Search
728 x 90

تأملات في انتفاضة تشرين اللّبنانية

تأملات في انتفاضة تشرين اللّبنانية

خمسة هياكل حطمتها الى غير رجعة ثورة 17 تشرين 2019 في لبنان. اما شروط نجاحها فحمايتها من الإنهاك والحفاظ على سيرورتها وتطوّرها.

ناصر ياسين *

الكتابة أثناء الثورات والانتفاضات الشعبيّة ليست بالعمل اليسير، ذلك أن ديناميّة الشارع وسياسته المُنبثقة من حراك الجموع انسيابيّة يصعب على المراقب أو الباحث أن يُأطِّرها، كما أنّ مطالبه سائلة في تطوّر مُستمر. ولعلَّ ذلك من أهمِّ عناصر قوّة انتفاضة تشرين الأول ٢٠١٩ وقدرتها على جذب مروحة هائلة من الأشخاص والمجموعات متعدّدة الأهداف والهويّات، يجمعهم غضب محقّ من منظومة حاكمة فاشلة وشعور بتلاشي كرامتهم. لكنّ دراسة وتحليل اللّحظات الجميلة من انتفاضة الناس هو بغرض التفكير والتأمّل بأن هناك يوم آخر سيأتي حتمًا بأحلامه وخيباته، حيث البدايات القادمة تستوجب الانطلاق من مكتسبات الانتفاضة الحاليّة.

هناك خمسة هياكل تمَّ تحطيمها في انتفاضة ٢٠١٩ لطالما شكَّلت أسسًا لسرديّة التوهن اللّبناني (malaise) الذي يصعب مداواته.

الهيكل الأوّل: تغليب الانتماء الطائفي على الانتماء الوطني حيث أن الصراع اللّبناني طائفي وهو ما يؤدّي إلى توهّن المُجتمع وضعف دولته.

هذا ما كسره الحراك الحالي حيث ظهر جليًا أن قضايا الناس لا ترتبط بالضرورة بسياسة الهويّات الطائفيّة التي حبكها وأجاد لعبتها سياسيّو لبنان منذ زمن ما قبل وبعد الطائف خاصةً بعد اتفاق الدوحة في الـ ٢٠٠٨. وأتَت الانتفاضة لتثبت أنّ هويّة الفرد لا ترتكز فقط الى هويّة جماعته الطائفيّة أو تطغى عليها واستطراداً ظهور ملحوظ لهويّات جماعيّة غير طائفيّة كالمناطقيّة أو السياسيّة أو الجندريّة أو الوظيفيّة.

الهيكل الثاني: التدخّلات الخارجيّة وصراع القوى الإقليميّة والدوليّة بالواسطة على الجغرافيا اللّبنانية هي المسبّب الدائم للتأزّم اللّبناني.

فظهرَ بشكلٍ واضح أن انتفاضة تشرين الأول تنبع من “الداخل” وتصبّ به كاسرة نظريّة الربط الدائم بين ديناميّات السياسة اللّبنانية والتأزّم الإقليمي. وباءت محاولات تشويه الحراك بوصفه مموّلًا من الخارج بفشلٍ ذريعٍ فلم تعد تلك النغمة، التي استخدمت ضدّ حراك ٢٠١٥، تجد مستمعين لها خارج أقليّة صغيرة عادةً ما تؤمّن وتبشّر بنظريّات المؤامرة.

الهيكل الثالث: استثناء “حزب الله” من الطبقة الحاكِمة وأنّ اهتمامه الأوّل بالمقاومة جعله متعفّفاً عن المشاركة بالحكم وعن عدم قدرته على محاربة الفساد.

لعلّ من أهمّ ما حقّقه الحراك الحالي هو شمل جميع فرقاء الحكم بمن فيهم “حزب الله” بوصفهم منظومة واحدة فشلت بإدارة شؤون الناس. وهذا ليس أمراً مبالغاً فيه أو موقفاً شعبوياً فـ”حزب الله” جزء أساسي من منظومة الحكم منذ عقود وخاصةً منذ الـ ٢٠٠٨ وهو حامي العهد الحالي وناظم له. كما هو الحاكم الأوّل للسلطات المحليّة في أكثريّة مدن وبلدات نفوذه. من هنا يضرب شعار “كلن يعني كلن” في مقتل لأصحاب نظريّة استثناء بعض من هم في الحكم، خاصةً الأقوياء. فأتى الرد على التظاهرات في مناطق سيطرة “حزب الله” المدويّة وغير المتوقّعة، أعنف من غيره في باقي المناطق.

الهيكل الرابع: مركزيّة بيروت بوصفها “المتروبول” اللّبناني تجعلها الفضاء الأساسي والأوّل لأي حراك سياسي.

هزّت الانتفاضة هذه النظريّة حيث ظهر حراك المناطق موازياً لأهمية، وإن لم نقل أهم، ممّا يجري في ساحات العاصمة. فأتت انتفاضات طرابلس والنبطيّة وصور وبعقلين وبعلبك وجل الديب والذوق وغيرها من المناطق لتؤكّد الاستياء الوطني من فرقاء الحكم جميعاً؛ ولتشير، ولعلّ هذا هو الأهم، أن “الأطراف” ليست غائبة عن السياسة وإن سها عنها وعن شجونها نُخب العاصمة.

الهيكل الخامس: ضُعف المجتمع وعدم قدرته على إنتاج قيادات جديدة خارج المنظومة الزبائنيّة الطائفيّة.

هزّت الانتفاضة هذه النظريّة وانتجت العشرات من القيادات الجديدة خاصّةً من النساء اللواتي غالباً ما يقمعهن النظام الطائفي-الزبائني المتماهي دائماً مع النظام الأبوي. إن صعود رائدات في العمل السياسي لم يعد حكراً على ناشطات العمل النسوي التقليدي فقط بل لعبت نساء الانتفاضة دور المحرّك والقائد وكنّ رائدات في الصف الأوّل في كل المناطق، والأهمّ بشكلٍ غير مُصطنع.

إلى أين؟

إن شروط نجاح انتفاضة ٢٠١٩ هو حمايتها من الإنهاك، وهذا ليس بالأمر السهل. لكن الأهمّ هو سيرورتها وتطوّرها. إن البناء على النقاط الخمس يؤسّس لعملٍ سياسيٍّ وطنيٍّ غير طائفي، يُبنى على غناء تعدديته، ينطلق من المناطق الطرفيّة وحاجاتها ومن فهم لديناميّاتها ليكون بديلاً للمنظومة الطائفيّة-الزبائنيّة الفاسدة والمُفسدة. هذه المنظومة العميقة التي استطاعت أن تُعيد إنتاج نفسها على مرِّ العقود لن تتخلى بسهولة ومن دون معارك طويلة وعنيفة عن مكتسباتها ومواقعها في السلطة والاقتصاد.

تؤسّس الانتفاضة الحاليّة لسرديّة بديلة جميلة تعطي أملًا كان قد خبا عند اللّبنانيين. التحدّي هو الثبات والاستمراريّة والبناء على ما تأسّس.

*ناصر ياسين، مدير معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية بالوكالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات