Search
728 x 90

“حياد لبنان” و…”هنا أرض الحريّة والحوار”!

“حياد لبنان” و…”هنا أرض الحريّة والحوار”!

ليس موقف البطريرك الماروني مستجدّاً في تأكيده على موجِب حياد لبنان. إنّها الثوابت الكيانيّة في هذا السياق الوطني المأزوم تستعيد وهجها. الفاتيكان صمَّم على تصويب البوصلة. أوَلَم تحمِل ديبلوماسيّته الصامتة والفاعِلة هَمّ لبنان الرسالة في أصعب الأوقات؟

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة

ليس الموقف الصُّلب هذا سوى إحياءٍ لروح قيام لبنان منذ ما قبل إعلانه كبيراً في العام 1920، ويُمكن العودة إلى وثائق كثيرة تُثبت مسار إصرار الآباء المؤسِّسين على رفض العزل والانعزال إنّما في تأكيد على موجب حماية الكيان اللبنانيّ المفترض قيامه حينها من اصطفافات المحاور من ناحية، كما من الاستقطاب الطائفيّ – المذهبيّ للخارج إلى دوّامة الداخل من ناحيةٍ أُخرى. كان تثبيت لبنان الكبير مقروناً بشرطِ حياده. وما الوثيقة (رقم 19) الصادرة عن الاتحاد اللبناني بمصر مؤرّخة في (1/12/1918)، مذيّلةً بتوقيع شخصيّات رائدة في بلورة فلسفة قيام لبنان وصيغة العيش معاً فيه، سِوى دليلٍ بحسب ما ورد فيها لحيويّة أنّ “يحيا لبنان مستقِلاً، قوّته لنفسه وخيره لِبَنيه، سيّداً لا مسوداً، وحرّاً لا عبداً. وليعيش ضمانة جميع الدُول المتمدّنة فيكون صديق الجميع يكفَله الجميع، فلا يدخل في عراكٍ، ولا يكون غرَض العدوان، بل يكون بتلك الضمانة الدوليّة “سويسرا الشرق” تظلّلهُ الراحة ويخيِّم عليه النعيم، فيُرسِل من متن جباله نور الحضارة المدنيّة” (انتهى الاقتطاع).

منذها في العام 1918، وحتماً قبل ذلك أيضاً كان الحلم اللبناني ببناء دولة نموذجيّة، وهويّة مواطنة حاضنة للتنوّع، كان حلماً واضح المعالِم فكريّاً. العودة إلى ميشال شيحا، وشارل مالك، ويوسف السَّودا، وكمال يوسف الحاج، وغيرهم كثيرون، تُثبت هذا الوضوح في فلسفة الصيغة والميثاق. بشارة الخوري ورياض الصُلح حرّرا الفلسفة من عِقالها السيستيميّ اليوتوبيّ، ووضعاها في خيارٍ دولتيّ. الانعتاق من خيار الغيتو رسّخه البطريرك الحويّك. ونهج خيار الأُمّة اللبنانيّة تبنّاه المسلمون في مفاضلة واضحة مع الوِحدة مع سوريا، وكلّ المشاريع الوحدويّة. العالم العربي احترم خياراتنا إلى حين أفقد بعضُ من في الداخل الصّيغة والميثاق مناعتهما.

لا إمكان في هذه العُجالة لاسترجاع صدى الموبقات المدمِّرة، والزئبقيّات السياسيّة التي حتَّمت عليا فُقدان المناعة. لكن من المهمّ بمكان فَهم أنّ اتفاق الطائف أعاد تحديد الحقائق الوطنيّة التي ينتمي إليها الإجماع اللبناني، وفي مقدّمها انتماؤه إلى ثوابته بدايةً، ومن ثمّ الى الشرعيّتين العربيّة والدوليّة في مظلّة أمنٍ قوميّ يتفادى أن يكون مُنطلقاً للعدوان على أحد، ويردّ العدوان عليه دون مساومة ومواربة. العالم العربي حضن لبنان. والمجتمع الدولي حضن لبنان. الفاتيكان مع السينودس الخاص من أجل لبنان أطلق شعاراً حمله البابا القديس يوحنا بولس الثاني أنَّ هنا عندنا أكثر من وطن بل رسالة”. ثمّة بعض من في لبنان وضع نفسه، وزجَّ اللبنانيّين في عداواتٍ مع أصدقائه التاريخيّين. حاد عن الثوابت والحقائق. حياده عن الثوابت هو الجريمة الكبرى. حياده عن الحقائق التي قام عليها لبنان هو الخطيئة الأكبر. متى يستعيد الحائدون عقلانيّتهم ونقاوة انتمائهم بهويّتهم؟

التساؤل أعلاه شديد التعقيد، لكن يحضُرني في إمكان التأسيس للإجابة عنه ما خاطب به الرئيس محمد خاتمي لبنان في مدينة كميل شمعون الرياضيّة، بيروت (13/5/2003) “هنا أرض الحريّة والحوار”.

حمى الله لبنان واللبنانيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات