Search
728 x 90

حين ينتفض الاستبلشمنت الانتخابات النصفية الأميركية نموذجاً

حين ينتفض الاستبلشمنت  الانتخابات النصفية الأميركية نموذجاً

العالم العربي في حاجة لبناء ديبلوماسية رصينة متماسكة تواكب خيارات الاستبلشمنت الأميركي في اعقاب نتائج الانتخابات النصفية، فتثني عليها حيث تتقاطع معها المصالح، وتُفرمل توجهاتها حيث تسود رعونةٌ ووَهم واستتباع.

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

عاد الديموقراطيون في الولايات المتحدة الأميركية بقوّة من خلال مجلس النواب الى واجهة الشأن الوطني بعد خيباتٍ وانكفاءات. لم يخسر الجمهوريون وحافظوا على أرجحية مجلس الشيوخ. هذه هي الديموقراطيّات العريقة قادِرة على المساءلة والمحاسبة.

لكنها قادرة ايضاً على فتح نقاشٍ عميق في البُنية المؤسِّسة لخياراتها المرتبطة بمنظومة أمن قومي.

وفَتحُ النقاش العميق مسؤولية الاستبلشمنت من كل الاختصاصات، ومن كلّ التوجّهات.

من هنا لم يكن مستغرباً أن يندفع جمهوريّون، وبفِعلٍ منهجي منظَّم، وحديثي عن ناخبين كانوا أساساً من صُلبِ داعمي الرئيس دونالد ترامب، يندفعون لمواجهته والتصويت للديموقراطيين. مردُّ اللاإستغراب أن ثمّة من وعى أن استنفار العصبيّات، وإعادة إنتاج خطاب الكراهية، والاستخدام الإيديولوجي لنظرة النقاء العرقي – الديني، كل ذلك سيودي حتماً بروحية الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية، وواضعي ركائز دستورها، الى مجهولٍ مريب.

على كثيرٍ من السذاجة اعتبار أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهى. وعلى كثيرٍ من السذاجة أيضاً الاندفاع بحماسةٍ في التنظير لانهياراتٍ في السياسة الأميركية الخارجية بعد نتائج الانتخابات النصفية. وبطبيعة الحال، ستندفع معسكرات المناوئين لـ”الإمبريالية” لتحشيد الاستنتاجات القائمة على مفوّق رهانها، وقدرة صمودها أمام سنتين سابقتين، وسنتين مقبلتين من التصلّب الترامبي.

وفي هذه الاندفاعة كثيرٌ من السذاجة أيضاً، أو قُل كثيرٌ من الشوفينيّة، إذ لا يتردّد هؤلاء في اعتبار أن ديناميّتها هي سيفٌ مصلتٌ على هذا وذاك، ويعنيهم كبرياءً إطلاق مقولة: “هم راحلون ونحن مستمرون”.

لا أدري ما معنى أن تتسيّد أنظمة وتُغتال شعوب. لكن أعي جيّداً ما معنى أن تستطيع مساراتٌ ديموقراطية مجتمعية يقودها استبلشمنت، من أن تفتح آفاق تغيير، بفِعل إما ثورة على سياقاتٍ تقليدية، أو تحسّساً من انزلاق هذه الثورة نحو محاولة تغيير المكوّنات القيمية البنيوية لهذا الاستبلمشنت، فنكون بإزاء ثورةٍ مضادة صاغتها الثورة نفسها. هذه هي جدليّة الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة. وفيها اخترنا عندنا التذاكي، والتخابث، والتكاذب، والتساخُف التوفيقي والتوافقي.

في أي حال، وتحاشياً للخوض في السواد الذي نحن فيه، لكن كان لا بُدَّ من إشارة ما حزينةٍ اليه، تستحق الولايات المتحدة الأميركية على انتخاباتها قراءةً في نَسَقِ الدولة العميقة الذي يتحكم بمفاصلها. وبالاستناد الى ذلك، يجب التنبُّه، الى أن الرئيس دونالد ترامب، وصل الى سُدَّة الرئاسة، وقبل كل شيء، بفعل اقتداره على إثارة إشكاليّات ثقافية واقتصادية – اجتماعية/ وقيميّة على كثيرٍ من الحساسية في المجتمع الأميركي.

لا يعنيني أسلوبه الارتجالي. يعنيني أنه أقام من هذا الأسلوب الارتجالي مساحةً من صحوةٍ في ما تريده الولايات الأميركية المتحدة لنفسها بدايةً، وللعالم من ثمّ. وهنا تبرز تساؤلاتٌ جوهرية. هل يمكن لغير الواهمين، في هذا الاطار، أن يعتقدوا أن هناك في المجتمع الأميركي من يرفض تنظيم حركة المهاجرين، وخصوصاً على الحدود مع المكسيك؟ وهل يمكن أيضاً لغير هؤلاء تجاهل أن حاجة المجتمع الأميركي مُلحّة للتصدّي لاجتياح صيني للأسواق وللرأسمال حتى، أو أقلّه الإبقاء على توازن الحدّ الأدنى في هذا الحيّز؟ وهل يمكن أيضاً لغير هؤلاء تجاوز العُقدة النخبوية الأميركية الموسومة بنرسيسيّة غير مبررة، من انفلاشٍ روسي امبراطوري عسكري وديبلوماسي وسياسي وصل الى قلب القارة الأوروبية وطوّع الشرق الأوسط، وإلحاح وضعِ ضوابط له؟ وهل يمكن ايضاً لغير هؤلاء أن يسطح أن ممانعةً من الاستبلشمنت الأميركي قائمة تجاه انحياز ترامب غير المسبوق باتجاه تبنّي وتنفيذ الأجندة الإسرائيلية كاملةً في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؟ وهل يمكن أيضاً لغير هؤلاء الانسياق في تأكيد أن الاتفاق النووي مع إيران هزيمة للولايات المتحدة الأميركية وانسحاب الأخيرة منها هو كما توقيعه بالتّمام هزيمة ثانية؟

لست في صدد تقديرِ صوابية خيارات الاستبلشمنت الأميركي أو خطأه. هذا متروك للتاريخ وللضمير. لكنني في صدد محاولةِ انضاج حاجتنا في عالمنا العربي لبناءِ ديبلوماسيةٍ رصينة متماسكة تواكب هذه الخيارات، فتثني عليها حيث تتقاطع معها المصالح، وتُفرمل توجهاتها حيث تسود رعونةٌ ووَهم واستتباع. وفي هذا نحن غائبون ومقصّرون.

والديبلوماسية الرصينة المتماسكة لا تعني توسلاً فقط لدعم قطاعيّ وتسوُّلاً للتخفيف من وقع عقوباتٍ، والتفافاً على ثوابت كيانية، بل هي تبنٍّ لمنهج العودة الى مرجعية العِلم والخبرة وبلورة سيناريوهات التقاطع أو الفرملة.

وفي هذا يُشهَد للولايات الأميركية المتحدة بريقٌ هائل في قدرة الاستبلشمنت فيها، ومع بروز ظاهرة الرئيس ترامب الشعبوية، خيارها الاستراتيجي في السعي لبلورة رؤيةٍ تقوم على ما يريده العالم لها من دورٍ ريادي في إعادة تشكيل الجيوبوليتيك الدولي في تحالُف المعتدلين.

نجح الرئيس ترامب في هزّ وجدان الأميركيين مرّتين. مرة أولى كسر التقليد. مرة ثانية حين أيقظ فيهم نَقزَةً من أن يأتي هذا الكَسرُ دماراً عليهم وعلى العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات