Search
728 x 90

حكومة عتيدة … واهتراء بنيويّ!

حكومة عتيدة … واهتراء بنيويّ!

هل فوّت لبنان فرصة بناء دولته في محطتين اساسيّتين من تاريخه الحديث؟ وهل بات الانجاز تشكيل حكومة فيما الجميع متورّط في الاعتداء على روح الميثاق ومفهوم الصيغة؟

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللاجئين

كأن احترام المواعيد الدستورية إنجاز. كأن انتظام عمل المؤسسات الدستورية إنجاز. كأن التسوية على تقاسم مواقع النفوذ تسوية. كأن الإذعان لشروطٍ وشروطِ مضادة تسوية. بِئس زمنٍ جُوّفَت فيه معايير الحوكمة من حيّزٍ تأسيسيّ في صميم العمل في الشأن العام. كُلّنا تورَّط في الاعتداء على روح الميثاق، ومفهوم الصيغة. لا أحد بريء. هُم الذين اختاروا الحياد والتفرّج أكثر المتّهمين بإغتيال ما تبقّى من شكل الدولة.

على مدى أشهرٍ سبعة، ابتُدِعت معايير مشوّهة في تشكيل الحكومات. تأكّد أنّ صنّاع القرار يريدون تماهياً كاملاً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. لم نسمع من حماة الدستور والأمناء عليه نَبضاً متمايزاً في موجب العودة الى مبادئ هذا الدستور لإنقاذ الدولة. ساروا جميعهم معاً جنباً الى جنب في جنازة معيار البرنامج الإنقاذي. قِلّةُ من صنّاع القرار احتاروا في هل يسيرون، أم ينكفئون، أم يعارضون. مِنهم من سار سعياً لتغييرٍ من الداخل. منهم من اختار المعارضة من الخارج. ليست الاشكالية أن تكون في الداخل أو في الخارج، فهذا تفصيلُ في حِقبة انهيار المرجعية الأخلاقية في أداء الحُكم – هو سلطة عندنا وانتفاعية -، بل هي اشكالية رابضةٌ في كتلة المنكفئين الصّامتين الذين تطوّعوا بصمتهم في تكريس الأمر الواقع، كأنه يضيف على الإنجاز إنجازاً وعلى التسوية تسوية.

في أّي حال، المأزق الذي نحنُ فيه واضحٌ أنه ليس لبنانياً قصراً، فثمّة من التورّط الإقليمي والدَّولي الكثير مما يجب قوله. ليس خفيّاً أن لبنان بصُنّاع قراره مقبوضٌ عليه بالكامل وسيُنفِّذ ما يُملى عليه، وفي التوقيت المطلوب. الجميع انتظموا. وليس خفِيّاً أيضاً أنَّ أصدقاء لبنان الحقيقييّن، والذين يريدون للدولة فيه أن تقوم خضعوا إما لتجاهل تذاكي صنّاع القرار، أو اقتبال مندرجات موازين القِوى تحت شعار حماية الاستقرار. تناسى كل هؤلاء أن البون شاسعٌ بين هدوءٍ واستقرار.

لبنان الحقيقي مخطوفٌ من نزعتين تتحالفان موضوعيّاً. الأولى محليّة – إقليميّة مصمِّمة على إنهاء النأي بالنفس كتوافقٍ لبناني – لبناني بمِظلّة إقليميّة – دوليّة مفترضة. والثانية دوليّة تركُن الى ممالقة الأولى لغايات في أكثر من نَفسِ يعقوب. مُفاد أهم هذه الغايات: “دبّروا حالكم تعِبنا”. قد نكون اعتدنا أن نُخطَف ونتأقلم الى ما لا نهاية. جُلجُلتنا لم تبدأ مع ميلادٍ خلاصي. مستدامةُ هي حتى الثمالة اندثار ما صنعناه في 1943 وحاولنا تكريسه في 2005. التحرير والتحرُّر محطّتان لم نستطِع إنقاذ بناء الدولة فيهما ومن خلالهما.

أسَودَاوِيّةُ هي هذه المقاربة بتشاؤميّة لا إمكان لتجاوزها؟ واقعيّةٌ هي ويجب أن نقبلها كما هي. ومن يقول بموجب استمرار النضال والمراكمة على شذراتٍ ضوئية في مساحات العتمة، من واجبه هو بالأَولى أن يقدّم نموذجاً في صياغة سياساتٍ عامة لقضايا ساخنة، بدل الرضوخ لقناعة ممجوجة حين تشكيل الحكومة العتيدة، قوامها: “القضايا الخلافيّة نعالجها خارج الحكومة”. قد يكون هذا إنجازاً ايضاً لتستمر ابتسامات صنّاع القرار كأنها أملٌ في يأس.

لم أعد افهم لِمَ أكتب… لكن الكلمة تؤمِّن لي ولأمثالي وقفة عزٍ في زمن الإذعان – الإنجاز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات