Search
728 x 90

حلف الأقليّات بين “المشرقيّات المشبوهة” والانقلاب على الإمامَين!

حلف الأقليّات  بين “المشرقيّات المشبوهة” والانقلاب على الإمامَين!

لبنان ليس خطأً تاريخيّاً، وليس صدفة كيانيّة، وليس استجابة للاستعمار. هكذا أكّدت كلّ مقاربات الإمام المغيَّب موسى الصَدر، والإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين. 

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

يكفي العودة الى كتاب “الوصايا” للإمام شمس الدين الذي كتب فيه في فصل “موضوع إلغاء الطائفيّة السياسيّة في لبنان” ما يلي: “أوصي بالثّبات والالتزام بنظام الطائفيّة السياسيّة، مع إصلاحه. وأعتقد أنّ صيغة “الطائف” هي صيغة نموذجيّة في هذا الشأن، والنّظام السّياسي اللبناني الذي بُنِيَ عليها هو نظامٌ سليمٌ، لولا ما شابَهُ من بعض الأخطاء (…). نحتاج الى جهدٍ وطنيٍّ مُخلِصٍ للنظر في العيوب والثّغرات الموجودة في نظامِنا الطائفيّ القائم على اتفاق الطائف. (…) وأعتقد أنّ لبنان بهذا سيبقى منارةً ونموذجاً لكل المجتمعات الأخرى التي تتميَّز بالتنوّع الشديد” (ص 53-54).

كما يكفي العودة إلى ما قاله الإمام المغيَّب موسى الصّدر في (26/10/1975): “تجربتنا الإنسانيّة في التعاون أعظم من السياسيّين الأقزام الحقيرين. تُجّار السياسة عندنا الوطن لهم كرسيّ، وشُهرة ومجد وتجارة وعلوّ في الأرض وفساد… ماذا لهم في وَحدة الوطن حتّى يتحدّثوا عن التقسيم؟ إنّهم لا يعرفون معنى التقسيم… ماذا تعرِفون أيّها المجرمون عن وطن الإنسان والحضارة والتاريخ؟”.

ومن غير العادل أيضاً، في هذه العُجالة، تجاهُل ما عبّر عنه الرئيس محمد خاتمي للُّبنانيّين في (13 أيار 2003) في خطابه الشهير في مدينة كميل شمعون الرّياضيّة: “لبنان هُنا أرض الحريّة والحِوار (…) لبنانٍ حيٌّ صامِدٌ لِأنّ اللبنانيّ واعٍ وباقٍ. ولبنان الشامخ يمثّل عالماً متكوّناً من عوالم عديدة. عالم الأديان والمذاهب، عالم الطوائف والمجتمعات، عالم الأحزاب والأوساط…أليس هذا العالم تجسيداً للجَمع بين التعدّديّة والتضامن، وبين الكثرة والوَحدة، وبين المقاومة والتعايش؟”.

في ما سبق من استشهاداتٍ موثَّقة تأكيدٌ على أنّ القَول بلبنان الخطأ، والصُدفة، والاستجابة للاستِعمار من قبيل الانقلاب على تراث آبائنا المؤسّسين مسلمين ومسيحيّين. أمّا القَول بدولة المواطَنة فتكون باحترام الدستور وتطبيقه، لا باستباحته وتدميره، ومن ثم اتهامه بفسادٍ في مندرجاته.

تفتيت لبنان الصِّيغة خدمة لإسرائيل العدوّ. واغتيال لبنان الميثاق تحقيقٌ لمآرِب الاستعمار بحُلّتّه الجديدة المؤدلجة زوراً وبهتاناً.

في موازاة الانقلاب على الإمامَين الكبيرَين موسى الصّدر ومحمد مهدي شمس الدين، ثمّة من يتنطّح لبناء “مشرقيّة” من فِعل تشوّهٍ جنينيّ لا يمُتُّ بصِلة الى الحقيقة المشرقيّة عينها، في نقائها الحضاريّ، بموازاة تلبّساتها التطويعيّة لخِدمة مشاريع أقلويّة، تغتال مندرجات سينودس لبنان برجائه الجديد (1997)، وسينودس مسيحيّي الشرق الأوسط (2010)، وتُنهي فرادة لبنان الكبير مع البطريرك الكبير الياس الحويّك. الصّمت المريب مسيحيًّا في مواجهة هذا الإنهاء الإجراميّ خطيئة من فِعل الكُفر بالإيمان بالإنسان القادر على العيش مع الآخر، حيث في الآخر جمالاته، وحيث المعيّة تُجَوهِر معنى العيش في التنوّع.

“المشرقيّة” في طَرح “الفدرلة”، لا علاقة لها بتحسين نوعيّة إدارة التنوّع في نِظام الحُكم القائم في لبنان، بل بمشاريع سُلطويّة ضيّقة، فمن أفشَل النظام المركزيّ، لا يمكن أن يٌنجِّح ذاك اللّامركزي. اللّامركزيّة الإداريّة شأنٌ آخر، وانطوى عليها اتفاق الطائف، وهي حاجة بنيويّة، لكن ليس مع هؤلاء الباحثين عن مواقع.

“المشرقيّة” في مسارها المطروح تخدُم العدوّ، والأخطر أنَّها تنهي تجربة لبنان الممكن أن تشكِّل نموذجاً سياسيّاً في تلاقي التعدّديّات على الخَير العام.

حمى الله لبنان واللبنانيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات