Search
728 x 90

حكومة “مكحّلة” بـ 6 وزيرات… لإغراء المجتمع الدولي

حكومة “مكحّلة” بـ 6 وزيرات… لإغراء المجتمع الدولي

بكثير من التهليل والترحيب تم استقبال تعيين 6 وزيرات في حكومة الرئيس حسان دياب الذي كان سبق واكد ان دوراً رائداً للمرأة سيكون في حكومته. فهل هي حقاً نقلة نوعية في السياسة اللبنانية ام ان “يا ما تحت السواهي دواهي” كما يقول المثل الشعبي؟

فيما بدا ظاهراً ان الحكومة اللبنانية الجديدة ديناميكية وشابة في شكلها الخارجي بحيث تغري المجتمع الغربي الذي كان ينظر بعين الريبة الى اسابيع التشكيل الطويلة والعقيمة في محاصصتها خصوصاً بعدما كان جاهر رئيس الحكومة المكلف حسّان دياب باستقلاليتها، جاءت اللمسة الانثوية فيها لتشبه الكحل الذي يجمّل العينين.

الا ان هذا الكحل بالذات لم يستطع اخفاء حقيقة انتماءات الحكومة السياسية بعدما انكشفت الى الملء شروط كل فريق من وراء الستارة. وسريعاً ما انتشرت اعلامياً “حصة” كل فريق، ولا سيما حصة الوزيرات من بينهم.

فأين يندرج تعيين 6 نساء في حكومة حسان دياب العشرينية، احداهن وزيرة دفاع ونائبة رئيس الحكومة، في اول منصب يسند لامرأة في العالم العربي، في وقت سمّتهن الاحزاب المشاركة في الحكومة وباتت كل منهن “تُحسب” على الجهة التي سمتها وترتبط بالتالي قراراتها بها؟ علماً ان هذه الاحزاب بالذات كانت احجمت في الانتخابات النيابية الاخيرة عن منح المرأة حصة وازنة من ضمن مرشحيها، اذ لم تظهر سوى 9 نساء فقط على اللوائح الحزبية من اصل 86 مرشحاً.

فالتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية اللذان اقتراحا اسماء وزيرات الدفاع والعدل والمهجرين في الحكومة الحالية لم يدرجا من ضمن مرشحيهما للإنتخابات النيابية الاخيرة سوى مرشحتين من اصل 45 مرشحاً. كما حركة امل التي لم تسمّ اي وزيرة الآن، كانت رشحت مرشحة وحيدة من اصل 13 مرشحاً. اما الطاشناق الذي اقترح اسم وزيرة الشباب والرياضة فلم يضمّن مرشحيه الاربعة اسم اي امرأة، والامر سيّان بالنسبة الى تيار المردة الذي اقترح اسم وزيرة العمل من دون اي يضمّن مرشحيه الثلاثة للإنتخابات في زغرتا اي امرأة، علماً ان اي مرشحة لم تكن مدرجة، لا في اللوائح الانتخابية النيابية لحزب الله ، ولا في الوزراء المحسوبين عليه في الحكومة.

فهل يحسّن هذا التعيين السداسي موقع لبنان من حيث مشاركة المرأة في الحياة السياسية بعدما كان في المرتبة ما قبل الأخيرة 143/ 144 من ناحية التمثيل السياسي للنساء، بحسب تقرير “الفجوة بين الجنسين”، الذي أصدره منتدى الاقتصاد العالمي في تشرين أول 2016.

مما لا شك فيه ان تعيين 6 نساء في الحكومة الجديدة يلمّع صورة هذه الاخيرة في الشكل الخارجي ويرضي المنظمات الحقوقية الاممية وغير الحكومية المنادية “بتمكين المرأة” فيما المضمون اسير الشروط والشروط المضادة ومفاوضات المحاصصة التي شابت تشكيلها، والتي سجلت نقطة سوداء عملاقة على سجل الرئيس المكلف الذي كان اعلن جهاراً ومراراً ان حكومته ستكون مستقلة.

فبدت الحكومة “المرصعة” بالوزيرات الست وكأنها تتواءم ومطالب الحركة الشعبية في جزء منها من حيث تأمين حقوق المرأة ولا سيما المتعلّمة منها – اذ ان السيرة الذاتية لكل وزيرة مثقلة بالشهادات الجامعية – كما المساواة مع الفرص المتوافرة للرجل، خصوصاً ان اكثر من وسيلة اعلامية غربية سلطت الضوء على الدور النسائي في التظاهرات منذ 17 تشرين الاول 2019. فالـ cnn اعدت تقريراً بعنوان :” الاحتجاجات في لبنان قد تشكل انتصاراً للنساء” ، كما كتبت الانتدبنت : ” المرأة تقود الثورة”، وعنونت وسيلة اعلامية غربية ثالثة :”في لبنان، الثورة انثى”، ورابعة “المرأة في قلب الثورة”.

فلبنان الذي كان يعتبر الرائد في التطور والعصرنة، كان ايضاً في قعر السلم اقليمياً بالنسبة الى دور المرأة السياسي في السابق . فعلى سبيل المثال، شهدت مصر تعيين 8 وزيرات في حكومة مصطفى مدبولي العام 2019 يوم احتفل لبنان بأربع وزيرات في الحكومة السابقة، وفي حين شكل رئيس الوزراء الاثيوبي أبي أحمد، في تشرين الاول 2018 حكومة خصص فيها نصف حقائبها العشرين للنساء، وسلّم سيدة حقيبة وزارة الدفاع.

واذا كان التصفيق رافق تعيين امرأة في منصب وزير الدفاع في حكومة دياب، فإن هذا الموقع ليس غريباً عن المرأة منذ ان تبوأت سيريمافو باندرانايكا منصب اول وزيرة دفاع في العصر الحديث في سيريلانكا وسيلان، الى جانب رئاسة الوزراء ثلاث مرات بين 1960 و2000. كما ان العام 2017 شهد 17 وزيرة دفاع في العالم، من جنوب إفريقيا وسريلانكا الى هولندا ونيكاراغوا وكينيا والبانيا والنروج والمانيا وايطاليا والبوسنة والهرسك وسلوفينيا واستراليا واسبانيا وبنغلادش ومقدونيا وفرنسا واليابان .

واذا كانت اللبنانية زينة عكر عدرا اول وزيرة دفاع في العالم العربي، فإن الامر يبدو ظاهراً تكريساً للدور الانثوي في السياسة “الذكورية” اللبنانية التي طالما تجاهلت المرأة في اي دور سياسي منذ ما قبل عهد الاستقلال، اذ اقتصر تبوّؤها اي منصب سياسي، اكان في المجلس النيابي ام الاحزاب، الى عامل التوريث كونها “زوجة شهيد”، مثال النائبتين صولانج الجميل ونايلة معوض او “ابنة شهيد” مثال النائبة نايلة تويني او “شقيقة شهيد” مثال النائبة بهية الحريري.

اما تسليم سيدة حقيبة الدفاع فدلالة علنية ايضاً الى المساواة بين الرجل والمرأة في ما يرضي المجتمع المدني “الثائر” كما الجهات الاممية التي تسلّط الضوء على الاداء الرسمي حيال التحركات الشعبية. يضاف الى ذلك ان الوجه الانثوي اكثر قابلية للتقبل اجتماعياً خصوصاً انه لا يرتبط عادة، لا بالفساد ولا بالتسلط، ربما لأن مفهوم “الانثى – الام” متجذر في اللاوعي الاجتماعي بشكل دامغ. وعلى سبيل المثال فإن رئيس الوزراء الاثيوبي قال في خطاب إعلان حكومته أمام البرلمان العام 2018 إن المرأة ستساعد في محاربة الفساد لأنها أكثر كفاءة، و”أقل فساداً من الرجل”.

هذا من حيث الشكل، اما مضمون حقيبتي الدفاع ونيابة رئاسة الحكومة في مفهوم السياسة اللبنانية فمختلف تماماً، اذ ان نيابة رئاسة الحكومة ليست سوى منصب “شبه فخري” فيما حقيبة الدفاع، كما اي حقيبة وزارية اخرى تبقى رهن التفاهمات الحزبية التي شكلت الحكومة وتنعكس بالتالي على ادائها. والحكومة السابقة ليست سوى ابرز دليل على ذلك، بحيث ان كل ملف خلافي كان يوضع جانباً منعاً لإثارة شرخ في مجلس الوزراء، فيتم “التهديد” بالتصويت عليه متى احتدم الخلاف.

اما التعويل على دور حقيبة الدفاع في اي بحث مرتقب للإستراتيجية الدفاعية فأمر مستبعد جداً نظراً الى موقف رئيس الجمهورية الاخير من الاستراتيجية، اذ اكد في آب 2019 ان ” كل مقاييس الاستراتيجية الدفاعية التي يجب أن نضعها تغيّرت حالياً…. حتى مناطق النفوذ تتغير. وأنا اول من وضع مشروعاً للاستراتيجية الدفاعية. لكن ألا يزال صالحاً ‏الى اليوم؟ … لكن مع الاسف مختلف الافرقاء ‏كانوا يتناولون هذا الموضوع انطلاقاً من خلفية سياسية‎”… وذلك بعدما كان اكد في السابق ان الاستراتيجية الدفاعية ستبحث بعد الانتخابات النيابية في أيار 2018. ويأتي موقف وزير الدفاع السابق الياس بو صعب المحسوب على رئيس الجمهورية ليدعّم هذه المقولة اذ قال ان ” موضوع سلاح حزب الله يحتاج الى استراتيجية دفاعية تُبحث حين تزول الأخطار الإسرائيلية”.

يضاف الى ذلك، ان وزير الدفاع ليس له اي سلطة على الجيش اللبناني الموضوع بتصرف رئيس الجمهورية وفق قانون الدفاع الوطني، علماً ان صلاحياته تقضي وفق القانون بإعداد وسائل الدفاع المسلح لحماية اراضي لبنان والمحافظة على سلامته من كل تعد داخلي أو خارجي، كما إخضاع كل هيئات ومؤسسات ووحدات الدفاع الوطني لسلطته. وهو عضو في المجلس الأعلى للدفاع ويستطيع ان يدعو مجلسا عسكريا أعلى للإجتماع تحت رئاسته عندما يرى حاجة لذلك.

واذا كان هذا واقع وزارة الدفاع فإن الحال سيّان في الوزارات الاخرى، اكانت من مسؤولية رجل او امرأة، اذ ستبقى رهينة للسياسة الحزبية التي اتت بالوزير او الوزيرة.

قد تُظلم الوزيرات الست في تعيينهن الجديد من حيث الظروف السياسية التي رافقته والتي سترافقه مستقبلاً في ظل ضبابية خطة العمل المبهمة للحكومة والمحيط الاقليمي الضاغط كما شد الحبال الدولي على الارض، الا ان وصولهن الى مواقع صنع القرار “نقطة الوصول الى المساواة بين الجنسين” كما اكد برنامج التمكين الاقتصادي للنساء والفتيات في هيئة الامم المتحدة للمرأة.

وتكفي الاشارة الى ان 74 حكومة تعاقبت على لبنان، منذ العام 1943 حتى كانون الثاني 2016، ولم تضم سوى 7 وزيرات فقط، للدلالة الى اهمية ضم آخر حكومتين 10 وزيرات، اربع في الحكومة السابقة وست في الحاضرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات