدما صوّت المجلس النيابــي على قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد.

الهــدف مــن هــذا القســم في الخطة هــو تحديد معالم خريطــة طريق واضحة لبرنامج شــامل من الإصلاحــات الهيكلية التي تســاهم في تأمين نموًا مســتدامًا يكســر المسار الذي كان معتمدًا في السنوات الماضية حسب ما ورد في الخطة بالإضافة إلى تحسين ترتيب لبنان في تقرير التنافسية العالمي.

تعتمد معظم هذه الأفكار والإجراءات المقترحة على وضع تشــريعات جديدة أو الدفع باتجاه التصويت على مشــاريع قوانين تــمّ العمــل عليهــا في الســابق. هذا بالإضافة إلــى تنفيذ العديد من الخطط والمشــاريع التي تمّ وضعها في الســابق وهي ُذِكــرت فــي الورقــة الحكوميــة التــيُ قّدمت في مؤتمر ســيدر عــام ٢٠١٨ وتضمنت العديد مــن الإصلاحات الأفقيــة وفي التقرير المقدم من شركة ماكنزي الذي تضمن ١٦٠ توصية تهدف إلى النهوض بالاقتصاد اللبناني.

“الملفت في هذه الخطة هو كثرة الوعود التي تصبّ تحت خانة ضخ سيولة في الاقتصاد اللبناني إن كان من خلال دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة أو دفع المستحقات للمتعهدين ومقدمي الخدمات أو من خلال دعم قطاعات حيوية، من دون توضيح مصادر تمويل هذه الوعود.”

تعتبر العديد من هذه المشاريع والاستراتيجيات مهمة جدًا مثل استراتيجية التحول الرقمي واستراتيجية مكافحة الفساد التــي تقــدم بهمــا مكتب وزير الدولة لشــؤون التنمية الإدارية في العام ٢٠١٨ وتــمّ تحديثهما في العام٢٠١٩. إلاّ أن البعض من هذه المشــاريع والخطط بحاجة إلى إعادة تحديث كمشــروع تحديث نظام إدارة الأراضي التي أشــارت الخطة إلى أنه تمّ إعداده من قبل وزارة المالية والبنك الدولي بينما هو معلوم أن البنك الدولي جمّد التمويل لهذا المشروع بسبب عدم استطاعة مجلس النواب التصويت على القرض المخصّص لتمويل هذا المشروع في الوقت المناسب.

الملفــت فــي هــذه الخطــة هــو كثرة الوعــود التي تصبّ تحت خانة ضخ ســيولة في الاقتصــاد اللبنانــي إن كان من خلال دعم الشــركات الصغيرة والمتوســطة أو دفع المســتحقات للمتعهدين ومقدمي الخدمات أو من خلال دعم قطاعات حيوية، من دون توضيــح مصــادر تمويــل هــذه الوعود.

كما ذكرت الخطة أنها ســتعتمد على مصادر تمويل من مؤسســات دولية أو من خلال صندوق “الأوكسيجين” الحيوي للاقتصاد اللبناني الذي يساهم به مصرف لبنان والذي لم يطلق علمًا أنه كان من المفترض أن يبصــر النــور في شــهر نيســان الماضي. ومن غير الواضــح أيضًا دور المصارف الخمسة الجديــدة التي تنوي الحكومة الترخيص لها لتأمين مصادر تمويل لهذه المشــاريع المختلفة. إن الشــكوك بقدرة الحكومة في تأمين مصادر تمويل لهذه المشــاريع التــي مــن المفتــرض أن تنعــش الاقتصاد عامةً وقطاع الخاص خاصةً يشــكّل تحدياً أساســياً لهــذه الخطة ويطرح تساؤلات جديّة حول فرص نجاحها.

من الملفت أيضًا في هذه الخطة هو أن تحفيز القطاع الخاص ودعم الشــركات الصغيرة والمتوســطة ســيكون على حساب الصنــدوق الوطنــي للضمــان الاجتماعي وديمومتــه وعافيته. فقد ذكرت الحكومة في خطتها بأنها ســتعمل على تخفيض رســوم الضمان الاجتماعي للموظفين حديثًا دون ٣٠ ســنة، وســتعمل على تأجيل مدفوعات الصندوق لمدة ســتة أشهر. إن هذه الخطوات غير المدروسة والتي لا تأتي ضمن استراتيجية متكاملة لحماية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تشكل خطرًا على استمرارية الصندوق بتأدية مهامه خصوصًا في ظل تخلّف الدولة عن سداد مساهمتها في الصندوق لسنوات عدة والعجز المالي المســتمر في فرع ضمان المرض والأمومة وانكشــاف فرع نهاية الخدمة الخطير على ســندات الخزينة بالليرة اللبنانية.

إصلاح قطاع الكهرباء

علي أحمد

زميل باحث في شؤون الطاقة والتنمية في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الاميركية في بيروت

يصعُــب التعليــق علــى “الجوانــب التقنية” فــي الجزء المتعلّق بقطــاع الكهرباء مــن الخطة الحكومية، لســبب جوهري وهو انعدام ثقتنا العميق بالســلطة السياســية وقدرتها على إحداث أي تغيير حقيقي في هذا القطاع. بتسطيح شديد، تخبرنا الخطّــة أن المشــكلة ســتحلّ بمجــرّد زيــادة التعرفة وخصخصة مؤسّســة كهرباء لبنــان، التي ألمحت لها مواربــة من دون أن تذكرها صراحة. وهذا ما يستدعي ان نتوجس من هذا السرد التبسيطي المُتعمّد.

ألا يستحق الاستنزاف المُنتظم للموارد العامّة في قطاع الكهرباء مزيدًا من الاهتمام، وقد ساهم بمفرده بنحو نصف العجز المالــي خــلال العقــد الماضــي؟ كان يمكــن للحكومة الاجتهاد قليــلاً وتقديم حلول أكثر ابتــكارًا بدلاً من تكــرار وعود الإصلاح الفارغة نفســها. وماذا عن المســاءلة؟  إلا إذا كان مبلغ الـ40 مليار دولار الذي أنفق على قطاع الكهرباء منذ العام 1992 ضئيلاً وغير مؤثّر على اقتصادنا المتعثر.

“طالما لم يحصل أي تغيير سياسي هيكلي، يؤدي إلى تغيير في ثقافة إدارة وتشغيل الخدمات العامة، مثل الكهرباء، لن تكون الخطط ّوالعلاجات والمساعدات الخارجية فعالة.”

كان بإمكانــي اســتخدام هــذه المســاحة للدعــوة إلى إجــراء الإصالحات في قطــاع الطاقة واتبــاع الحوكمة الصحيحــة واللجوء إلــى الطاقــة المُتجــدّدة، كمــا فعلت علــى مدى الســنوات القليلة الماضيــة، لكن في الواقــع أصبح الموضــوع مضيعة للوقت إذ يســقط على آذان غير صاغية منذ ســنوات. في الحقيقة، هذا الوضع القائم في مؤسّســاتنا والأشــخاص الذين يرأســونها هــو خيــار مجتمعــي قائــم على المحســوبية التــي لا يزال معظــم اللبنانيين يقبلــون بها. لذلــك، طالما لم يحصــل أي تغيير سياســي هيكلــي، يــؤدّي إلى تغيير في ثقافة إدارة وتشــغيل الخدمــات العامّة، مثل الكهرباء، لن تكــون الخطط والعالجات والمساعدات الخارجية فعّالة.

في المكوّن الاجتماعي

أديب نعمة

خبير اقتصادي ومستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومكافحة الفقر 

قــد نســارع إلــى القــول أن المكــوّن الاجتماعي فــي الخطة ضعيف جــدًا، وهذا صحيح كونهــا لا تتضمن خططًــا وإجراءات من شــأنها تحســين الوضع الاجتماعي. لكن من منظور كلّي، الصورة مختلفة حيث أن التأثير الاجتماعي لخطة الحكومة المالية شــديد القــوة ولكنــه فــي غيــر محله حيث ينحــاز في غير صالح الفئات الشــعبية ومحــدودي الدخل. ويمكن فــي هذا الصدد الاشارة إلى ثلاث نقاط تدعم هذا الاستنتاج، وردت أو غابت عن الخطة.

أولاً، الخطة الحكومية في تركيزها على البعد المالي تعوّل على تعويض الخســائر الكبيرة المتراكمة من خلال  المســاعدة الخارجيــة ومــن خــلال سياســات داخليــة. هــذه الأخيــرة تتضمــن بوضوح عناصر تقشــفية شــديدة جــدًا، تشــمل خفض دخل المواطنين من خالال تدهور سعر صرف العملة الوطنية الأمر الذي يخفّض القدرة الشرائية (وترى فيه الخطة عاملاً إيجابيًا لأنه يخفّ الاســتيراد وبالتالي العجز في الميزان التجاري)؛ كما تشــمل الاقتطاع من تعويضات التقاعد والمدخرات في الصندوق الوطنــي للضمــان الاجتماعي وصناديق التعاضد وفي القطاع العام المدني والعســكري؛ وكذلك مراجعة نظام التعويضات هــذه لاعتبــاره شــديد الكــرم. كما تتضمــن الخطة إصلاحًا للقطاع العام أساســه تقليــص عدد الموظفين وصــرف تدريجي أو عدم استبدال لمن يبلغ سن التقاعد، مما يعني المزيد من البطالة (مصدرها القطاع العام) إضافة إلى البطالة الناجمة عن الانكمــاش الاقتصــادي وعــن تعثّر المصارف واحتجازها لودائع المواطنين. إذن هذه خطة ســوف تزيد الفقر وتدهور مســتوى المعيشة وتزيد البطالة، وهذا ينضوي على مضمون اجتماعي سلبي شديد القوة.

ثانيًــا، لا تشــير الخطــة إلــى ّأي  إجــراءات خاصــة ببعض الفئــات محــدودة الدخل والتي خســرت أو ستخســر قســمًا كبيرًا من مدخراتها. التركيز كبير على الحفاظ على الودائع وحقوق المودعين الصغار. لكن نســبة اللبنانيين الذين لديهم حســابات مصرفيــة (حســب تقريــر البنك الدولي العالمــي عن التضمين المالي)  تقارب %45 والباقي ليس لديه حســابات مصرفية. كما أن الخطة لا تتضمن أي إشــارة إلى المحافظة على المدخرات في الصناديق الضامنة التي هي بالليرة اللبنانية والتي فقدت اليــوم حوالــي %60 مــن قيمتهــا. كما لا تتنــاول الخطة التعليم والصحة والســكن وبــدلات الإيجار وحماية العمــل، وغيرها من القضايــا الأساســية فــي الشــأن الاجتماعــي وإنما خطوطًا عامة يجــري تطويرها لاحقًــا. تركز الخطة فقط وحصــرًا على التوازن المالي، والمصارف والنقد، من منظور المصالح أكثر منه من منظور الحق.

“إن خطة الحكومة لديها مضمون اجتماعي تقشفي يزيد الإفقار والبطالة، وتتجاهل المقاربة التكاملية مع الازمة الاجتماعية التي يجب التعامل معها بذاتها، لا باعتبارها مرة أخرى مجرد ملحق ثانوي الأهمية لخطة مالية لن تؤدي سوى إلى تفاقمها مع إجراءات جزئية لا تنفع حتى كمسكنات مؤقتة.”

ثالثًا، ما يرد من إجراءات ضريبية يبقى جزئيًا ودون المطلوب ولا سيما مع اختلاط رفع الضرائب المباشرة جزئيًا مع رفع الضريبة على القيمة المضافة أيضًا. أما المشروع الوحيد الذي له طابع اجتماعي بالمعنى التقليدي، فهو ما يندرج في إطار ما يسمى شــبكات الأمان الاجتماعي، ويقتصر على برنامج للمســاعدة النقدية للأســر الفقيرة 200( ألف أســرة كحد أقصى) ســوف يشرف عليــه البنــك الدولــي، ويموّل من خلال قرض بحوالي 580 مليون دولار. وهــذا التدخل معزول وجزئي، وهو ينطلق من موقف مســبق يعتبــر أن المدخــل الوحيد هو من خلال برنامج دعم الأســر الأشــد فقــرًا حيث يراد مضاعفة المســتفيدين من الدعم المالي المباشر (أو بطاقة المواد الغذائية) عشرة أضعاف. وثمة إصرار غريب على هذا المشروع وكأن الهدف هو إثبات صحّة الموقــف المســبق والنظــام الســابق، أكثر مــن الاســتجابة للحاجات المســتجدة، والتي تتميــز بكونها تتجــاوز مفهوم برامج مكافحة الفقر المدقع، حيث أن الوضع الحالي هو صدمة قوية أدت الى فقدان العمل وفقدان الدخل، وتوسّع الفقر حاليًا إلى ما يزيد عن %50 من الأســر على الأقل، ولا يصحّ معها برامج الاســتهداف من هذا النوع. يرتّب هذا ضرورة الانتقال إلى منظور جديــد يقــوم علــى بنــاء نظــام متكامــل للحمايــة الاجتماعية على أســاس منظور الحــق، ومن خــلال حزمة خدمــات متكاملة، ومعايير تتجاوز قياس الفقر المدقع أو الفقر الغذائي. وكل ذلك ليس على جدول الأعمال.

بهذا المعنى، فإن خطة الحكومة لديها مضمون اجتماعي تقشّــفي يزيد الإفقار والبطالة، وتتجاهل المقاربة التكاملية مع الأزمــة الاجتماعيــة التــي يجــب التعامل معهــا بذاتها، لا باعتبارها مرة أخــرى مجرد ملحق ثانوي الأهمية لخطــة مالية لن تؤدي سوى إلى تفاقمها مع إجراءات جزئية لا تنفع حتى كمسكنات مؤقتة.

هل لبنان محكوم بالذهاب إلى صندوق النقد الدولي أم هناك خيارات أخرى؟

زياد عبد الصمد

المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية 

كثيرون يدعون إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة التقنية والقروض وتوفير السيولة الضرورية لتشــغيل الدولــة كحــل أخير بعــدما تأخّرت الحكومات المتعاقبة عــن معالجة الأوضاع قبل تفاقمها. لكن شــروط الصندوق قاســية ولهــا تبعــات مؤلمــة اجتماعيًا وسياســيًا، وهي بكل الأحوال معروفة، فالصندوق ســبق وتقــدم بتقرير إلى الحكومة فــي تشــرين الأول من العام 2017 اقترح فيه اعتماد التدابير التقشــفية لخفض عجــز الميزانية العامة والحدّ من الهدر ومحاربــة الفســاد، بالإضافــة إلــى تحريــر ســعر الصرف وتقليــص النفقــات العامة والدعــم الاجتماعي، وزيــادة الــواردات عبر رفع الضريبة على الدخل والقيمة المضافة وفرض رسوم جديدة.

وفــي الخطــة الحكوميــة المقترحــة مــا يحاكــي هــذه الشــروط مــع توجّه واضــح يدعو إلــى تقليص القــدرة الاســتهلاكية لدى المواطنيــن لتخفيــض فاتورة الاســتيراد وإعادة التوازن إلى الميزان التجاري لكن ذلك يــؤدي إلى انكماش اقتصادي ويضاعف الحاجة إلى الاستدانة مجددًا مع تضاؤل احتمالات وصول تحويلات واستثمارات من الخارج.

“لا يبدو أن حلولاً جذرية ستحصل قبل القيام بتشكيل حكومة من شخصيات سياسية مستقلّة تتمتع بالكفاءة وبالحسّ الوطني والاخلاقي وبالجرأة اللازمة، تستعيد ثقة المواطنين والمستثمرين والمجتمع الدولي بلبنان وبنظام الحكم فيه.”

لقد أدى تفشــي الفســاد السياســي إلى إهدار مئات مليارات الدولارات التي تدفقت إلى لبنان خلال العقود الماضية ولا سيما بيــن عامــي 2008 و2010، ولــم تتخــذ الحكومــات المتعاقبة أي تدبير للاســتفادة منها ولتــدارك الانهيار رغــم كل التحذيرات التي تلقتهــا. وقــد بــدأت المؤشــرات تــدلّ علــى تردّي الأوضــاع منذ انــدلاع الأزمة في ســوريا عــام 2011، وتفاقمت عــام 2016 عندما قام مصــرف لبنــان بــأول هندســة مالية لدعم مصارف متعثّــرة والحصول على العملة الأجنبية من الســوق المحلــي لتمويل عجز الدولة ودفع الديون المستحقة. لا بل على العكس، فقد ساهم نظام المحاصصة في احتدام الأزمة من خلال تمركز الثروات بيــد القلّــة النافــذة نتيجــة الاحتــكارات والمضاربات غير الشــرعية واســتخدام النفوذ، فما هــي الضمانة بأن لا تســيء الطبقة السياســية نفســها في ظل نظام المحاصصة ذاته ســوء استخدام الأموال وإهدارها مجددًا في حال توصلت المفاوضات مع الصنــدوق إلــى اتفاقيــة؟ علمًــا أن الحكومة في خطتها وضعت في الحســبان احتمال عدم التوصّل إلــى اتفاق مع الصندوق فاقترحــت بالمرفــق الثانــي بيــع الأصول واللجوء الى خصخصة المؤسســات العامــة، ما يطرح مجددًا موضوع الثقة بالســلطة السياسية القائمة بأن تقوم هي بهذه العملية بالشفافية المطلوبة.

لا يبدو أن حلولاً جذرية ســتحصل قبل القيام بتشــكيل حكومة من شــخصيات سياسية مســتقلّة تتمتع بالكفاءة وبالحسّ الوطنــي والأخلاقــي وبالجرأة اللازمة، تســتعيد ثقة المواطنين والمســتثمرين والمجتمع الدولي بلبنــان وبنظام الحكم فيه، علــى أنُ تعطــى صلاحيــات تشــريعية اســتثنائية تبحــث عــن حلول أقــل كلفــة ولا تفقد لبنان ســيادته علــى خياراتــه المالية والاقتصادية أو تتولى هي التفاوض مع صندوق النقد الدولي وفق أولويات وطنية تخدم مصالح الشعب العليا دون سواها في حال غياب الخيارات الأخرى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات