Search
728 x 90

جمال خاشقجي : العاصفة وذيولها

جمال خاشقجي : العاصفة وذيولها

كيف سيتأثر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بارتدادات جريمة قتل الصحافي المعارض جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول؟ وهل وجود الملك الى جانبه سيؤمن له غطاء قوياً؟

فاق رد الفعل الدولي على قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي كل ردود الفعل على قتل صحافيين ليس في منطقة الشرق الاوسط فحسب بل في العالم ايضا. يقول ديبلوماسيون ان رد الفعل كان بحجم جريمة القتل كون هذه الاخيرة وعلى غير ما حصل ولا يزال يحصل في قتل الصحافيين كانت واضحة المسؤولية اذ انها لم تقع على ارض سعودية فحسب بل في مقر القنصلية السعودية في تركيا بحيث يضيق هامش المسؤولية الى الصفر كون الدولة صاحبة هذه الارض مسؤولة عن مواطنيها كيفما كانت تتوزع المسؤولية المباشرة عن الجريمة. كما لا يقلل من هول الجريمة التسريبات التي تحدثت عن اسلوب القتل وهو اسلوب عنيف وان تم تصويب ذلك رسميا على المستوى السعودي الرسمي .

لم يسبق للعالم ربما ان اهتز بهذا الشكل في العقدين الماضيين الا حين قتل رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري انما بتفجير موكبه، ما قاد الى تبني مجلس الامن محكمة دولية من اجل الاقتصاص من قتلته لكن دونما سقف ان تطاول الادانة دولا او مسؤولين سياسيين كبار توجه اليهم اصابع الاتهام لكون جريمة بهذا الحجم كما وجهت بالنسبة الى مقتل خاشقجي اي انها لا يمكن ان تحصل من دون قرار سياسي كبير.

سبق اغتيال الرئيس الحريري في لبنان وتبعه مجموعة اغتيالات متلاحقة طاولت سياسيين وصحافيين بحيث طارت اجسادهم وتناثرت بفعل تفجيرات اجرامية لم تحرك الكثير لا اقليميا ولا دوليا على رغم الاشتباه القوي بالمسؤولية عن الجرائم التي صنّفت من ضمن ترهيب الخصوم السياسيين وتغيير وجهة النظام السياسي في البلد علما ان كل الجرائم التي ارتكبت لا يمكن حصرها من ضمن البعد الداخلي خصوصا انها ترافقت مع اضطرار سوريا الى سحب قواتها من لبنان بعد احتلال لثلاثة عقود.

تلفت المقاربة المختلفة التي اعتمدتها الدول الغربية عن تلك التي اعتمدتها الدول العربية . الغربية منها، وتحت وطأة اعلامها الذي جعل وعن حق مقتل خاشقجي قضيته، وهو الصحافي كاتب للمقالات في صحيفة الواشنطن بوست، ارغمها الرأي العام لديها على موقف من الجريمة تصاعد حتى وصل الى الحملة على حكام المملكة السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان . لكن هذه الدول وفي ضوء مصالحها الكبيرة مع المملكة حاذرت او مشت بين النقاط في سعيها الى طلب الحصول على اجوبة في مقتل الخاشقجي من دون المخاطرة بالمس بخطوط حمراء في ما خص علاقاتها مع المملكة. وهذا امر يفترض ان يكون واقعيا ما دامت هذه العواصم نفسها لم تتخذ موقفا حازما وقويا على نحو كاف من الاغتيال الرهيب للرئيس الحريري على رغم المؤشرات التي دلت على مسؤولية النظام السوري في هذه الجريمة.

الدول العربية لم تجار الدول الغربية مواقفها من المملكة في المطالبة بالكشف عن مصير خاشقجي بل ان عددا كبيرا من العواصم العربية اصدر بيانات مؤيدة للمملكة ان في ما اعتبره حملة تستهدفها، وهي غدت كذلك مع مواقف بابعاد سياسية ايضا ولا سيما انها باتت عنصرا من عناصر الحملات الانتخابية للكونغرس الاميركي ، وإن في التبريرات التي قدمتها المملكة لقتل خاشقجي. وينبغي الاقرار بأن اياً من الدول العربية لم تدن القتل ولا اسلوبه ويصعب ان تفعل غالبيتها ذلك انطلاقا من واقع عدم وجود مظلة فوق رأس الانظمة العربية في شكل خاص التي تحتفظ بسجلها من التصرف بوحشية وعنف مع المعارضين ولا سيما منهم الصحافيين. ونظرة واحدة الى ما حصل في القمع العنيف لما سمي انتفاضات او ثورات الربيع العربي وما رافقها من عمليات قتل وعنف قاسية تكفي للدلالة على موات حقيقي لدى الدول العربية انظمة وحكومات ويخشى ايضا لدى شرائح واسعة من المجتمعات العربية تبدو كأنها تدجنت او تطبعت او باتت لا تجد ان ممارسات التصفية والاغتيالات ظاهرة مدمرة لأي امل في تغيير جذري في هذا الشرق المجبول بالدماء . ويأتي مقتل خاشقجي وسط التفاعلات الاقليمية والعربية والدولية المختلطة اختلاطا هائلا ليعيد طرح الاشكالية الاكبر في الشرق الاوسط ولا سيما لدى منظومة ما كان يسمى العرب حول حقوق الانسان في المطلق والحريات التعبيرية والصحافية خصوصا.

حين تهدأ غدا العاصفة وتتضح معالم التوظيف السياسي او الصفقات السياسية والاقتصادية او تقاطعات المصالح التي اخترقها اغتيال صحافي بدا اغتيالا استثنائيا يخشى ان تغدو مأساة المقتلة الجارية في الشرق افدح واكثر اثارة للهجرة عن ارض تتصحر في القيم وحقوق الانسان اكثر من اي تصحر آخر .

قبل التطورات الاخيرة المتمثلة بأزمة خاشقجي كانت الامور تنحو وفق معلومات اكيدة لدى عواصم مؤثرة ان وضع ولي العهد محمد بن سلمان قد استقر وانه لن يواجه مشكلات كبيرة فيما لو قرر الملك سلمان بن عبد العزيز الاعتماد عليه بشكل اكبر وتركه يدير شؤون المملكة وعلاقاته على نحو اكثر وضوحا . الا ان ما حصل اخيرا قد يؤدي الى خلاصة تفيد بأن وجود الملك الى جانب ولي العهد يبقى افضل في هذه المرحلة كونه يؤمن له غطاء قوياً ويحميه من اي مؤمرات محتملة يمكن ان تتربص به. لكن كل ذلك يمكن ان يتغير علما انه في العمق يدرك الجميع ان ازمة الخاشقجي ستمر حتى لو كان هذه المرور صعبا وسيترك ذيولا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات