Search
728 x 90

بين العولمة والقوقعة… “كورونا” العلامة الفارقة

بين العولمة والقوقعة… “كورونا” العلامة الفارقة

اذا كان العالم تحول الى قرية واحدة كبيرة بفعل العولمة، فإن فيروس “كورونا” عاد به بالزمن الى عصر القوقعة والتقوقع، مقفلاً حدود الدول على بعضها، وابواب المنازل على ساكنيها، مجرداً المفهوم من معناه الاقتصادي والمالي المعاصر.

قلما عرف اختصاصيو اللغة منبع كلمة العولمة التي يبدو انها نشأت من العدم (1). ويذهب البعض الى اعتبار ان مفهوم العولمة نشأ مع الشعوب الاولى التي بدأت بغزو الدول البعيدة عبر الاستعمار، ناقلة اليها ثقافتها ومفاهيمها وانظمتها السياسية والاجتماعية، علماً انها ظهرت لأول مرة العام 1930، وفق معجم أوكسفورد، كما دخلت الى قاموس “وبستر” العام 1951، قبل ان يلجأ الى استعمالها بشكل مسهب علماء الاجتماع والاقتصاديون العام 1960. فجاء بعد عامين الكنديّ مارشال ماكلوهان ليرسي تأثيرها على المجتمع عبر تحليل دور وسائل الاعلام في نقل المعلومات والاخبار من اي مدينة الى ابعد نقطة في الكرة الارضية، مكرسّاً مفهوم “القرية العالمية”.

وقد تحول مفهوم العولمة الى معناه العصري في العقدين الاخيرين من القرن الماضي، مع التطور التكنولوجي الواسع وانتشار وسائل الاعلام الرقمية ولا سيما منها الهواتف الذكية التي سمحت بلامركزية تلقي المعلومات خلال التنقل، بحيث ان الاتصال بالانترنت لم يعد مقتصراً على الجلوس امام جهاز الكمبيوتر، لا بل بات متوافراً اينما كان وساعة ما كان، من دون حتى القرار الشخصي للاطلاع، اذ ان المعلومة تصل على الهاتف الذكي، شاء ام لم يشأ متلقيها.

وجاءت الانظمة السياسية المستجدة لتدعّم هذا المفهوم. فعلى سبيل المثال ، لا الحصر، حوّل نظام الاتحاد الاوروبي 27 دولة اوروبية الى دولة وحيدة كبرى بلا حدود ولا ضوابط. كما سمحت بعض الجنسيات وجوازات السفر بالتنقل بكل حرية من اقصى نقطة على الكوكب الى ابعد نقطة مقابلة من دون اي معاملات ادارية تذكر. فجواز السفر الياباني يسمح مثلا بدخول 191 دولة من دون فيزا، والسنغافوري 190 دولة، والكوري الجنوبي والالماني 189 دولة… والحبل على الجرار.

ولم تقتصر العولمة على هذه الناحية فقط، لا بل طاولت كل الميادين ولا سيما المالية والتجارية والاقتصادية منها بحيث ان الشركات العالمية الكبرى “غزت” كل الدول من دون استثناء مسيطرة على الشركات الصغرى المحلية فيها. وبات الكلام يطال “عولمة رأس المال” عبر التوسع المضطرد لحدود الأسواق المتبادلة بين الدول بفضل تدفق رؤوس الأموال، مما وطّد الترابط الإقتصادي التفاعلي بين اقتصادات دول العالم بفعل حركة السلع والخدمات عبر حدودها، وعن طريق المصارف والشركات الدولية في ظل إزدياد دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

الا ان فيروساً واحداً في الشرق الادنى كان كفيلاً في اقل من شهرين بنسف كل هذه الصورة “الوردية” للعولمة، كاشفاً عوراتها وكونها سيفاً ذا حدّين، وجاعلاً “ما قبل كورونا” ليس “كما بعده”، خصوصاً لجهة المفعول “الايماني” الذي دفع ببلدان متشددة دينياً مثل المملكة العربية السعودية وايران الى دعوة المؤمنين الى عدم التوجه الى المساجد ولتأدية الصلوات من المنزل، كما جعل الفاتيكان خالياً من المصلين، دافعاً البابا فرنسيس الى توجيه عظة الاحد عبر التلفزيون والى الغاء الاحتفالات الدينية العامة في اسبوع الآلام والفصح لأول مرة في تاريخ الكرسي البابوي.

فالعولمة اولاً سمحت بانتقال فيروس فتّاك من الشرق الادنى الى كل بلدان العالم بفضل حرية التنقل وسرعته بين الدول، من دون اي ضوابط جدية لنجاح الحد منه… كما زادت نسبة الكراهية والخوف حيال كل من ينتمي الى الصين، مصدر الفيروس، ناهيك عن انها كشفت منسوب انعدام الثقة بين الدول، بدءاً بنظرية المؤامرة التي دفعت بالبعض الى اعتبار الفيروس “سلاحاً بيولوجياً” استعملته واشنطن ضد الصين لتقويض صعودها الاقتصادي وتأثيرها السياسي عالمياً، مما حدا بالمتحدث باسم الحكومة الصيني الى القول في 12 آذار ان ” الجيش الأميركي ربما جلب فيروس “كورونا” إلى مدينة ووهان”… وصولاً الى اعتبار البعض الآخر ان الصين بنفسها اوجدت الفيروس و”ضحّت” ببعضة آلاف صيني من اجل دفع المستثمرين الاجانب الى الرحيل وشراء حصصهم في الشركات الصينية بأسعار بخسة، مما جعلها تربح اكثر من 25 مليار دولار في فترة وجيزة.

ومهما كان مصدر “المؤامرة” فإنه اثمر اهتزازاً لاقتصادات العالم – لا بل انهياراً احياناً – “على شكل دومينو” بسبب الترابط العضوي لهذه الاقتصادات بفعل العولمة ، اذ ان عدم الاستقرار المالي او الاقتصادي في بلد يتحول حتماً الى عدم استقرار اقليمي، لا بل عالمي احياناً. وهذا ما حصل مع فيروس “كورونا” الذي ولّد عدم استقرار صحي في اقليم هوبي الصيني، ترافق مع عدم استقرار اقتصادي، ناقلاً العدويين الى كل بلدان العالم من دون استثناء، ومكبداً البورصات العالمية خسائر فادحة، كما حصل في 16 آذار في بورصة وول ستريت التي اضطرت الى تعليق التداول فيها بعد تسجيل خسائر كبرى… ناهيك عن انه ادى الى نقص عالمي حاد في المواد الطبية (قناعات وقفازات) كانت تصنع اساساً في الاقليمي الصيني.

يضاف الى ذلك، ان ازمة “كورونا” كشفت عيباً اساسياً تمثل في توزيع مراحل سلسلة التصنيع عبر العالم (هياكل السيارات في اوروبا الغربية، الالكترونيات التابعة لمحركاتها في ايطاليا…) كما بحصرية تصنيع منتجات معينة بشركات محدودة، لم تتمكن، اما من تلبية الطلبات على منتجاتها متى زادت، واما من الانتاج بفعل وجودها في مناطق موبوءة مثل ايطاليا.

وقد انكشفت هذه العيوب في العولمة الاقتصادية فور العودة الى مفهوم “القوقعة” او التقوقع داخل “الدرع الخارجي الصلب” الذي يلف كل بلد. فأُقفلت الحدود وتم قطع كل وسائل التنقل والانتقال نحو الخارج وفُرض الحجر الصحي على اقاليم برمّتها، منعاً لانتقال “عدوى” هذا الخارج الى الداخل. وباتت البلدان التي تستند الى الاستيراد في مشترياتها اليومية تعاني من ازمة معيشية صعبة، وحتى من ازمة صحية لنقص الادوية والمواد الطبية الواردة من الخارج.

وهذا كله يفترض اعادة نظر حتمية بمفهوم العولمة الاقتصادية بحيث تسعى كل دولة في المستقبل لمحاولة ضبط حدودها والداخل والخارج اليها، كما الاكتفاء الذاتي الاقتصادي والتجاري بأدنى مستوى ممكن، او على الاقل بالأخذ في الاعتبار خطط لمواجهة احادية لاي فيروس آخر خطر محتمل في المستقبل قد ينتقل من قارة الى اخرى بسرعة البرق.

من هنا وجوب عدم اغفال وجود نواح إيجابية يمكن الاستفادة منها رغم سوداوية الوضع. ففي الحجر المنزلي الحاصل ، ولا سيما في البلدان التي تعتبر “في طور النمو” مثل لبنان، هذه فرصة لتطوير مبدأ التعليم من بعد ، كما العمل من المنزل، او إنجاز المعاملات التجارية والاستهلاكية الكترونياً وعبر الانترنت كما يحصل في كل البلدان المتطورة.

يضاف الى ذلك بدء السعي جدياً الى تحقيق تطور كان مهملاً في السابق لجهة امكان إنجاز انتخابات او معاملات حكومية عبر وسائل حديثة كالإنترنت، مما يشكل نوعاً من اللامركزية التي تسمح بتوفير الوقت وزحمة السير والتلوث البيئي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات