Search
728 x 90

تقريب المسافات بين الأكاديميين وصانعي السياسات في لبنان

تقريب المسافات بين الأكاديميين وصانعي السياسات في لبنان

ان اسـتعمال المعلومـات الخاطئـة أو المزيفـة لحشـد قاعـدة سياسـية معاديـة للأجانـب ليـس أمـراً تاريخيـاً، بـل هـو آفـة القـرن الواحـد والعشـرين التــي تســهم فــي تطويــر ديموقراطيات ليبراليــة فــي كل أنحــاء العالــم.

ريان الأمين*

لا يوجــد وقــت أفضــل مــن الوقــت الراهــن لإجــراء تقييــم نقــدي ّ حـول كيفيـة حصولنـا علـى الأخبـار والمعلومـات، خصوصـا بعدما أصبـح الإترنـت ووسـائل التواصـل الاجتماعـي بالنسـبة للكثيريـن ّالمصـدر الرئيسـي للأخبـار ومنهـم صنـاع القـرار.

عمليّـاً، إن الإنترنـت هــو وســيلة لا حــدود ولا ضوابــط لهــا للحصــول علــى المعلومــات نظــراً إلــى الكــم الكبيــر مــن الأخبــار المتداولــة عبــره. وفــي هــذا ّ السـياق، يمكـن بسـهولة تامـة اسـتعمال العديـد مـن المعلومـات ّ المشـوهة والمنحـازة، والتـي يشـار إليهـا أحيانـاً بــ ”الأخبـار المزيفـة« مــن قبــل السياســيين والمثقفيــن نظــراً لقــوة الأدوات الخاصــة بوســائل التواصــل الإجتماعــي، بمــا يــؤدي إلــى تضليــل المجتمــع بشــكل كبيــر.

تتطلـب الديمقراطيات مواطنيــن مطلعيــن وقادريــن علــى التفكيــر بطريقــة نقدية، ومجتمــع مدنــي منخــرط فــي عمليــة اقتـراح الحلـول والتأثيـر علـى صانعـي السياسـات، وجامعـات قـادرة علـى تطويـر المجتمـع. لكـن لألسـف، غالباً مـا يتـم التغاضـي عـن دور الأوســاط الأكاديمية، كســاهم أساســي بوضــع سياســات ديمقراطية ورشـيدة انطالقاً مـن وظيفتهـا التعليمية والبحثيـة وموقعهـا كمنبـر للنقـاش العـام.

لقـد كتـب الكثيـرون عـن الـدور ّ التعليمــي للجامعــات، لذلــك ســأركز فــي هــذا المقــال، علــى دور الأكاديمييـن كمصـدر موثـوق للمعلومـات ومؤثـر فـي السياسـات ّالعامــة. يُعتبــر تقريــب المســافات بيــن واضعــي السياســات والأوســاط الأكاديمية أمــرا غيــر ســهل علــى اطلاقاً، وخصوصاً فــي العالــم العربي حيـث مسـاحات التفاعـل محدودة، ونادراً مـا تكـون عمليـة صنــع السياســات منهجية. وفــي حــال تفاعــل صانعــو القــرار مــع الأكاديمييــن، يتضـّـح أنهــم لا يتحدثــون اللغــة نفســها. فمعظــم النـواب والـوزراء ليـس لديهـم الوقـت أو الاهتمـام الكافـي بالحلـول ّالمعقدة والطويلـة الأمـد لمشـاكلهم، فـي حيـن أن الأكاديمييـن ّيمكـن أن يسـهبوا فـي وضـع النظريـات وتقديـم الحلـول الطويلـة الأجـل فـي دراسـاتهم. إن حـل مشـكلة انعـدام التلاقـي بيـن هذيـن الطرفيـن لا يـؤدي إلى إزالـة كل العوائـق أمـام صياغـة سياسـات جيـدة فـي بلدان شـبيهة بلبنان، الا انه يسـهم فـي وضـع التصـورات لحلـول طويلـة الأمـد ّ للمشـكلات اليوميـة.

لكــن فــي المقابــل، يمكــن اســتخدام وســائل التواصــل ّ الاجتماعـي كأداة لمواجهـة “الأخبار المزيفـة” وحملات الكراهيـة، عبـر نشـر المعلومـات الموثوقـة ونتائـج الأبحـاث العلميـة بطريقة ّ مبسّطة واســتخدام لغــة النــاس والبيانــات الصوريــة لجعلهــا أكثــر جاذبيــة.

وقــد نجــح معهــد عصــام فــارس فــي اســتخدام وســائل التواصــل الاجتماعــي لنشــر الحقائــق حــول أزمــة اللاجئيــن ّ الســوريين والتصــدي للمعلومــات المغلوطــة وغيــر الدقيقــة ّ التــي يســتخدمها السياســيون والإعلام.

أخيــرا، فــي البلــدان المسيّســة بشــكل كبيــر مثــل لبنــان، لا يوجــد ســوى مســاحة عامة ضيّقــة للغايــة لإجــراء نقــاش صحــي غيـر حزبـي وغنـي حـول القضايـا الشـائكة راهنـا، سـواء فـي مـا يتعلّق باللاجئيــن أو البيئــة أو الحوكمــة.

وكذلــك مــن الصعــب ّ العثـور علـى مسـاحة مسـتقلة وغيـر حزبيـة لتبـادل الأفـكار، كمـا أن ّ هنــاك صعوبــة أكبــر فــي جمــع كل الأطــراف المعنية معــا. وعلــى الرغــم مــن أن بنــاء مؤسســات ذات صدقيــة ســواء علــى المسـتوى الأكاديمـي أو المدنـي، هـو أمـر بالغ الأهمية للمشـاركة فــي عمليــة صنــع السياســات. يقــول هنــري جيــرو، وهــو أحــد المفكريــن البارزيــن فــي القضايــا الاجتماعيــة فــي المؤسســات التعليميـة: “لا وجـود لديمقراطية مـن دون مواطنيـن مطلعيـن ومجـالات عامة وأجهـزة تعليميـة لدعـم وتعزيـز المعاييـر القائمـة علــى الحقيقــة والصــدق والأدلّة والوقائــع والعدالــة” ( 2) .هنــاك كثيـرون فـي هـذه المنطقـة لا يعيشـون فـي دول ديمقراطيـة، الا أنهـا مبـادئ يمكـن للمعلميـن والباحثيـن نشـرها والسـعي لتعزيزهــا.

فـي معهـد عصـام فـارس للسياسـات العامـة والشـؤون الدوليـة فــي الجامعــة الأميركيــة فــي بيــروت، ركزنــا علــى ســد هــذه الفجــوة مــن خــلال:

1 – توفيــر مســاحة للحــوار حــول السياســات ّ بيـن الأكاديمييـن والمجتمـع المدنـي وصنـاع السياسـات.

2 – دعـم الأبحـاث العاليـة الجـودة حـول السياسـات التـي يجريهـا الأسـاتذة ّ وتســهيل هــذه العمليــة. والأهــم مــن ذلــك،

3 – إنتــاج الأبحــاث ّ الأكاديميـة المتعلقــة بالسياســات وإتاحتهــا للنــاس وتقديــم توصيــات واضحــة حولهــا. لكـن علـى الرغـم مـن ذلـك، لا نـزال نغـرق بكـم مـن المعلومـات ٍ والأخبــار التــي تتناقــل بشــكل يومــي عبــر الإنترنــت ووســائل التواصـل الاجتماعـي، بمـا يخفف مـن تأثيـر الأكاديمييـن بسـهولة كبيـرة.

فـي الواقـع، يقـدر عـدد المواطنيـن العـرب الفاعليـن في وسـائل التواصـل الاجتماعـي بنحو 80%، الا ان 70% منهم يجـدون ان وسـائل التواصـل الاجتماعـي هـي مصـدر مهـم للأخبـار. (1)

عمليّاً، إن ّ الاســتخدام الشــائن للأخبــار المزيفــة أو الحقائــق المجتـزأة فـي الحمـلات السياسـية يتزايـد فـي جميـع أنحـاء العالم ومــن قبــل مختلــف الأطــراف السياســية. لكــن مــا يثيــر القلــقٍ بشــكل خــاص ، هــو اســتخدامها مــن قبــل الأحــزاب الشــعبوية التـي تحـوّل المهاجريـن واللاجئيـن إلـى كبـش فـداء وتحملهـم مســؤولية مشــاكل مجتمعاتهــم، بــدءا مــن الرئيــس الأميركــي دونالــد ترامــب وحملتــه المناهضــة للمهاجريــن علــى الحــدود المشــتركة مــع المكســيك، وصــولا إلــى حملــة حــزب ماتيــو سـلفيني المناهضـة للمهاجريـن فـي إيطاليـا. يؤدي اسـتعمال المعلومـات الخاطئـة أو المزيفـة لحشـد قاعـدة سياسـية معاديـة للأجانـب ليـس أمـراً تاريخيـاً، بـل هـو آفـة القـرن الواحـد والعشـرين التــي تســهم فــي تطويــر ديموقراطيات ليبراليــة فــي جميــع أنحــاء العالــم.

*ريــان الأميــن، مديــر مســاعد فــي معهــد عصــام فــارس للسياســات العامة والشــؤون الدوليــة فــي الجامعــة الأميركيــة فــي بيــروت.

 

1- Dennis Everette E, Justin D Martin, and Fouad Hassan

“Media use in the Middle East, 2018, A seven Nation Survey”

Northwestern University in Qatar 2018.

www.mideastmedia.org

2-  Giroux Henry 2018- “What is the role of higher education in the Age of Fake News?” – In Post – Truth , Fake News, Viral Modernity, Higher Education, 197- 215, https://doi.org/10.1007/978-981-10-8013-5_17

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات