Search
728 x 90

حان الوقت لصفحة جديدة في القارة العجوز

حان الوقت لصفحة جديدة في القارة العجوز

ما هو مصير الاتحاد الاوروبي في ظل استقالة العمود الفقري لوحدته المستشارة الالمانية انجيلا ميركل من رئاسة حزبها ومن المستشارية الالمانية؟ وهل ستصمد هذه الوحدة في ظل تنامي الاحزاب الاوروبية اليمينية المتطرفة التي تطالب بالإنفصال عن الاتحاد؟ فتكون ملايين موجات اللجوء الآتية من الشرق الاوسط وافريقيا، نجحت في زعزعة وحدة القارة العجوز.

عندما قالت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل “حان الوقت لفتح صفحة جديدة” اثر استقالتها من رئاسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي نهاية هذا العام ومن المستشارية الالمانية نهاية 2021 ، كانت تعرف تماماً ان هذه الصفحة لا تقتصر على سياسة المانيا الداخلية انما على الاتحاد الاوروبي برمته. فغياب “قائدة اوروبا الفعلية” عن الساحة الاوروبية سيخلط الاوراق كلياً بعدما سدد خروج بريطانيا من الاتحاد الضربة الاولى، وفي ظل محاولة الولايات المتحدة عزل القارة العجوز، وسوء علاقاتها “بالجملة وبالمفرّق” مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي لم يوفّر انتقاداته لها، ولا سيما بعد فرض الاتحاد خمسة مليارات دولار غرامة ضد الاحتكار على شركة “غوغل”. ووصل به الامر الى التهديد المباشر بحرب تجارية ضد الاتحاد الاوروبي ما لم يوافق هذا الاخير على تنازلات تجارية كبيرة، ناهيك عن وصف حلف شمال الاطلسي بأنه مؤسسة “عفاها الزمن”، متهماً دول الاتحاد بالتقصير في تحمل نفقاتها العسكرية.

فالمراقبون كانوا يرصدون توقّع تقديم ميركل استقالتها بعدما ادّت سياستها المنفتحة على استقبال اللاجئين من الشرق الاوسط وافريقيا بشكل غير محدود العام 2015، الى انتقادات حادة من ضمن حزبها ومن خارجه، ما انعكس ارتفاعاً في نسب مواطنيها الذين يريدون استقالتها.

وقد أظهرت أرقام الاحصاءات منذ العام 2016 ان 40 في المئة من الألمان يريدون استقالة المستشارة الالمانية جراء سياستها حيال اللاجئين في إشارة إلى ازدياد الاستياء من موقفها المرحب بالهاربين من الحروب والضائقة الاقتصادية في الشرق الأوسط وأفريقيا. كما اظهر استطلاع رأي أجراه معهد “Yougov” في حزيران 2018 أن أغلبية محدودة من الألمان ترغب في استقالتها. واتت الضربة القاضية من نتائج الانتخابات في مقاطعتي بافاريا وهيسن حيث خسر حزبها وسجل حزب “البديل لإلمانيا” اليميني المتطرف ارقاماً مرتفعة سمحت له بأن يكون له مقاعد في كل برلمانات المقاطعات الالمانية.

وميركل التي لم تكد تقوم من الانتكاسة الحكومية التي هددت ائتلافها اثر استقالة وزير داخليتها هورست سيهوفر وعودته عنها في تموز 2018 على خلفية سياستها المنفتحة حيال اللاجئين، وجدت نفسها ارضاً بالضربة الانتخابية القاضية الاخيرة.

وإذ سعت ميركل الى تقويض الانتقادات متوجهة الى الاتحاد الاوروبي للتوصل الى سياسة مشتركة وموحدة حيال اللاجئين، بدءاً بتفعيل الرقابة عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وصولا الى تفعيل التعاون لمنع تنقل طالبي اللجوء داخل الاتحاد بحرية تامة، وجدت نفسها مرة اخرى عاجزة في ظل تخبّط كل دولة من الاتحاد بمشاكلها الداخلية بفعل تصاعد تأثير الاحزاب اليمينية المتطرفة والمعارضة لوجود اللاجئين.

هل “البركسيت” عدوى؟ 

مع غياب انجيلا ميركل عن الساحة الحزبية الالمانية، ستكون البلاد بلا قيادة قوية فعلية، اذ ان ميركل ستبقى مستشارة من دون ان ترأس حزبها، الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي سيكون منشغلاً بإعادة انتخاب رئيس له، فيما الحزبان المسيحي الاجتماعي البافاري والاشتراكي الديمقراطي اللذان كانا يشكلان ائتلافاً حكومياً معه، سيواجهان سيناريوهين: إما انسحاب الحزب الاشتراكي الديمقراطي من الائتلاف الحكومي، فيضطر الحزبان الباقيان الى الاستمرار كأقلية حكومية تبحث عن حلفاء جدد في البرلمان، وإما الدعوة الى انتخابات مبكرة ستضع موقع الثلاثة على المحك نظراً الى الارقام المتدنية التي يسجلونها في استطلاعات الرأي، مما سيضطرها في أحسن الاحوال الى مفاوضات معقدة لتشكيل ائتلاف حكومي جديد.

وفي كلا الحالين، ستبقى المانيا لأشهر طويلة من دون قيادة قوية، وهذا سينعكس، وفق مراقبين اوروبيين، على السياسة الاوروبية العامة التي ستواجه حالاً من الجمود او الصعوبة في التوصل الى قرارات موحدة حيال تحديات داهمة مثل الوضع المالي الايطالي وتهديد بولندا بالإنسحاب من الاتحاد بسبب رفضها استقبال لاجئين وفرضها إصلاحات قضائية مثيرة للجدل اضافة الى تحريك منطقة اليورو.

ويخشى مراقبون كثر تكرار سيناريو الـ “بريكسيت” في اكثر من دولة اوروبية، اذ ان بريطانيا التي تضم اقدم برلمان في العالم تسبب بانفصالها عن الاتحاد “حزب استقلال بريطانيا” وحده، وذلك في ظل وصول احزاب يمينية متطرفة فعلياً الى الحكم كما في اليونان والمجر وبولندا كما ايطاليا التي فاز يمينها المتطرف في الانتخابات العامة في آذار 2018 فيما يسيطر اليمين المتطرف جزئياً في فنلندا والنروج والسويد.

وقد تمّ احصاء 17 حزباً يمينياً متطرفاً في ارجاء اوروبا (1): حزب الشعب في الدنمارك، حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، حزبا الفجر الذهبي وسيريزا في اليونان، حزب شين فين الجمهوري في ايرلند، :حزب الحرية في هولندا، حزب الحرية في النمسا، حزب بوديموس في أسبانيا، حزب ديمقراطي السويد في السويد، حزب الاستقلال في بريطانيا، حزبا القومي الديمقراطي والبديل لإلمانيا في ألمانيا، حزب رابطة الشمال في إيطاليا، حركة يوبيك وحزب فيدَس – الاتحاد المدني المجري في المجر، حزب أتاكا في بلغاريا، حزب القانون والعدالة في بولندا.

ولأول مرة في تاريخها، تجمعت هذه الاحزاب في براغ لتعقد مؤتمراً في 16 كانون الاول 2017 تحت شعار من «أجل أوروبا للأمم ذات السيادة»، وتحالفت تحت عنوان “اوروبا الامم والحريات”، وهي اتت من فرنسا وهولندا وايطاليا والنمسا وتشيكيا وبلجيكا وبولندا وبريطانيا والمانيا. وتلت المؤتمر اجتماعات اخرى حيث طالب المجتمعون بوضع نهاية للإتحاد الاوروبي في شكله الراهن، معتبرين انه يشكل تهديداً لوجود الدول الاوروبية، كما بوقف استقبال اللاجئين.

شعبوية اليمين المتطرف

لا شك في ان تنامي الخطاب الشعبوي لعب دوراً كبيراً في تصاعد اليمين المتطرف في كل البلدان من دون استثناء، خصوصاً بعدما نجح هذا الخطاب في ايصال دونالد ترامب الى سدة الرئاسة الاميركية. ولم تكن موجات اللجوء سوى الوقود الذي اشعل التطرف بفعل عوامل محلية واوروبية عدة.

فالتعاطف مع اليمين المتطرف ارتفع بنسبة 20% مع استفحال الازمة الاقتصادية الاوروبية العام 2008، وربطها في ما بعد بوصول عشرات آلاف مهاجري “الربيع العربي” العام 2011 الذين زاحموا “اولاد البلد الاصليين” على الوظائف والمساعدات المالية الرسمية والمؤسسات الخدماتية، ولا سيما في اوروبا الغربية حيث تدفقت اعداد كبيرة من مهاجري اوروبا الشرقية.

وأتت العمليات الارهابية في عواصم اوروبية عدة لتزيد الطين بلّة، ولا سيما في لندن وباريس وبروكسيل وبعض المدن الالمانية حيث القيت المسؤولية على المهاجرين من الشرق الاوسط، مما زاد ظاهرة “الاسلاموفوبيا”، ووضع اللاجئين في حال دائمة من الدفاع عن النفس.

وفي مقابل سعي الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الاوروبي الى مراجعة سياستها المالية وحيال المهاجرين داخلها بهدف توحيد رؤيتها المشتركة والتخفيف من النقمة الشعبية و”الاسلاموفوبيا” المتصاعدة، يطالب اليمين المتطرف بالخروج الجذري من الاتحاد الأوروبي، اذ انه يعتبر ان ملفي الهجرة والاتحاد الاوروبي مرتبطان ومتلازمان، بحيث ان حل الاول عبر منع وصول موجات النازحين (من ايطاليا مثلا) الى حدود الدول الداخلية يفترض الخروج من الاتحاد الأوروبي والتحلل من سياساته واتفاقياته.

وإذا كانت الاحزاب اليمينية الاوروبية المتطرفة بدأت تصفق لما تعتبره انتصارا لها بإعلان ميركل انسحابها، مثال وزير الداخلية الايطالية اليميني ماتيو سالفيني الذي قال ان نتائج مقاطعة هيسن الانتخابية ضربة تاريخية للأحزاب الحاكمة في الاتحاد الاوروبي، فإن الاتحاد يترقب بقلق اليوم الذي ستغيب فيه ميركل، هي التي قالت في حزيران 2018 “ان ملف الهجرة قد يحدد مصير الاتحاد”.

 1- صعود اليمين المتطرف الاسباب والتداعيات : دراسة تحليلية – المركز الديمقراطي العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات