Search
728 x 90

حراك، انتفاضة ام ثورة؟

حراك، انتفاضة ام ثورة؟

عندما التفت الملك الفرنسي لويس السادس عشر في ليلة الرابع عشر من تموز 1789 الى قائده العسكري الذي كان يخبره عن سقوط الباستيل وتمرّد القوات الملكية، صارخاً: “اهذا تمرّد؟”، ردّ الأخير: “كلا، يا صاحب الجلالة إنها ثورة”.
فما الذي يحصل في لبنان منذ 17 تشرين الاول الماضي؟ هل هو حراك شعبي ام انتفاضة ام ثورة؟ رئيس منظمة “جوستيسيا” الحقوقية والاستاذ في القانون الدولي المحامي الدكتور بول مرقص يحدد التوصيف لموقع www.beirutinsights.com.

“ثورة يا صاحب الجلالة”

منذ 17 تشرين الاول، وشوارع لبنان تملؤها التظاهرات الاحتجاجية التي انطلقت بداية احتجاجاً على ضريبة “الواتسآب” التي اعلن عنها وزير الاتصالات محمد شقير… وسريعاً ما توسعت شريحة المطالب لتتحول حياتية واجتماعية وسياسية، بحيث عمّت كل المناطق، من شمال لبنان الى جنوبه وبقاعه، قاطعة اوصال البلد لنحو شهر من دون ان تثمر الا في استقالة الحكومة.

واذ عمد اكثر من فريق سياسي في السلطة الى التقليل من اهمية الاحتجاجات وعدم اخذها على محمل الجد مع التأكيد على “تفهم المطالب والوجع”، وكأنها “فورة شبابية” سريعاً ما تنطفئ- والدليل ان ثمانية ايام مضت عليها قبل ان يتوجه رئيس الجمهورية الى المتظاهرين بكلمة – تُرجمت هذه المقاربة الرسمية عبر العبارات التي تم استعمالها. فالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عمد على تسمية التظاهرات “حراكاً” من باب تصنيفها بالحراك المحدود وغير المؤثر فيما رئيس الجمهورية قال في مقابلة متلفزة “اذا كان هناك 250 الفاً فهناك 4 ملايين ليسوا في جو المجتمع المدني”.

وفي تنكّر لتبعات هذه الاحتجاجات على السلطة واستمرارية نهجها، وُجّهت اصابع الاتهام الى سفارات واحزاب “ركبت موجة” التظاهرات لتحقيق مآرب سياسية ولثأر شخصي… فيما النهج بقي نفسه، اذ ان اسبوعين على استقالة الحكومة لم ينتجا بعد، لا موعداً للإستشارات، ولا بادرة حل للأزمة، لا بل بدا ان التأليف يسبق التكليف في سابقة دستورية لم يشهد لها التاريخ اللبناني مثيلاً.

فبين التمرّد والحراك الشعبي والانتفاضة والثورة خيط رفيع وتدرّج شعبي ضروري للإنتقال من مرحلة الى اخرى. واذا كان التمرّد او العصيان، كما يعرّف عنه القاموس، هو عملية تمرد مجموعة صغيرة من الناس على نظام قائم، فإن الثورة تتم بعدما يستقطب هذا التمرد سريعاً مجموعات شعبية اكبر الى ان يتم تنظيمه في قالب واحد سيشكل الثورة في مرحلة تالية.

اما الانتفاضة فهي مرحلة سابقة لنشوء المزاج الثوري وممر للوصول الى الثورة. ومن اشهرها في التاريخ المعاصر الانتفاضة الفلسطينية، والانتفاضة الشعبية الايرانية على حكم الشاه التي مهدت للثورة الاسلامية، ومن قبلهما، “انتفاضة البحارة” و”انتفاضة الجنود” في عهد القياصرة الروسيين حيث رأى المؤرخون انها مراحل ممهدة للثورة البولشفية.علماً ان الانتفاضة كما اي حركة احتجاجية شعبية محددة بفترة زمنية قصيرة قد تحوّلها اذا طالت الى عصيان مدني سلمي أو إلى نضال مسلح.

التعريف التقليدي للثورة الذي تم وضعه بعد اندلاع الثورة الفرنسية هو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وفي ما بعد، طوّر الماركسيون هذا التعريف ليحوّل النخب والطلائع المثقفة الى بروليتيريا ، اي قيادات العمال. اما التعريف المعاصر فيختصر بأنه التغيير الكامل لكل المؤسسات والسلطات الحكومية في النظام السابق لتحقيق طموحات التغيير نحو نظام سياسي نزيه وعادل، يوفّر الحقوق الكاملة والحرية والنهضة للمجتمع.

وقد حدد العلم بعد الحرب العالمية الاولى 4 شروط يجب توافرها لنشوء الثورة ، وهي:

– شرط سياسي في حماية السلطة لمصالحها الاقتصادية والاجتماعية

– شرط سوسيولوجي في مفهوم الصراع وعدم التوازن

– شرط سيكولوجي لمفهوم الإحباط والقمع والحرمان والقهر

– شرط فلسفي في السعي لامتلاك الحرية

وقد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989، أو عسكرية فتسمى انقلاباً مثل انقلابات أميركا اللاتينية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، أو مقاومة ضد الاستعمار مثل ثورة الجزائر (1954-1962)

الثورة تحمل توصيفات مختلفة وفق مصدر مطلقها، فإذا الفلسطينية منها سُميّت “مباركة” فإن ا”نتفاضة الجيّاع” في القاهرة سمّيت من قبل الرئيس الراحل انور السادات “انتفاضة الحراميّة”، كما اعتبر النظام العراقي السابق انتفاضة الجنوب الشيعي بعد حرب عاصفة الصحراء تمرداً وخيانة في حين وصفها القيّمون عليها بأنها “انتفاضة شعبانية مباركة”. (1)

من هنا، صفة “الحراك الشعبي” التي تصبو الى التقليل من خطورة الانتفاضة او الثورة ومن حجمهما الشعبي. والدليل اعتماد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله هذه التسمية لتظاهرات 17 تشرين الاول بعد يومين من اندلاعها. ثم قال في 25 تشرين الاول الماضي انها ” حراك شعبي عابر للطوائف والمناطق ويعبّر عن آلام الناس”.

فأي من هذه كلها يشهدها لبنان؟

الدكتور بول مرقص يؤكد ان ما يحدث اليوم هو حركات احتجاجية لأن الثورة، وإن كانت عفوية وغير منظمة بطبيعتها، فهي تحمل حدّاً ادنى من المعايير التنظيمية والتنسيق في ما بين اعضائها والتخطيط للمستقبل.

وهذه الحركات، يقول مرقص، لم تأخذ بمتطلبات علم التحرّك advocacy planning الذي يضع هدفاً تلو الآخر لتحقيقه، رغم انها حميدة بمنطلقها لأنها رمت الى مطالب حقوقية واصلاحية. الا انها لا تسلك مسالك التحرّك المطلبي حسبما يشترطه هذا العلم. فالتحركات الاحتجاجية هذه، لا تزال معالمها غير واضحة، كما اهدافها وتنظيمها وتخطيطها رغم ان مجموعاتها التي يتعدى عددها المئة قد بدأت بالتجمع تحت راية ما يسمى “هيئة تنسيق الثورة”.

مرقص، وإذ امل في ان تكون لهذه الهيئة الاهداف الواضحة والمهل للتنفيذ، تمنى لو تضع خططاً رديفة ومشاريع قوانين كي تكتمل جهوزيتها عندما يحين الوقت للتغيير.

فمكمن القوة لهذه الحركة الاحتجاجية بنظر مرقص، يستند الى امرين:

1- لا مركزية الاحتجاجات ، وهذه سابقة اذ ان الحركات الاحتجاجية السابقة (2005 و2015) كانت تقتصر على وسط بيروت.

2- شل حركة التنقل في البلاد. وهذا ما يجعل من السلطة السياسية آبهة للحركات الاحتجاجية خلافاً للمرات السابقة. الا ان ذلك – رغم مشروعيته قانوناً لفترة محددة- فهو لا يمكن ان يمتدّ من دون تحديد سقف زمني له حتى لا ينقلب الحق الى تعسف.

وفي الموازاة، يرسم المؤرخون مسار تفاعل اي سلطة مع الثورة عليها، وفق مخطط واضح يبدأ بتجريم الثورة ومن ثم تسخير آلياته العسكرية لضربها، واخيراً الى محاولة ارضائها وكسب عطفها عبر تبديل شكلي للسلطة او الحكومة بتعيين عناصر تسمى معتدلة للنخبة الثائرة. (2)

وقد برز ذلك ببعض اوجهه في تظاهرات 17 تشرين الاول عبر الاتهام من بعض جهات رسمية وغير رسمية بأن سفارات اجنبية وعربية تقف وراء تمويلها، كما ان اهدافها “غير بريئة” حتى لو كانت عناوينها صادقة مثل محاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين وارساء الدولة المدنية واسترداد المال العام المنهوب، علماً ان مرحلة “تسخير الآلية العسكرية لضربها لم تتم نظراً الى حرص القوى الامنية على عدم استعمال القوة مع المتظاهرين وعلى الوقوف على الحياد حيال ما يحصل باستثناء حرصها على فتح الطرق الرئيسية منعاً لانزلاق الوضع نحو الاسوأ. وقد تم الاستيعاض عن هذه المرحلة بمحاولة ترهيب المتظاهرين بـ”هجمات الموتوسيكلات” التي سريعاً ما تم التراجع عنها بفعل حزم القوى الامنية وخوفاً من تفلت الشارع الى ما لا يحمد عقباه.

اما مرحلة الارضاء وكسب عطف المتظاهرين، فلجأ اليها رئيس الجمهورية في اول خطاب له بعد 8 ايام على اندلاع الاحتجاجات متحصناً بعناوين “الثورة”، من محاربة الفساد والغاء الطائفية واستعادة الاموال المنهوبة وغيرها، الا ان النتيجة كانت عكسية، اذ ثارت ثائرة الشارع حتى بعدما قال:” “أننا شعب حي قادر على الانتفاض والتغيير وإيصال صوته، والحريات في لبنان ما زالت بألف خير… الساحات مفتوحة دائماً أمامكم إذا حصل أي تأخير أو مماطلة”.

وهنا ذهب رئيس الحكومة سعد الحريري الى ابعد من ذلك في 18 تشرين الاول ، معترفاً بالخطأ في كلمته التي استمهل فيها المتظاهرين 72 ساعة لاجتراح حل عصي على الدولة 3 سنوات . فقال:”الحديث عن وجود مخططات خارجية تستهدف الاستقرار في لبنان لا ينفي مشروعية وجع الناس وغضبهم”، معتبراً أن “اللبنانيين كانوا يتوقعون منا الجدية في العمل السياسي ولكن لم نقدم لهم إلا السجالات”.

اسقاط النظام؟

واذا كانت كل ثورة تندلع باللحظة المناسبة، اي بظرف يقلب الانتفاضة او الاحتجاجات الى ثورة، بعد تطور درامي ما قد يكون سقوط دم او اي حدث فوق العادة، فإن الخوف من الوصول الى هذه النقطة عبر افتعال اشكالات تؤدي الى اراقة دم الابرياء… وآخرها الضحية علاء ابو فخر في الشويفات الذي عًمّد “شهيد الثورة”.

فمنهم من يقول ان مسار الثورة الفرنسية كان ليتبدل لو لم يتسلق اثنان من المتظاهرين السور الخارجي للباستيل، ولو لم يفقد آمر الحرس أعصابه ويطلق النار عليهما. وما تظاهرات العراق المستمرة منذ اسابيع عدة سوى ابرز دليل على ذلك.

وفي الموازاة، يترافق سياق اي ثورة مع نظرية تقول بأن الثورة هي فقط تلك التي تؤدي الى تغيير النظام وليس الى “تجميله”. فالفيلسوف الإغريقي أرسطو ارسى شكلين من الثورات في سياقات سياسية:

1. التغيير الكامل من دستور لآخر

2. التعديل على دستور موجود

من هنا رفض بعض الباحثين نعت ما حدث في تونس ومصر ب”الثورة”، اذ ما زال النظام السياسي الجمهوري مستمراً.

يضاف الى ذلك، العامل الخارجي الذي غالباً ما يكون فاعلاً في اي ثورة او انتفاضة وفق مصالح الدول الكبرى، وهذا ما كان نفاه السيد نصر الله في اول خطاب له في 19 تشرين الاول، اي بعد يومين من التظاهرات، قائلاً: “أهمية حركتكم الشعبية خلال اليومين الماضيين أنها كانت عفوية وصادقة، لا يقف أي حزب وأي تنظيم حتى أي سفارة أجنبية وراءها، لأننا نذهب دائما إلى نظرية المؤامرات…” قبل ان يعود ويؤكد في 25 تشرين الاول “يوجد فئة أخرى يوجد فيها تجمعات وأشخاص قطعاً ترتبط بسفارات أجنبيّة وبأجهزة إستخبارات أجنبيّة”. وسأل :” المهم CIA وأجهزة المخابرات ماذا يفعلون”.

وهنا تجدر الاشارة الى ان ثورات اوروبا الشرقية العام 1989 لم تتم الا بعد انتهاء الاتحاد السوفياتي ودعم الدول الغربية لها للتخلص من الانظمة الاشتراكية فيها وضمان مصالحها في الانظمة الجديدة.

لكن هل من الممكن ان تؤدي هذه التحركات الاحتجاجية الى قلب النظام القائم حالياً، خصوصاً ان شعاراتها طالبت بإسقاط النظام وليس فقط بإصلاحه، انطلاقاً من المطالبة بـ “كلّن يعني كلّن”، اي بالإطاحة بكل الطبقة السياسية الحاكمة من دون استثناء، وبالقضاء على النظام الطائفي لاستبداله بنظام علماني؟

الدكتور بول مرقص يعتبر ان اي شيئ ممكن الوصول اليه اذا استمرت الاحتجاجات من دون افق ومن دون استجابة ملحوظة من السلطة.

اما خطر ان تحذو التظاهرات حذو بعض الثورات او الحركات الاحتجاجية التي ادت الى انقلاب عسكري كما حصل في بعض البلدان العربية، فيضعه مرقص في الحسبان معتبراً ان التوقعات مفتوحة على كل الاحتمالات، ولا يمكن التنبؤ بأي تطور مستقبلياً… اذ ان الوضع خطير… كما يؤكد.

(1) حلمي موسى- متخصص في الشؤون الفلسطينية

(2) محمد بوجنال – الحراك العربي ومفهوم الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات