Search
728 x 90

تشوّه اليمين وإفلاس اليسار الشعبوية في انتصارٍ تاريخي

تشوّه اليمين وإفلاس اليسار   الشعبوية في انتصارٍ تاريخي

من يتحمل مسؤولية تصاعد الشعبوية في مختلف انحاء العالم، ومن هي المرجعية الصالحة التي تستطيع استدراك الوضع والحؤول دون سياسة اليمين المشوهة التي تقضي بشد العصبيات القومية استناداً الى العنصر الديني وتنافر الاديان؟

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللاجئين 

امبراطورية فلاديمير بوتين الهادرة مؤشّر لانعدامِ وزنٍ عالمي. انتصار جايير بولسونارو اليميني في البرازيل نتيجة لمسار بدأ مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتبلور مع مستشار النمسا سيباستيان كيرتز، ليواكبه رئيس وزراء المجر فيكتور اوربان، والتصق به وزير داخلية ايطاليا ماثيو سالفيني، وقد صدِّع مواجهة هذا المسار موجة المانية عبّر عنها وزير الداخلية هورست زيهوفر، ليتوَّج هذا التصديع بإنكفاء الرئيس امانويل ماكرون السائر في فرنسا الى أمامٍ ما غير واضحٍ، وترسّخ مع انتفاضةٍ متشدّدة في الدانمارك والسويد، لم تَنجُ منها النروج ولو بخَفَر.

الاستعراض الجيوبوليتيكي الاسمي يقدم ولو بتسطيحٍ أوّلي انهياراتٍ، بدأت وستستمر، ليس ليسارٍ أعلن إفلاسه في إمكانية الدفاع عن حدٍّ أدنى من توازنٍ مع يمين متماسك فقط، بل لذاك اليمين الذي يؤكّد بممارسته المشوّهة منذ سنواتٍ خمس تحديداً، أن لا مكان للعمل السياسي الناجح سوى بعودة شدّ العصبيّات القومية، والتي فيها الدّين عنصرٌ مؤسِّس أول، وتنافر الاديان فيها عنصرٌ مؤسس ثانٍ. وشدّ العصبيّات القومية في عُرف هذا اليمين يؤدّي غرضه باستنفار الناس حول همومهم الآنية، وتحويل أنظارهم عن الاعطاب البنيوية للأنظمة السياسية، وللسياسات العامة الاقتصادية – الاجتماعية، بإتجاه أزماتِ الهجرة واللجوء والنزوح من ناحية، ناهيك بإعادة انتاج خطابٍ يحمل الكزينوفوبيا والتمترُس بهويّاتٍ حضاريّة نقية كأنها خشبة خلاص سلاميّ من ناحية أخرى.

من هنا يصبح الحديث عن أننا دخلنا في زمنٍ ليس من سماته الصدامية فقط في ما بين الدول والمجتمعات، بل في ما بين أعراق وطبقات هذه الدول والمجتمعات. وهذا يستدعي نقاشاً هادئاً في من سيتحمّل مسؤولية مسبّبات هذه الصداميّة من ناحية، ومن سيتصدّى لمعالجة نتائجها الكارثية من ناحيةٍ أخرى.

ثمّة حاجة ملِحّة لفهم أن الأساس المسبّب في الانتصار التاريخي لنَسقِ الشعبويين المصرّين على أنهم يستطيعون تقديم نموذج غير تقليدي في الشأن العام للخير العام، بمعنى ضرب منظومات شديدة التعفُّن المصلحيّ التراكميّ، هذا الأساس المسبّب قائمٌ في اندثار ديناميات إنتاج نُخبٍ في المنصّات السياسية، كما انتهاء مفاعيل تأثير النخب في السياسات العامة، الى الانكباب الاعلامي – الاعلاني المنهجي على الانخراط في سياقات الاستثارة الاستقطابية أكثر منه تكريس العقل النقدي كبُنيَةٍ فاعلة في صناعةٍ بنّاءة لخياراتِ الرأي العام.

ليست إشارتي للانكباب الاعلامي – الاعلاني المنهجي على الانخراط في سياقات الاستثارة الاستقطابية تهمة على الاطلاق، بل هي في صلبها دعوة إيجابية لإعادة التفكّر في أيّ صانعي قرارٍ نريد؟ ولأيّ مجتمع؟ ولأي سياسات عامة؟ ولأيّ علاقاتٍ دولية؟

وهنا يقتضى الانتقال من وعي الأساس المسبّب للانتصار التاريخي لِنَسَقِ الشعبويين، والذي هو كثيف التعقيدات، وتُشكّل فيه مساحة المصالح المالية الانتفاعية (وليس الاستثمارية)، يُقتضى الانتقال من هذا الوعي الى حيّز البحث عن معالجة النتائج الكارثية للصدامية التي يُفرِزها هذا الانتصار. وهذا يتطلّب اندفاعةً للنُخب في عالم العلوم الانسانية بكافة تمظهراتها، استهلالاً بالفلسفة التي هي أمّ العلوم، اندفاعةً للعودة الرصينة الى تحديد المفاهيم الأساسية الواجب أن تَحكُم خيارات القادة من جهة، واختيارات الجماهير من جهة أخرى. وبين الخيارات والاختيارات أي منظومة قِيَميّة تسود؟

المنظومة القِيَميّة المرجعية، والتي يقول بها عميقاً الفيلسوف الالماني يورغان هابرماس أنها القادرة على تصويب الرؤى والخيارات والمسارات في مجتمعاتٍ تعدّدية، بل وفي عالم يستهدف نبذ الاحاديّات، هذه المنظومة القِيَميّة المرجعية منوط برجالاتٍ جدّيين من اليمين واليسار أن يتلاقوا معاً ويقدّروا معاً مدى ضرورة اخراجها من كهوفٍ معتِمة يدّعي القابعون فيها أنهم يحملون للعالم مستقبلٍ افضل… فيما هم يزجّوننا في مقتلةٍ حضارية مُريبة.

وبقَدّر ما هي النُخَب مدعوّة للعودة الرصينة الى عالم العلوم الانسانية، بالقدر عينه لا بُدَّ من أن تتولّى المرجعيّات الدينية الخروج من التماهي مع السلطة السياسية الراهنة، والإشارة الى المرجعيّات المؤثّرة، عنيت الفاتيكان والأزهر والنجف والبطريركية الارثوذكسية المسكونية، ومعهم يمكن أن تؤدّي منظّمة المؤتمر الاسلامي، مجلس الكنائس العالمي، ومجلس كنائس الشرق الأوسط دورا جوهريا، هذه الاشارة قائمة في قناعةٍ بأن الاستقالة غير المبرَّرة لهذه المرجعيّات من بناءِ لوبيينغ دينيّ لتصويب اعوجاجات الانتفاضات الشعبوية المدمِّرة لمنظومة القِيَم الانسانية على كافة المستويات.

والاستقالة المُشار اليها هذه لا تعني أبداً أن ليس من حركيّة تقوم بها هذه المرجعيّات، بل هي تتمحور حول غيابٍ لديبلوماسية دينيّة منسَّقة لوقف الانزلاقات المدمّرة التي نُعايش… عسى يستلّ المعنيون زمام مبادرة انقاذيّة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات