Search
728 x 90

تآكل الحرّيات المدنيّة في لبنان في سياق الانهيار الاقتصادي وجائحة الكورونا

تآكل الحرّيات المدنيّة في لبنان في سياق الانهيار الاقتصادي وجائحة الكورونا

في أوائل ستينيات القرن الماضي، صرّح ريمون إدّه، مع بعض المُبالغة، بأنّ لبنان أصبح دولة بوليسيّة. آنذاك كانت المُخابرات العسكريّة اللّبنانية (المكتب الثاني) المقرّبة من الرئيس فؤاد شهاب تلعب دورًا ناشطًا في السياسة، حيث كانت تمارس ضغوطات على وسائل الإعلام والنخب السياسيّة في البلاد، غالبًا عبر وسائل غير قانونيّة، بهدف تعزيز أجندة الشهابية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكبت الأصوات المعارضة. وبالرغم من انتهاء هذه الحقبة، إلّا أنّ اللبنانيين ما زالوا يُعانون من قمع الحريّات المدنية، خاصّة الحق في حريّة التجمّع وحرية التعبير. تزايدت نسبة القمع في الآونة الأخيرة، وتصاعدت اخيراً بالتزامن مع تفاقم الأزمة الاقتصاديّة وظهور جائحة الكورونا في لبنان. فإنّ السلطة السياسيّة وحلفاءها قي القطاع الخاصّ يستخدمون القضاء والأجهزة الأمنيّة لإسكات الأصوات المُعارضة، سواء عبر الإنترنت أو خارجه، ولقد استفادوا من الانهيار الاقتصادي والمالي، إلى جانب جائحة الكورونا، لكمّ الأفواه.

كريم مرهج *

حان الوقت لنتجاوز السرديّات الساذجة التي تصوّر لبنان كحالة “استثنائيّة” في المنطقة قي ما يتعلّق بالحريات المدنيّة، وأنّه واحة الحريات المحاصرة بأنظمة استبداديّة، لأن الحريات المدنيّة في لبنان تتآكل بشكلٍ سريع.

“حان الوقت لنتجاوز السرديّات الساذجة التي تصوّر لبنان كحالة “استثنائيّة” في المنطقة قي ما يتعلّق بالحريات المدنيّة، وأنّه واحة الحريات المحاصرة بأنظمة استبداديّة، لأن الحريات المدنيّة في لبنان تتآكل بشكلٍ سريع ”

الرابط بين الأزمات الاقتصاديّة وتقلّص الحريات المدنيّة

هُناك حالات انتهاك لحقوق الانسان وتعدّي على الحريات المدنية في كل بلدان العالم. تتكاثر هذه الانتهاكات وتكون أكثر منهجية في البلدان ذات الأنظمة الاستبدادية. أمّا في الدول الديمقراطيّة ذات الإجراءات القضائيّة الشفّافة والمُجتمعات المدنيّة الناشطة تكون هذه الانتهاكات معزولة، ويُحاسب الجناة على أفعالهم. لكن، وبغض النظر عن النظام السياسي القائم، نلاحظ أن هذه الانتهاكات تتزايد وتيرتها في أوقات الأزمات الاقتصادّية والاضطرابات الاجتماعيّة.

عندما تراجعت أسعار النفط عامَي ٢٠١٤ و٢٠١٥، زادت وتيرة القمع في العديد من الدول المُعتمدة على النفط خشيةً من أن تؤدّي سياسات التقشّف إلى حصول احتجاجات واسعة النطاق. على سبيل المثال، ازداد القمع والترهيب والتعديات على الصحافيين والمُحامين والناشطين ومنظمات المُجتمع المدني بشكلٍ ملحوظ في أنغولا وأذربيجان، وهُما بلدان نفطيان. أمّا في السعودية، فارتفع عدد أحكام الإعدام بشكلٍ ملحوظ منذ عام ٢٠١٥، حيث فشلت السلطات بالتعامل مع الصدمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة الناتجة عن الهبوط المُستدام لأسعار النفط.

لكن الأزمات الاقتصاديّة لا تؤدّي إلى ارتفاع نسبة القمع في الأنظمة الاستبداديّة فقط. حيث تزامنت سياسات التقشّف في أوروبا عامَي ٢٠١١ و٢٠١٢ مع قمع شرس للاحتجاجات وحالات متعدّدة لانتهاكات حقوق الإنسان. وبينما كانت اليونان تتّجه نحو “أسوأ ركود اقتصادي في التاريخ الحديث“، استخدمت الأجهزة الأمنيّة اليونانيّة تدابير عنيفة لتفريق المحتجّين، وتمّ توثيق العديد من الانتهاكات، مثل استخدام القوّة المُفرطة والاعتقالات التعسفيّة وسوء المُعاملة أثناء الاحتجاز. كما تمّ استهداف المتظاهرين السلميين والصحافيين وحتى المسنّين والأطبّاء، من دون أن يحاسب أي عنصر في القوى الأمنيّة على أفعاله. كان الوضع مشابهاً في إسبانيا، التي كانت تعاني أيضًا من أزمة اقتصاديّة خانقة.

“عندما تراجعت أسعار النفط عامَي ٢٠١٤ و٢٠١٥، زادت وتيرة القمع في العديد من الدول المُعتمدة على النفط خشيةً من أن تؤدّي سياسات التقشّف إلى حصول احتجاجات واسعة النطاق “

تقلّص الحريّات المدنيّة في لبنان

لا يوجد في لبنان قوانين تحمي حرية التعبير على الإنترنت، ممّا أدّى إلى توجّه مُقلق لوحظ منذ اندلاع الاحتجاجات حول أزمة النفايات في صيف عام ٢٠١٥ واستمرّ خلال فترة الانكماش الاقتصادي الذي شهدته البلاد منذ ذلك الحين: استخدام السلطة السياسيّة قانون العقوبات الذي يجرّم التشهير والتحريض، واستخدام السلطات القضائيّة والأمنيّة، لإسكات ممنهج للناشطين والصحافيين والمواطنين الذين ينتقدون الشخصيّات السياسيّة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ممّا أدّى الى بروز ظاهرة الرقابة الذاتيّة. وتضاعف هذا الاستغلال الصارخ للقانون من قبل النخب السياسيّة مع اندلاع انتفاضة تشرين ٢٠١٩. فمنذ اليوم الأوّل للانتفاضة، تمّ استدعاء العديد من الناشطين والصحافيين من قبل مكتب الجرائم المعلوماتيّة بسبب محتويات نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يقتصر تقلّص مساحة حريّة التعبير على الإنترنت فحسب، بل انعكس عبر مُمارسة العنف المُفرط من قبل القوى الأمنيّة تجاه المتظاهرين، حيث تمّ اعتقال العديد من المتظاهرين بشكلٍ تعسّفي وتعرّضوا للمُعاملة المهينة والقاسية أثناء احتجازهم، من دون أن يسمح لهم بالاتصال بعائلاتهم أو بمحامٍ. كما تمّ اعتقال بعض المُراهقين بسبب إزالتهم صور تابعة لحزب سياسي.

إضافةً إلى العنف الذي مارسَته الأجهزة الأمنيّة، قام مُناصرو بعض الأحزاب السياسيّة بترهيب المتظاهرين، حيث هاجموهم وأحرقوا خيمهم وتعرّضوا لأشخاص انتقدوا بعض الزعامات.

“لم يقتصر تقلّص مساحة حريّة التعبير على الإنترنت فحسب، بل انعكس عبر مُمارسة العنف المُفرط من قبل القوى الأمنيّة تجاه المتظاهرين ”

“عقيدة الصدمة” في لبنان

تستغل غالباً السلطة السياسيّة أوقات الأزمات – مثل الانهيارات الاقتصاديّة أو الكوارث الطبيعيّة أو الاشتباكات السياسيّة العنيفة –لتمرير إجراءات قمعيّة أو مجحفة، مستفيدةً من تركيز اهتمام الشعب بتبعات الأزمة وعدم قدرتهم على التصدّي للسلطة بطريقةٍ فعّالة. لقّبت الصحافيّة والناشطة نعومي كلاين هذه الظاهرة بـ “عقيدة الصدمة” في كتابها المؤثّر عام ٢٠٠٧. واستخدمت السلطة السياسيّة هذه العقيدة في لبنان حيث يشهد البلد أزمة اقتصاديّة ومعيشيّة غير مَسبوقة، وأزمة صحّية بسبب جائحة الكورونا، ممّا يدفع المواطنين بشكلٍ عام إلى تحاشي التجمّع بالأماكن المكتظّة خوفًا من انتشار الفيروس، بالإضافة إلى تخوّفهم من القبضة الأمنيّة الشرسة، لتمرير العديد من الإجراءات الإشكاليّة والخطيرة.

في هذا السياق، أصدرت المحكمة العسكريّة قرار بإطلاق سراح “جزّار الخيام” الذي عذّب الآلاف خلال الحرب الأهليّة في جنوب لبنان. وعادت مُمارسة المُحاصصة في القطاع العامّ، خاصّةً في المناصب الرفيعة في مصرف لبنان ووزارة الاقتصاد والتجارة. كما وتمّت إزالة الخيم في ساحة الشهداء، التي كانت المأوى للفئات المهمّشة، تحت ذريعة فرض حظر التجوّل. وكلّف بدَوره النائب العامّ التمييزي الأجهزة الأمنيّة بإجراء تحقيقات حول الأشخاص الذين ينشرون التعليقات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد رئاسة الجمهوريّة.

أين المُحاسبة؟

على الرغم من سُهولة تحديد هويّة الذين هاجموا المُتظاهرين السلميين، نظرًا لوجود العديد من الصور ومقاطع الفيديو التي توثّق أفعالهم، إلّا أنّ  الأجهزة الأمنيّة لم تتخذ أي إجراءات لمُحاسبتهم. ولم نرَ أي مُحاسبة في ما يتعلّق بالعناصر الأمنيّة الذين استخدموا العنف المُفرط والرصاص المطّاط، الذي أدّى إلى فقدان أعين بعض المُتظاهرين.

على مدى الأعوام، سعت الطبقة السياسيّة إلى تحويل الدَولة اللّبنانية إلى دَولة مختلّة غير قادرة على تلبية أبسط حاجات المواطنين. لكنّها حرصت أيضًا على أن تكون لهذه الدولة أجهزة أمنية قادرة على استهداف الضُعفاء والمهمّشين والكادحين، وغضّت النظر عن الجرائم المُرتكبة من قبل أصحاب النفوذ (النخبة السياسيّة، والقطاع المصرفي، وحلافائهم في القطاع الخاصّ وأزلامهم) الذين لا ينطبق عليهم القانون.

أخيراً، وفي عهد الانهيار الاقتصادي الشامل وفاجعة الكورونا، أصبحت مَخاوف ريمون إدّه حَول تحويل لبنان إلى دولة بوليسيّة واقعًا. لذلك، وفي ظلّ اشتداد الأزمة الاقتصاديّة في الأشهر المقبلة – أزمة نجمت عن الفساد المُمنهج والمُستشري، والسوء الإداري المقصود، والمحسوبيّة – لا يجب أن نتجاهل التقلّص السريع والمُمنهج لحريّاتنا المدنيّة، إذ أنّ النخب السياسيّة اللّبنانية قد نهبت الأخضر واليابس – آخر ما يجب أن يُسمح لهم بأخذه هو صَوتنا.

“لم يقتصر تقلّص مساحة حريّة التعبير على الإنترنت فحسب، بل انعكس عبر مُمارسة العنف المُفرط من قبل القوى الأمنيّة تجاه المتظاهرين ”

*كريم مرهج، باحث وزميل مع غوغل، مختبر السياسات العامة والحوكمة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات