Search
728 x 90

جونسون الترامبي … ولعنة اللاّ- أمم متّحدة!

جونسون الترامبي … ولعنة اللاّ- أمم متّحدة!

الترامبيّة نِتاج الناس.والجونسونيّة نِتاج الناس. كلُّ من هم عندنا، أو على امتداد العالم، مشابهون لترامب وجونسون هُم نتاج الناس. آلهة الناس هم وجلاّدوهم.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللّاجئين

بعد دونالد ترامب في الولايات الأميركيّة المتّحدة يُطِلّ بوريس جونسون في المملكة المتّحدة. بين زعيميّ دولتين صانعتين للسياسات العالميّة، أو مؤثّرتين فيهما أقلّه بالعُمق، بينهما انساق شبه متعدّدة في نهج اتخاذ المواقف، وتعميم القرارات بين قواعد مناصريهم وناخبيهم، المنضمّين لحظة انتخابهم، الى الخيارات التي يطرحون.

لا حاجة لتعدادِ أنساق الشبَّه التي زخرت بها الصّحافة العالميّة منذ أسابيع ثلاثة. لكن ما يجدر الإشارة اليه أنه بقدر من لعنات الشعبويّة وقدرتها على انتاج مساحاتٍ من التأزّم، بالقدر عينه كانت بعض الحِكمة الأنغلوساكسونيّة، بخُبثِها، بارعة في إنتاج تراجيديّات تاريخيّة، من مِثل فلسطين المحتلّة وشعبها الموجوع بمقيميه وشتاته.

ليس ما نرمي إليه استدعاءُ تبرئةٍ للاستبلشمنت الأميركي والبريطاني السابق بإزاء المنزلقات التي ذهب إليها ترامب، وقد يحذو حذوه جونسون. ما يعنينا التنكُّب لبحث أزمة القيادة العالميّة المفقودة، خصوصاً بعد تعطّل أو تعطيل مجلس الأمن الدَّولي، من خلال تقييده بمبدأ الفيتو القاتل، وبالاستناد الى شكليّة الجمعيّة العامة للأمم المتحدة، والحديث هنا عن لاإلزاميّة قراراتها. هذا التنكُّب شديد الحراجة، إذا ما قرأنا فيه انكفاء أوروبا عن خيار الديونتولوجيا التوازنيّة مع الولايات المتحدة وروسيا، لصالح مركنتيليّة متمادية تحاول تسويق مشروعيّتها ببراغماتيّة مهادنة. تعقيداتٌ جمّة في القيادة العالميّة الحاليّة تبلغ حدَّ توجّس التفاهة وتمظهر القباحة.

ما عاد من مرجعيّة أخلاقيّة في مربّع الشأن العام. ليس مُرجّحاً أن تؤدّي المرجعيّات الدينيّة بفاعليّة دور الثائر على تطيير الخير العام من هذا المربّع. ثمّة محاولات في هذا الاتجاه، لكّنها تستمرّ خجولة. ليس مطلوباً بالأساس أن تحُلّ المرجعيّات الدينيّة محلّ تِلك السياسيّة، لكن أن تقود بالحد الأدنى مسار استعادة التّلاقي مع الانتلجنسيا القرِفة مِمّا نحن فيه ليُقيما معاً توازن الحدّ الأدنى.

من هذه الدّعوة الى إنشاء توازن استهلّ يورغن هابرماس، ذاك الألماني العتيق المبدئي توصيفه للحال المزرية التي وصلنا إليها حين كتب في مؤلَّفِه الحداثة والسياسة: “الطاقات الطوباويّة استُهلكت. انسحبت متقهقرة من الفِكر التاريخي. ضاق أفق المستقبل. السياسة تغيّرت جذريّاً. حيِّز المستقبل تَشغَله السّلبيّات، وترتسِم في عصرنا مظاهر الرعب والفوبيا”. كان رؤيويّاً هابرماس منذ بداية الألفيّة الثانية. هو الآتي من مدرسة فرانكفورت اليساريّة السِّمات. اليساريّة عنده على كثيرٍ من الليبراليّة، لكن دون امتهان مبدئيّات العدالة الاجتماعيّة وأصول التنافس الديموقراطي، وأرجحيّة الموازنة بين النخبويّ والشعبيّ، بمعنى تلاقي القيادة والقاعدة على تحصين كرامة الإنسان وسلام المجتمعات والتّثاري المشترك فيما بين الخصوصيّات. أشعُر ببؤس هابرماس فيما نحن فيه مستنقِعون.

الترامبيّة نِتاج الناس.والجونسونيّة نِتاج الناس. كلُّ من هم عندنا، أو على امتداد العالم، مشابهون لترامب وجونسون هُم نتاج الناس. آلهة الناس هم وجلاّدوهم.

لا أدري إن كان في الصيرورة التاريخيّة من حِكمة بأن تستيقظ المكيافيلليّة بنسختها الغبيّة. رُبّما هو المأزِق – الفُرصة. من يصنع من هذا المأزِق فرصة عملانيّاً؟ الأمم المتحدة إن صمّمت، أو صمّم بعضٌ من فيها، على اغتيال لعنة الشللّ التي وضعها فيها شعبويّون. وَهمٌ هو هذا الافتراض. لكنّه افتراضٌ قائمٌ في هيكليّة ما زالت قائمة، ولا نحتاج لتأسيسها. نحتاج فكَّ أسرِها… متى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات