Search
728 x 90

خطة الحكومة الانقاذية بين الدونكيشوتية وانعدام الواقعية

خطة الحكومة الانقاذية بين الدونكيشوتية وانعدام الواقعية

اذا كانت الخطة المالية والاقتصادية للدولة يوماً تاريخياً في تاريخ لبنان – كما قال رئيس الجمهورية ساعة اقرارها رسمياً في مجلس الوزراء- فهل هي ترقى الى مستوى معالجة الازمة المالية في بلد مفلس رفض دفع ديونه الخارجية وطلب الاستعانة بصندوق النقد الدولي بعدما كان اعلن سابقاً انه يبغي استشارته فقط، وذلك في ظل رفض للخطة من الاركان الاساسية المعنية بها اي المصارف اللبنانية الى جانب جزء من الطبقة السياسية؟
ما مصير هذه الخطة التي وصفها لموقع beirutinsights الخبير الاقتصادي والاستاذ الجامعي د .ايلي يشوعي بأنها “خطة- حلم دونكيشوتية”، و الباحث الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة بأنها “غير واقعية بلا حل سياسي جدّي”. 

طلب المساعدة لا يكفي

يوم اعلن مجلس الوزراء التوصل الى الخطة المالية والاقتصادية التي تهدف الى انتشال لبنان من قعر البئر المالي الذي وصل اليه، ادرك الجميع ان المسألة ليست مجرد حل اقتصادي ومالي سيتم التوصل اليه بكبسة زر، انما جلجلة مالية بدأت بطلب مساعدة صندوق النقد الدولي وقد لا ترى نهاية النفق المظلم فيها طالما ان المعطيات السياسية الداخلية والخارجية هي نفسها ولم تتبدل قيد انملة.

فغداة اعلان الخطة، سارع مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر الى التأكيد ان ” طلب الحكومة مساعدة الصندوق لا يكفي”. كما شددت الخارجية الفرنسية ان من “المهم الآن تطبيق الإصلاحات لتمكين البلاد من التعافي، وإبعاد لبنان عن أزمات المنطقة والتوتر الإقليمي”.

والمقصود بعبارة” لا يكفي” التي قالها شينكر، الشق السياسي الخارجي الذي يقضي بنأي لبنان عن نفسه عن المحور السوري- الايراني وعن لعبة التجاذبات الاقليمية التي تكلمت عنها الخارجية الفرنسية، خصوصاً ان النظرة الغربية الى العهد والحكومة تضعهما معاً في محور “حزب الله” وبالتالي ايران وسوريا الاسد من ورائه.

اما في السياسة الداخلية، فبعد مرور ثلاثة اعوام على العهد لم تتحقق اي من الاصلاحات الموعودة على الارض رغم مشاريع القوانين التي تُدرس حيال مكافحة الفساد والاثراء غير المشروع واسترداد الاموال المنهوبة، لا بل اُسقطت عن هذه الاخيرة صفة المكرر المعجل في الجلسة العامة في المجلس النيابي لتتحول الى اللجان التي يعتبرها الكثير من المشرّعين انها مقبرة القوانين. يضاف الى ذلك عدم تشكيل الهيئات الناظمة في الكهرباء والاتصالات وغيرهما، كما عدم معالجة اي ملف شائك اتعلق بالكهرباء ام النفايات، مع تسجيل مباشرة وزارة الاتصالات إجراءات استعادة قطاع الخلوي من “Alfa” و”touch” في 27 نيسان 2020.

ومطلب الاصلاحات هذا هو ما تكرره اكثر من جهة غربية بوضوح تام وصل الى حد الاعلان بوضوح عن معادلة “لا اموال خارجية بلا اصلاحات”. وهذا ما اكده شينكر حين قال ان “على لبنان أن يكون في موقع يسمح له بتلقي مساعدة مؤسسات مالية دولية، عليه أن يثبت أنه مستعد لاتخاذ خيارات صعبة وقرارات تثبت مئة في المئة التزامه بالإصلاح”، مضيفاً “خيارات صعبة! إصلاح قطاع الكهرباء، إصلاح الجمارك، البدء بجمع الضرائب في حين هناك الكثير من اللبنانيين من دون عمل. الكهرباء، كل القطاعات، والاتصالات. هذه ستكون قرارات صعبة جداً للقضاء على نظام الفساد المتجذّر في لبنان. ستكون هذه قرارات صعبة لكنها ضرورية”.

يضاف الى ذلك الخلاف السياسي الداخلي الذي بات بلا سقف. وهنا تكمن الخطورة كما يؤكد الباحث الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة لموقع beirutinsights .

وهذا ما حذر منه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش حين قال “ان الأحداث المأسوية في طرابلس إشارة تحذير للقادة السياسيين وان الوقت ليس مناسباً لتبادل تصفية الحسابات”.

من هنا، يدخل عامل الثقة بقوة، كما يؤكد الخبير الاقتصادي والاستاذ الجامعي د .ايلي يشوعي لموقع beirutinsights محذراً من الاقتراض الخارجي. فخطة الحكومة الاقتصادية والمالية تستند الى الدعم المالي الخارجي ولا سيما صندوق النقد الدولي الذي لن يقدم هبات مالية للبنان المنهك بل ديون بشروط منهكة ستبدأ حتماً بسلسلة اسئلة عن مصير الديون السابقة: كيف تمت ترجمتها على الارض، ما هي المشاريع التي تم تمويلها بواسطتها، ثم هل تمت تنقية الدولة من المافيات التي سرقتها؟ وما الضمانة ان الدفع سيتم وعلى اي اساس؟ وما الضمانة في استرداد هذه الديون؟ هل تم استرداد كل حقوق الخزينة المالية المهدورة والضائعة؟ كيف سيُعطى لبنان هذه الديون فيما هو لم ينتظم داخلياً بعد ولم يقم بالإصلاحات الداخلية؟ ثم ان صندوق النقد الدولي يرفض ميزاناً تجارياً يتضمن كل هذه النسبة الكبيرة من العجز، اي ان المطلوب بناء اقتصاد تم تدميره منذ 30 عاماً عبر سياسة مالية خاطئة، كما يقول يشوعي.

والدكتور يشوعي يميز بين البلد المتعثر والمتوعك والبلد المنهك، اذ ان الاول يستطيع ان يتحمل هذه الشروط اما الثاني المنهك من كل النواحي الاجتماعية والمالية والاقتصادية فلا يستطيع ان يتحملها.

وهنا يتم الولوج الى الجزء الداخلي من الخطة التي تتركز على تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية، وهذا مناف للفقرة “و” من مقدمة الدستور التي تؤكد ان ” النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة”، وفق ما يتفق عليه كل من الدكتور يشوعي والبروفسور عجاقة.

يضاف الى ذلك رفض جمعية المصارف بشكل قاطع الخطة قائلة إنها لا يمكن أن توافق “بأي حال من الأحوال” على خطة إنقاذ اقتصادي حكومية لم تجر استشارتها بشأنها. واعتبرت الخطة بأنها انفرادية، واصفة الإجراءات المتعلقة بالإيرادات والنفقات فيها بأنها “غامضة وغير مدعمة بجدول زمني دقيق للتنفيذ”. ورأت ان ” عملية إعادة الهيكلة المحلية، كما وردت في الخطة، من شأنها الإمعان في تقويض الثقة بلبنان محليا ودوليا”.

علماً ان الجمعية كانت اعلنت عقب لقائها رئيس الحكومة حسان دياب في 29 نيسان 2020 انها ستقدم للحكومة خطتها للحلول الاقتصادية والمالية خلال 15 يوماً كحد أقصى من تاريخه.

كرسي بـ 3 قوائم

فالخطة اشبه بكرسي بثلاث قوائم اهمها خفض سعر سعر الليرة، يقول عجاقة.

– اعادة هيكلة ديون الدولة الداخلية وهي تشكل 84 % من مجمل الدين العام علماً ان الخسارة اتت اساساً من جراء انكسار الدولة وسيتحمل جزءاً كبيراً منه القطاع المصرفي. وتضاف اعادة هيكلة القطاع المصرفي.

– تحرير سعر صرف الليرة في اقتصاد ضعيف لمعالجة الخلل الاقتصادي على صعيد ميزان المدفوعات والحساب الجاري وغيرهما. وهذا يشكل المحور الاساس للخطة التي لن تطبّق من دونه، علماً ان تحرير سعر صرف الليرة سيؤدي في العام 2024 الى نسبة فقر في لبنان تفوق الـ 73%. فذلك سيؤدي حتماً الى غلاء فاحش لكل السلع بما فيها المحروقات والادوية، مما سيحتّم تضخماً ضمنياً هائلاً، اي قدرة شرائية اقل لدى المواطن، وبالتالي قدرة استهلاكية اقل. اي سيتم اعتبار كل من يتدنى راتبه عن المليوني ليرة في خانة الفقراء.

ومن العوامل التي ستزيد عامل الفقر، تجميد رواتب القطاع العام او زيادة اسمية lump sum، كما تخفيض الخدمات الاجتماعية اكان لجهة النظام التقاعدي او التقديمات الصحية او المدرسية.

– الاستعانة بالأموال الخارجية – وليس فقط صندوق النقد الدولي- التي تستند اساساً الى عامل ثقة غير مضمون، ان لم نقل غير موجود في الوقت الراهن. فالخطة تفترض اموالاً من صندوق النقد (ملياران سنوياً) ، ستشجع الدول الاخرى على الدفع، مما يحرر اموال “سيدر”، فاقتطاع من قيمة الدين العام الاسمية nominal value ، وتحميل القطاع المصرفي قسماً كبيراً من هذا الدين عبر المساهمين والدائنين.

وكلمة دائن تتضمن غموضاً مزدوجاً : فالدائن هو من يديّن الاموال، والمودع في اللغة المالية هو دائن ايضاً، لأن ايداع امواله في المصرف هو اشبه بإقراضه اياها.

من هنا يقول عجاقة التخوف من ردة الفعل الشعبية حيال هذا الامر. فالنسخة الانكليزية التي تم توزيعها قبل جلسة مجلس الوزراء تتضمن فقرة تقول ان الدولة ستسترد كل الفوائد التي تفوق الـ 50 الف دولار سنوياً والتي تم قبضها من الدولة.

اما النسخة الانكليزية نفسها التي وزعت بعد الجلسة فغابت عنها تلك الفقرة.

ثم صحيح ان الخطة لم تأت على ذكر الـ haircut، الا انها تتضمن الـ bail in ، اي تحويل قسم من الودائع (يحكى عن المبالغ التي تفوق 500 الف دولار) الى اسهم في المصرف. وهنا تكمن خطورة تغيير النظام الاقتصادي اللبناني: فإذا تم اجبار المودعين على هذا الامر يتحول اقتصادنا الحر الى اقتصاد موجه. اما اذا رفضوا، فكيف سيتم اقناعهم… او ما هو الحل؟

فهذه الخطة تفترض موازنة متوازنة تبدأ بإعادة هيكلة القطاع العام اي تصغير حجمه عبر الاستغناء عن 100 الف موظف، وخفض دراماتيكي للفوائد وخفض الدور الاجتماعي للدولي، اكانت تقديمات وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية، ناهيك عن زيادة الواردات والضرائب، كما يقول يشوعي.

من جهته، يسأل عجاقة في هذا الاطار عن قطوعات الحساب التي غابت عن موازنات الاعوام 2017، 2018، 2019، 2020 من دون سقف زمني لها.

الى اين؟ 

اذاً، الى اين يتجه لبنان في ظل هذه الظروف؟

البروفسور عجاقة يقول ان جمعية المصارف ستستشرس في الدفاع عن نفسها كي لا تتكبد المزيد من الخسائر، بدءاً بتقديم خطة موازية لخطة الحكومة، كما سبق واعلنت، وصولاً الى اللجوء الى القضاء. وهو يعوّل على حل سياسي قد يخرج من “قبعة الساحر” ليلجم سقف الخلاف المحلي الذي من دون حله لن تطبق اي خطة مهما كانت واقعية وقابلة للتنفيذ.

من جهته، يرى يشوعي ان البديل لهذه الخطة هو اولاً المحافظة على سمعة لبنان عبر الاستفادة من تخفيض قيمة دينه في الاسواق المالية الخارجية بنسبة تتراوح بين 40 و50%، بحيث يدفع ما تبقى من الدين وينطلق في موازاة ذلك بمشروع التشركة، اي يرفع يد الدولة تمويلاَ وادارة عن كل الرأسمال الوطني المتمثل بالخدمات العامة والبنى التحتية، ويلزمّه عبر استشاريين اداريين دوليين متخصصين يضعون دفتر الشروط (كهرباء، ماء، اتصالات، نفايات، نقل مشترك، المرافئ، الطرق السريعة، المطار …) بحيث لا يكون للدولة اي تأثير في الموضوع.

ويؤكد قابلية تنفيذ هذه الخطوة، اذ ان هذه الخدمات مضمونة الدفع سلفاً من دون اي مخاطر وهي من ضمن الاقتصاد الحقيقي وليس الوهمي مثل الاسواق المالية.

يشوعي يميز بين التشركة المجردة والخصخة لأن لبنان لا يزال يملك رأسماله الوطني، بحيث تبقى الملكية له والادارة لشركات متخصصة تؤمن له 20 مليار دولار بين 6 اشهر وسنة في الاقتصاد، كما يقول.

لكن ما مدى قابلية اللجوء الى هذا الحل الذي يفترض اساساً اقفال “حنفيات الهدر” حيث لكل قطاع اربابه في السرقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات