Search
728 x 90

جولة بومبيو: لا استراتيجية اميركية للمنطقة!

جولة بومبيو: لا استراتيجية اميركية للمنطقة!

جولتان اميركيتان في الشرق الاوسط ومواقف متشددة حيال ايران وسوريا تطرحان السؤال عن استراتيجية اميركية جديدة في المنطقة، علماً ان مسؤولين في الادارة الاميركية يعتبرون ان ترامب يعتمد السياسة نفسها التي اعتمدها سلفه باراك اوباما من الموضوع السوري مع الفارق هو سعي اوباما الذي كان يائساً او محبطا ً الى ابرام اتفاق مع ايران في ظل ضمانه في المقابل امن اسرائيل.

احدثت التغريدة التي اعلن فيها الرئيس الاميركي دونالد ترامب في 14 كانون الاول الماضي عن عزم بلاده على سحب القوات الاميركية من سوريا ارباكاً غير متوقع ليس فقط على مستوى منطقة الشرق الاوسط بل على مستوى المحافظين الجمهوريين في واشنطن بالذات الذين يرون مقاربة مختلفة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة لا تؤدي الى تنفيذ سياسة الانسحاب من المنطقة كما رسمها الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما.

فهؤلاء المحافظون لا يفهمون كيف ان الولايات المتحدة التي امتكلت اوراقاً مهمة تمكّنها من اللعب والتأثير في سوريا من خلال وجود عدد ليس كبيراً من الجنود بحيث لا يتعدى الالفين يمارس سيطرة على منابع النفط كما على مخزون القمح من دون عناء كبير تتخلى عن هذه الاوراق.

ومع ان هذه العناصر بدت غير مهمة للرئيس الاميركي في ظل اولويات مختلفة نحو الصين وسواها فإن الارباك الذي احدثه الموقف من سحب القوات الاميركية فرض العمل على لململته عبر جولة شاملة لوزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو كما في زيارة قام بها مستشار ترامب للامن القومي جون بولتون الى كل من اسرائيل وتركيا.

الجولتان الاميركيتان اسفرتا عن بضعة خلاصات هي اولا ما اعلنه بولتون من ان القوات الاميركية لن تنسحب من موقع التنف بما يعنيه ذلك من عدم اتاحة فتح معبر يوفّر لايران طريقاً سهلة من العراق فسوريا ومن ثم لبنان. وثانيا اعلان الوزير بومبيو عن استمرار النية الاميركية في مواجهة ايران وفي اجبارها على الانسحاب من سوريا حتى اخر جندي .

وفي هذا الموقف تبديد للمخاوف من ان الانسحاب الاميركي سيعني تقديم هدية لكل من روسيا وايران والنظام السوري لكن خصوصاً لايران بحيث يكون في “استطاعتها القيام بما تريد في سوريا” كما قال الرئيس الاميركي . اذ ان المسؤولين الاميركيين كانوا روّجوا على مدى اشهر من ان الوجود الاميركي العسكري في سوريا هو من اجل القضاء على ما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية المعروف ب” داعش” والعمل على منع ايران من تمدد نفوذها في سوريا وعبرها كما في المساعدة على ارغام النظام السوري على الذهاب الى الحل السياسي.

ولذلك برزت المخاوف من سقوط البند المتعلق بإيران من الاهداف الاميركية وكذلك الامر بالنسبة الى غض النظر الاميركي عن الاهتمام بإيجاد حل سياسي في سوريا فتركزت جولتا بولتون وبومبيو في المنطقة على اعادة تصويب الانطباعات في المنطقة . اما الامر الثالث فهو المؤتمر الذي يعقد في وارسو في 13 و14 الشهر المقبل بدعوة من الولايات المتحدة من اجل التركيز على السلام والامن في المنطقة وفق الموقع الالكتروني لوزارة الخارجية الاميركية في حين تحول المؤتمر سياسياً واعلامياً على انه لمواجهة النفوذ الايراني في المنطقة.

السؤال الذي يطرح في الواقع يتصل بما اذا كانت الولايات المتحدة تملك استراتيجية فعلية في ضوء التغريدات التي اعلنها الرئيس الاميركي اولا من النية في سحب القوات الاميركية من سوريا ومن ثم من اعتبار او تبرير ذلك بأن سوريا هي ارض “رمل وموت” كما قال على غير الاهتمام الذي عبر عنه في زيارة قصيرة قام بها للعراق في المدة الفاصلة بين عيدي الميلاد ورأس السنة.

فما بين الموقفين من سوريا والعراق لم يتوان ترامب عن الاعلان ان ايران يمكنها ان تفعل ما تريد في سوريا لكن سرعان ما تم لجم سيل هذه المواقف عبر جولتي بومبيو وبولتون في المنطقة. وبحسب مسؤولين في الادارة الاميركية فإن ترامب يعتمد السياسة نفسها التي اعتمدها سلفه باراك اوباما من الموضوع السوري مع الفارق هو سعي اوباما الذي كان يائساً او محبطا ًمن منطقة يعتبر انها كلفت الولايات المتحدة الكثير من الاموال الى ابرام اتفاق مع ايران في ظل ضمانه في المقابل امن اسرائيل على قاعدة ان هذا الاتفاق قد يخفف من الخطر على اسرائيل ويقلل من حتمية الالتزام الاميركي في المنطقة.

وعمد ترامب الذي اتخذ موقفاً مبكراً من الاتفاق النووي مع ايران ابان حملته الانتخابية الى نقض هذا الاتفاق وان يكن يسعى الى ابرام اتفاق بديل يراه اكثر شمولا توافقاً مع حلفاء اميركا في المنطقة اي اسرائيل والدول الخليجية.

هناك محافظون من ضمن الحزب الجمهوري نفسه ممن يتصدى لترامب في واشنطن على قاعدة مقاربة مختلفة لهم حول السياسة الخارجية الاميركية ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة او ما يعتبره البعض الدولة العميقة في واشنطن كما يسميها ترامب نفسه.

لكن المسؤولين في الادارة الاميركية انفسهم يخشون عدم وجود خطة واضحة من اجل التعامل مع المنطقة ودولها على رغم وجود عناوين عامة تلتقي فيها مع بعض دول المنطقة في حين انها تتخبط في الواقع في القيادة لانها ليست في هذا الموقع فعلا.

كما هناك من يخشى عدم ادراك تداعيات الانسحاب الاميركي من المنطقة وما اذا كان ذلك يمكن ان يتحقق فعلا وما هي اثمانه كترك سوريا مثلاً لكل من روسيا وايران علماً ان روسيا غدت تمتلك اوراقا عدة في المنطقة لا تقتصر على سوريا فحسب حيث كانت تمتلك قواعد عسكرية ولا تزال.

اذ حين تترك واشنطن سوريا بحيث يحتمل الى حد كبير استفادة خصومها وفي مقدمهم روسيا وايرن والنظام السوري او حين يبدو الانسحاب الاميركي بناء على طلب الحليف المشاغب تركيا تحت وطأة اغراء هذه الاخيرة بعدم الحصول على صواريخ اس 400 من روسيا مثلا ً فإن الامر لا يبدو مبنياً على استراتيجية محددة فيما ان تغريدات الرئيس الاميركي لا تترك المجال للاعتقاد بأن هناك واحدة.

فهناك رهانات قوية على اداء الرئيس ترامب كما على وطأة المشكلات الداخلية التي يواجهها اضافة الى عدم الرغبة الاميركية في الانخراط فعلا وعبر المزيد من القوات العسكرية في المنطقة بناء على تجربة العراق من جهة وافغانستان من جهة اخرى، علماً ان الاخيرة استهدفها الرئيس الاميركي بخفض عدد القوات الاميركية فيها ايضاً.

لكن المحصلة بناء على المد والجزر في المواقف الاميركية بقاء الامور على حالها في السنتين المتبقيتين من ولاية الرئيس الاميركي في غياب رؤية استراتيجية فعلية معروفة بالنسبة الى منطقة الشرق الاوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات