Search
728 x 90

تطبيع التعتير

تطبيع التعتير

من خلال رؤية كل شيئ ينتهي بنا الأمر إلى تحمّل كل شيئ، 
من خلال تحمل كل شيئ، ينتهي بنا الأمر إلى التغاضي عن كل شيئ،
من خلال التغاضي عن كل شيئ، ينتهي بنا الأمر إلى قبول كل شيئ،
وبقبول كل شيئ، ينتهي بنا الأمر إلى الموافقة على كل شيئ.
مفهوم فلسفي من اواخر العام 390 بعد الميلاد يعود للفيلسوف القديس اغسطينوس… وهو اليوم يُختصر بعبارة وحيدة: التطبيع.

قد تحمل كلمة التطبيع معنى اجتماعياً مختلفاً وبعداً انسانياً من ضمن المجموعة ترادف تصرف الشخص وفق مجموعة من النظم والقوانين والتقاليد والعادات للوصول إلى حل متعارف عليه للمشاكل التي يواجهها. الا ان الكلمة في عالمنا العربي تأخذ ابعاداً سلبية، ووفق تفسيرها في القاموس، فهي ترادف الدعوة الى تطبيع العلاقات مع العدو، اي الى جعل العلاقات معه عادية. وبمعنى آخر انها تعني جعل اللا عادي عادياً، وتحويل الرفض الى قبول طوعي عن ادراك او غير ادراك.

والقبول الطوعي هذا يمارسه اللبناني يومياً في كل مفصل من مفاصل حياته.

قبول يشبه التكتيك الحربي الذي يقضي بتطويع الشعوب عبر تعميم العنف لجعله مبتذلاً و”عادياً”، وبالتالي مقبولاً من كل الفئات الشعبية. فمتى انتشرت يوماً بعد يوم، صور القتلى بالعشرات، واشلاء الجثث على الطرق، يعتاد النظر عليها مهما كانت المشاهد مقززة وقاسية، فلا تُعتبر هجينة بعد فترة. هذا ما حصل في الحرب العالمية الاولى عندما بات العنف جماعياً و”عادياً”، مما اتاح للسلطنة العثمانية بتنفيذ اول ابادة جماعية في القرن العشرين، وهي الابادة الارمنية في عامي 1915 و1916، من دون اي محاسبة او رادع.

فاللبناني اعتاد على كل شيئ، ان يرى الفاسد حراً في تصرفاته من دون رقيب، ان يراه يسترسل في فساده من دون رادع، ان يخرج من المحاكمة – اللهم اذا تمت محاكمة- “كالشعرة من العجينة”، ان يقرأ قوانين لمحاربة الفساد تبقى على ورق، ان يسمع محاضرات عن العفّة السياسية والطهارة في الممارسة فيما الفعل هو عهر سياسي يتخطى كل الحدود، ان يقرأ عن استمرار تنفيذ صفقات وعمولات تسقط معها حكومات (في غير بلدان) ولا يرف لها جفن في لبنان، ان يعاني من تقصير رسمي حيال ابسط حقوقه المدنية والاجتماعية والصحية، ان يرى المليارات تهدر وتسرق على مدى عقود ثم تُهرّب الى مصارف خارج البلاد فيما هو لا يجد طريقاً تحمل صفة الطريق المتعارف عليها دولياً، او جسراً او نفقاً او بنى تحتية، ان يقبل بالإحتيال على القانون لأن المفهوم معمم شعبياً ويحمل اسم “شطارة”.

والموضوع لا يتوقف على محيط اللبناني انما يطال حياته مباشرة. هو يتنفس يوماً بعد يوم رائحة النفايات المتراكمة امام منزله ومكتبه لأن سعة المكبات اكتملت. يقبل بأن تمتد هذه المكبات على الشواطئ التي سيسبح في مياهها صيفاً. يتقبل رؤية مياه الانهر تتحول سوداء من التلوث “لأن ما باليد حيلة”، وهو يأكل خضراً وفاكهة تم ريّها بمياه المجارير لأن “هذا هو الموجود” و”عين لا ترى، قلب لا يوجع”، فيسمح بأن يموت مريض على باب المستشفى… طالما ان هذا المريض ليس هو.

واللبناني اليوم بعدما تحمّل وتغاضى وقبل ووافق على كل شيئ من قبل، يكتشف ان هذا “الكل شيئ” لم ينته بعد. فهو “رضي” بأن يخفّض مستوى معيشته بالتخلي عن الانتقائية في شراء مواده الغذائية، وبأن يدفع فاتورتين للماء والكهرباء مفتقداً لأبسط حقوقه الانسانية. و”رضي” بأن يكون الدولار الاميركي بأربعة آلاف ليرة لبنانية شرط الا يصل الى الـ 10 آلاف كما يقولون. وتغاضى عن مبدأ قبض مدخراته الدولارية بالليرة “وفق تعرفة السوق” شرط ان يقبض الفتات منها، بعدما شكلت جنى عمره الذي جهد لحفظه بالعملة الصعبة خوفاً من ايام كالتي يعيشها اليوم. وهو سيقبل باقتطاع 20% من مدخراته شرط الا ترتفع النسبة الى 50 و60% بالمئة او الى مجموعها بالكامل. وهو وافق وسيوافق على تفلت اسعار المواد الغذائية ليدفع ثمنها بشكل مضاعف، مرتين وثلاثاً واربع.

انه التطبيع الجماعي لحال من التعتير يعيشها كل لحظة، والويل لواقع هذه الحال بعد انتهاء وباء كورونا، بعدما يذوب ثلج الجمود الحالي ليظهر مرج الكوارث الاجتماعية والاقتصادية التي ستؤدي الى نسبة فقر تفوق الـ 73% كما قال الباحث الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة لموقع beirutinsights في مقالة سابقة.

واذا كانت الحكومة  اليوم لا تتحمل مسؤولية الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي كونه نتيجة غياب سياسات اقتصادية سابقة واضحة… فإن الشعب حتماً لا يتحمل مسؤولية انتحاره ونحره مئة مرة يومياً. فهو تحمّل وتغاضى وقبل ووافق… وحتى سخر واستنبط النكات على وضعه المزري. وهو اليوم اشبه بالضفدع (1) الذي يسبح في وعاء فيه ماء موضوع على النار… يتحمل سخونة المياه تدريجياً الى ان تخار قواه ويفقد القدرة على القفز خارج الوعاء متى وصلت المياه الى درجة الغليان.

(1) “قصة الضفدع الذي لم يكن يعرف انه يُطهى” للكاتب والفيلسوف Olivier Clerc .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

1 التعليق

  • كميل الدبس
    أيار 16, 2020, 2:22 م

    نتمنى ان يكون الضفدع انثى لان الانثى لديها طاقة على التحمل اكثر من من الذكر و بذلك نمدد مهلة امكانية الخلاص.

    الرد

أحدث المقالات