Search
728 x 90

ترسيم الحدود… احتمالات ضبابية في زمن صعب

ترسيم الحدود… احتمالات ضبابية في زمن صعب

منذ ان سلّم رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون السفيرة الاميركية في لبنان اليزابيت ريتشارد رسالة الى حكومتها في 9 ايار الماضي تتضمن موقفا لبنانيا ” موحدا” من ترسيم الحدود مع اسرائيل، برز تساؤلان، اولهما يتعلق بالاسباب التي تدفع لبنان الى التفاوض مع اسرائيل ولو بوساطة اميركية حول الحدود فيما الامر كان ممنوعا ومرتبطا بالملف السوري حول الجولان سابقا، وثانيهما بمدى مرونة ” حزب الله” ووراءه ايران لهذا الاحتمال في ظل توقيت حرج بالنسبة اليهما على وقع العقوبات الاميركية الخانقة على كل منهما.
تنقل مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى ديفيد ساترفيلد ثلاث مرات خلال الشهر المنصرم بين لبنان واسرائيل ويستكمل مهامه بوصفه مساعدا لوزير الخارجية مايك بومبيو على رغم تعيين ديفيد شينكر في منصبه في وزارة الخارجية الاميركية في انتظار تثبيت تعيين ساترفيلد سفيرا للولايات المتحدة لدى تركيا في الكونغرس الاميركي.
هذان العاملان لم يلبثا ان فرضا نفسيهما بقوة في ضوء تراجع منسوب التفاؤل والايجابية الذي كان سرى في الجولتين الاولى والثانية لساترفيلد الى درجة الكلام في جولته الاخيرة عن مراوحة وعدم تقدم لا بل عرقلة اسرائيلية للمطالب اللبنانية .
وذلك فيما برز اقتناع ديبلوماسي انه، وان كان صعبا بناء الثقة بين طرفين عدوين كاسرائيل ولبنان في خلال اقل من شهر، فإن سرعة البت في هذا الموضوع قد تكون اثارت نقزة حول مدى الحاجة الى التفاوض وايضاً الى الانطباع الذي يمكن ان تتركه موافقة ” حزب الله” على جلوس لبنان الى طاولة التفاوض مع اسرائيل في ظروف صعبة بحيث قد يُفهم من الخطوة تنازلا كبيراً او بالاحرى ضعفاً من الحزب ومن ورائه ايران في الظروف الراهنة.
وقد لا يكون ذلك صحيحا كليا لكن لا يمكن اهمال الربط بين ما يجري في لبنان وما يجري من تطورات اتسمت بالخطورة في خلال الشهر الاخير تزامناً مع انطلاق موضوع ترسيم الحدود حين تعرضت ناقلات نفط للتخريب قرب الامارات العربية واستكملت بالاعتداء على ناقلات مواد بتروكيمائية في خليج عمان ايضاً، ما رفع مستوى التوتر في المنطقة.
فالخوف هنا، ان يعود لبنان ساحة مواجهة اقليمية عبر حدوده، اكانت بريّة ام بحرية في ما يبدو انه مهمة اميركية مستحيلة في الوقت الراهن، وفق ما رآه كل من سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة ورئيس اللجنة العسكرية اللبنانية للتحقق من الانسحاب الاسرائيلي العام 2000 العميد امين حطيط والباحث والمؤرخ الاكاديمي الدكتور عصام خليفة لموقع beirutinsights.

حدود بريّة بخطوط عدة 

قصة ترسيم الحدود البرية بين لبنان وفلسطين اولاً، ومن ثم بين لبنان واسرائيل مرت بثلاث حقبات مفصلية ابتداء من ما بعد اتفاق الانتداب الفرنسي- البريطاني سايكس بيكو وصولا الى العام 2000.

1- اتفاق ترسيم الحدود النهائي بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني في 7 آذار 1923 الذي عرف باتفاق بوليه – نيوكومب Paulet- Newcomb. وتضمّن 38 نقطة فصل مرقّمة بين لبنان وفلسطين، كما النقطة 39 على الحدود المشتركة اللبنانية ــ السورية ـ الفلسطينية. وأودع الاتفاق في عصبة الأمم وصُدّق عليه كوثيقة دوليّة في 6 شباط 1924.

2- اتفاق الهدنة اللبنانية ــ الإسرائيلية في23 آذار 1949، الذي صادق عليه مجلس الأمن. وتم بموجب مادته الخامسة تشكيل لجنة عسكرية لبنانية ــ إسرائيلية بإشراف الأمم المتّحدة، اتفقت على ترسيم الحدود، بحيث تضمن إعادة وضع إشارات ونقاط الحدود على أساس اتفاق بولييه – نيو كمب ، وكذلك وضع إشارات أو نقاط متوسّطة بين النقاط الـ 38 الأساسيّة، بلغ عددها 104 نقاط ثانوية وفق ما اكد الباحث والمؤرخ الاكاديمي الدكتور عصام خليفة لموقع beirutinsights، لافتاً الى اهمية اعادة التصديق على هذا الاتفاق العام 1961 من قبل اسرائيل التي “تحفظت على دقة الخرائط لترسيم الحدود”، ثم عادت والغت اتفاق الهدنة من طرف واحد في 29 حزيران 1967.

3- «الخطّ الأزرق» بعد الانسحاب الاسرائيلي في 25 أيار 2000، الذي رُسِّم على أساس صورة جويّة سميّت بـ “خريطة لارسن” في اشارة الى المنسق الخاص للأمم المتّحدة لعملية السلام تيري رود لارسن. وتم التحفظ على ثلاث نقاط في رميش ومسكفعام والمطلّة. ولدى تسلم لبنان لائحة إحداثيات من اليونيفيل مؤلّفة من 198 نقطة، تحفّظ على مزارع شبعا والجزء اللبناني من بلدة الغجر. وقد قدّر خبراء جيولوجيون المساحة التي يسلبها الخط الأزرق من لبنان بنحو 485039 متراً مربّعاً.

علماً ان لائحة مؤلفة من 584 نقطة تم وضعها بعد عدوان تموز 2006، تحفظ فيها لبنان على 13 منطقة تتضمن 178 نقطة.

المزارع خارج الترسيم

على الحدود البرية ايضاً، تقع مزارع شبعا ذات البعد السياسي والامني والجغرافي الذي يستبعدها حتماً في عملية المفاوضات الجارية نظراً الى التشعبات المعقدة التي تتضمنها، بدءاً بالرفض السوري الرسمي للإعتراف خطياً بلبنانيتها، وصولاً الى ارتباطها بالبتّ بملف الاستراتيجية الدفاعية وسلاح حزب الله الذي يجاهر بشرعيته لتحرير الاراضي اللبنانية المحتلة – ومن بينها مزارع شبعا التي احتلها اسرائيل على مراحل (منذ 15 حزيران 1967، وصولا الى 80% بحلول صيف 1972 وبناء 3 مستعمرات فيها العام 1985 قبل ان تستكمل الاحتلال العام 1989 مخيّرة ما تبقى من سكانها ببيع ممتلكاتهم والمغادرة او المغادرة من دون تعويضات. وضمّت بعدها بقليل آخر قريتين من المزارع الى الاراضي المحتلة).

اضف الى ذلك ان معلومات دبلوماسية مطلعة على تفاصيل المفاوضات الجارية، أسرّت بأن اسرائيل تصرّ على إبقاء مزارع شبعا خارج إطار الترسيم بعدما ربطتها بالقرار 1701، وليس كما يطلب لبنان بالقرار 425 القاضي بانسحابها من كل الأراض اللبنانية من دون قيد أو شرط، ناهيك عن اعلان الجيش الاسرائيلي في 7 حزيران 2019، مناطق المزارع  وصولا إلى جبل الشيخ عند الحدود اللبنانية السورية، مناطق عسكرية مغلقة رافعا فيها درجة جهوزيته والاستنفار، وذلك بعدما كان اعلن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في 31 ايار 2019 ان الجبهات كلها ستشتعل اذا تعرضت ايران لاعتداء، وأن النأي بالنفس لا يلزمه.

هوف في البحر

شتّان بين ترسيم الحدود البرية والبحرية، يؤكد رئيس اللجنة العسكرية اللبنانية للتحقق من الانسحاب الاسرائيلي العام 2000 العميد امين حطيط لموقع beirutinsights مشدداً على وجوب عدم الوقوع في الفخ الاسرائيلي عبر استعمال مصطلح ترسيم القاضي بإيجاد حدود جديدة بينما المصطلح الصحيح هو:

– في البر ، العمل وفق الحدود القائمة وازالة الاعتداء الاسرائيلي عنها.

– في البحر، ترسيم حدود لأن ما من حدود بحرية موجودة مسبقاً.

فاسرائيل تصر على تلازم المسارين، وفق حطيط، اذ انها ستحصل على ترسيمين جديدن، براً وبحراً خصوصاً انها لم توقع على قانون البحار الوارد في اتفاقية اوتاوا ، وبالتالي ليست مرتبطة بأي مرجعية قانونية في هذا الشأن. من هنا رفضها اشراف الامم المتحدة على الترسيم، مما سيقيّدها بالقوانين الدولية.

اما ترسيم الحدود البحرية فيرفض لبنان ان يتم وفق ما يعرف بـ “خط هوف”، اذ انه سيفترض تخليه عن مساحة 360 كيلومتراً مربعاً من المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة في البلوكات الجنوبية.

وتأتي هذه التسمية نسبة الى الدبلوماسي الاميركي فريديريك هوف الذي ترأس الوفد الاميركي للوساطة بين لبنان واسرائيل بعد خلافهما على ترسيم حدودهما البحرية العام 2010. فقد بيّنت يومها ان احداثيات النقاط البحرية في المنطقتين الاقتصاديتين اللبنانية والاسرائيلية “تتداخل ” على حدودهما بمساحة نحو 860 كلم. وقد طلب لبنان وساطة اممية فرفضت تل ابيب واشترطت الوساطة الاميركية التي ترأسها هوف مقترحاً “خطاً وسطياً” العام 2012 قضم من لبنان 360 كيلومتراً مربعاً.

ويلفت العميد امين حطيط الى اهمية المنطقة المتصلة بنقطة رأس الناقورة ( وتعرف بـ B1-BP1،) نظراً الى تأثيرها على ترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، كما ان من يسيطر عليها يشرف نظراً على مساحة كبيرة من البحر والبرّ، بدءاً من شاطئ مستوطنة “روش هانيكرا” الملاصق لرأس الناقورة وصولاً إلى رأس مدينة حيفا.

وساطة في حمأة الحملة الانتخابية

اذا كان السفير ساترفيلد غادر لبنان خالي اليدين بعدما كانت اجواء ايجابية رافقت لقاءاته السابقة، ولا سيما بعد الاجواء التي اشاعها الاعلام الاسرائيلي، فإن المهمة ستكون معقدة امام خلفه في المهمة السفير ديفيد شينكر.

فالدور الاميركي سيكون حتماً منحازاً، مهما كانت الشخصية التي تتولى المهمة، خصوصاً انه يأتي على ابواب الانتخابات الاميركية والحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب ، وفق ما يؤكد سفير لبنان السابق في واشنطن د. رياض طبارة لـ beirutinsights، لافتاً الى ان المرجح ان تسعى واشنطن الى انتزاع التنازلات من لبنان من اجل كسب ودّ اللوبي اليهودي في الانتخابات.

طبارة يضيف: لو سلّمنا جدلا ان المفاوضات ستنتهي بعد ستة اشهر كما يطالب لبنان، فإنها ستكون في منتصف الحملة الانتخابية الاميركية. ومن يطلب من واشنطن اي شأن يخص اسرائيل وسط الحملة؟

وفي الموازاة، يؤكد الدكتور عصام خليفة لـ beirutinsights وجوب تثبيت الحدود بدلاً من العودة الى النقطة صفر بهذا الشأن، خصوصاً ان ترسيم الحدود في اتفاق الهدنة عاد وتم تثبيته العام 1961.

خليفة يحذّر من مغبة الترسيم في ظل المطامع الاسرائيلية العلنية بأرض لبنان ومياهه، ناهيك عن نفطه وغازه ايضاً.

اما استلام ديفيد شينكر ملف الترسيم بدلاً من ساترفيلد، فيؤكد العميد حطيط انه سيكون كارثياً على لبنان. فأنا – يقول حطيط – تعرّفت الى السفيرين شخصياً خلال مفاوضات لجنة مراقبة انسحاب اسرائيل العام 2000، وبقدر ما يبدو ساترفيلد دبلوماسياً ولبقاً في التعامل، بقدر ما يكون شينكر متصلباً وقاسياً في تفاوضه بحيث لا يتراجع قيد انملة عن قناعاته.

واضاف حطيط ممازحاً: إذا اعطى ساترفيلد لبنان 5% من مطالبه، فكوني اكيدة ان شينكر سيستردّها كاملة.

بعد اقتصادي

البعد الاقتصادي للحماسة الاميركية لترسيم الحدود يتكشف في عبارة وحيدة نقلتها وزيرة الطاقة ندى البتساني عن السفير ديفيد ساترفيلد بعد لقائهما في 12 حزيران، اذ افادت بأن “ساترفيلد ابلغها أن الإدارة الأميركية تشجع الشركات على الاستثمار في قطاع النفط في لبنان”.

السفير طبارة وانطلاقاً من خبرته في اروقة الدبلوماسية الاميركية، يؤكد من جهته ان عوامل عدة تلعب دوراً في الاهتمام الاميركي، ابرزها كميات النفط والغاز الكبيرة الموجودة في المنطقة البحرية، ناهيك عن مشروع مدّ خطوط الانابيب مباشرة الى اوروبا التي لن تعود تعتمد كلياً على الغاز الروسي حينها.

وفي الاطار نفسه، يقول د. خليفة من جهته، ان الحوض المتوسط الشرقي، ولا سيما المنطقة الاقتصادية اللبنانية غنية بنحو 50 بئر غاز تفوق قيمتها الـ 300 مليار دولار، انحصر التنقيب فيها بثلاث شركات فرنسية وروسية وايطالية، مما يشكل مركز جذب للشركات الاميركية لتصل الى اوروبا من خلالها.

اما العميد حطيط فيؤكد ان الاستغناء عن وساطة الامم المتحدة في ظل البيئة العامة التي يشهدها لبنان حيال مفاوضات ترسيم الحدود، تشبه الى حد كبير البيئة التي سبقت التوصل الى اتفاق 17 ايار مع اسرائيل العام 1983.

اما النتيجة، فإن لبنان في وضع حرج جداَ، إذا كانت اسرائيل لا تزال تتذكر قول رئيسة وزرائها غولدا مائير العام 1972: “نريد تغييراً في حدودنا, في كلّ حدودنا, من أجل بلادنا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات