Search
728 x 90

بين التكليف والتأليف: قصة البيضة والدجاجة

بين التكليف والتأليف: قصة البيضة والدجاجة

اخيراً الاستشارات النيابية الملزمة في 9 كانون الاول. لكن ما سيحدث فيها، وبعدها، ليس آخر المآزق. كل السجال الدائر يوحي بأن المشكلة دستورية، فيما واقع ما يدور انها باتت اكثر من سياسية. ليست بين طبقة حاكمة وشارع غاضب، ولا بين افرقاء الطبقة نفسها. اضحت الآن بين سلطة وشعب.

ليست المادة 53 من الدستور التي تنص ثانية فقراتها على الاستشارات النيابية الملزمة، الا واحدة من مواد تثير من حين الى آخر ـ وإن على فترات متباعدة نسبياً ـ اشكالات دستورية عند تطبيقها. ليست وحدها مثار الجدل، بل تشترك مع مواد سواها ذاع صيتها، كمقدمة الدستور لاسيما منها الفقرة ياء وفقرات في المادة 53 والمواد 24 و33 و49 و64 و65 و69.

تنيط الفقرة الثانية في المادة 53 برئيس الجمهورية دعوة واجبة الى اجراء استشارات نيابية ملزمة، ينبثق منها اسم الرئيس المكلف، ثم في مرحلة لاحقة تأليف الحكومة. لا مهلة محددة في النص تقيّد الرئيس بتوجيه الدعوة الى الاستشارات النيابية الملزمة، الا انها لا تطلق يده في عدم توجيهها الى ما شاء الله، لئلا يتسبب في تعطيل نشوء سلطة اجرائية جديدة بعد استقالة الحكومة. ذلك ان الاستشارات النيابية شرط مقيِّد لتسمية الرئيس المكلف، وملزم لرئيس الجمهورية بنتائجها التي يدوّنها في محضر رسمي يطلع عليه رئيس مجلس النواب. مقيّدة كذلك للنواب كي يعمد كل منهم الى تسمية مرشحه لرئاسة الحكومة دونما توكيل او تفويض، على نحو يفضي الى ان البرلمان من خلال اعضائه، كتلاً وفرادى، هو الذي “ينتخب” الرئيس المكلف. بذلك يمسي المجلس المرجعية الدستورية الحصرية للتكليف، الا ان استقالة رئيس الحكومة لا تُقدم سوى الى رئيس الجمهورية الذي يوقع مراسيمها.

منذ وُضع اتفاق الطائف موضع التنفيذ، مع اول حكومة انبثقت من اصلاحاته الدستورية عام 1990 برئاسة الرئيس عمر كرامي، نشأت اكثر من مرة مشكلة المرجعية الدستورية القادرة على الحد من تمادي الرئيس المكلف في اهدار الوقت دونما تأليفه حكومة، بناء على تفويض البرلمان اليه هذه المهمة في الاستشارات النيابية الملزمة. لم تُثَر المشكلة هذه مرة ما بين عامي 1990 و2008 لسبب وجيه، هو ان تأليف الحكومات ابان الحقبة السورية، لم يكن يتطلب اهدار وقت طويل على ابصارها النور، ربما جراء الدور السوري المباشر في هذا التأليف الذي يمنحه الحصة العظمى فيها، وخصوصاً ثلثي المقاعد على الاقل.

في مراجعة للحكومات المتعاقبة في تلك الفترة، فإن المهل التي احتاج اليها الرؤساء المكلفون ترحجت ما بين يومين (حكومة الرئيس سليم الحص عام 1998) و17 يوماً (حكومة الرئيس رفيق الحريري عام 1996). لكن ثمة سابقة لم تتكرر، صار فيها الى تأليف الحكومة في اليوم نفسه لصدور التكليف (حكومة الحريري عام 2003). بعد اتفاق الدوحة عام 2008 تبدّل الواقع تماماً، وبات اهدار الوقت سمة رئيسية قبل الوصول الى تأليف الحكومة، سواء نجم عن مسؤولية مباشرة للرئيس المكلف، او عن تناحر الافرقاء والكتل وتسابقهم في مشاركته تأليفها وفرض الحقائب والاسماء والنصاب عليه. سمة سترافق، منذ ما بعد اتفاق الدوحة، كل الحكومات المتعاقبة مذذاك الى الآن: 44 يوماً لتأليف الرئيس فؤاد السنيورة حكومته الثانية عام 2008، 135 يوماً في التكليف الاول ثم 94 يوماً في التكليف الثاني لحكومة الرئيس سعد الحريري عام 2009، 139 يوماً لتأليف الرئيس نجيب ميقاتي حكومته عام 2011، عشرة اشهر وتسعة ايام لتأليف الرئيس تمام سلام حكومته عام 2014، 45 يوماً للحريري مجدداً لتأليف حكومته عام 2016، واخيراً 8 اشهر وسبعة ايام لثالثة حكوماته عام 2019 وهي الحكومة المستقيلة الحالية التي لم تعش سوى 10 اشهر الا يومين.

منذ عام 2008، اعتاد تأليف الحكومات توقّع امرار اشهر قبل الوصول الى صدور مراسيمها، بذريعة ان لا مهلة مقيِّدة للرئيس المكلف للتأليف، ويقتضي ـ في الاجتهاد وتبرير عدم تقييده ـ عدم ممارسة ضغوط عليه لانجاز مهمته لئلا يُفسّر ذلك ـ وهو ما كان مدار مناقشات مستفيضة في اجتماعات اتفاق الطائف ـ انه محاولة لإرغامه على التخلي عن تكليفه، وتالياً التدخّل في صلاحيات رئيس مكلف يمثل طائفته التي هي الطائفة السنّية في توزّع السلطات الدستورية في البلاد، وكي لا يُستشم من ذلك ان الطائفة بالذات صارت هي المستهدفة. في سبيل ذلك تُرك للرئيس المكلف، منذ اتفاق الدوحة، بعدما حالت الحقبة السورية دون التذرع به، التمادي في تضييع الوقت الى ان يصل مع رئيس الجمهورية والافرقاء المعنيين الى ابصارها النور وصدور مراسيمها.

على مرّ هذا الوقت، لم يُطرح يوماً جدياً ـ وإن اثير الموضوع ـ تجريد الرئيس المكلف من التكليف الذي ناطه به حصراً مجلس النواب، ولا مناقشة التحقق من المرجعية الدستورية المعنية بمساءلته عن تردده في تأليف حكومته، ولا خصوصاً ايجاد مخرج لتخليه عن التكليف مع حفظ ماء الوجه، ودونما إشعاره بكيدية او تصفية حساب. الواقع ان احداً من الرؤساء المكلفين المتعاقبين ما بعد اتفاق الدوحة لم يشأ يوماً، او فكّر حتى، في ترك تكليفه بسبب اخفاقه في التأليف في المدة المعقولة لمهمته، غير الملزمة في نهاية المطاف بمهلة مقيِّدة. اضحى هذا التكليف حقاً مكتسباً، مكرّساً غير قابل للمساومة والتساهل. في حقبة ما قبل اتفاق الطائف، وفي احيان كثيرة، اعتذر الرؤساء المكلفون عن الاستمرار في مهماتهم لاسباب شتى، منها الخلاف مع رئيس الجمهورية على التوزير، ومنها للسبب نفسه مع رؤساء الكتل النيابية. آخر الحالات تلك، اعتذار الرئيس تقي الدين عن تأليف حكومة عام 1980 جراء ضغوط غير مباشرة القت دمشق بأوزارها عليه، فعمد الرئيس الياس سركيس، بعد اعتذار الصلح، الى تكليف الرئيس شفيق الوزان الذي لم يتمكن ـ تحت وطأة ضغوط مماثلة ـ من المثول وحكومته امام مجلس النواب سوى بعد انقضاء 52 يوماً على صدور مراسيمها.

منذ استقالة حكومة الحريري في 29 تشرين الاول الفائت، لم يبادر رئيس الجمهورية ميشال عون للفور بالدعوة الى استشارات نيابية ملزمة. بل ارجأها الى ان حدد في 4 كانون الاول، بعد مرور شهر و10 ايام على الاستقالة، الموعد في 9 كانون الاول. في المدة الفاصلة ما بين استقالة الحريري ودعوة عون، تصاعد سجال ظاهره دستوري محق لهذا الفريق او ذاك، وباطنه سياسي مبرر لكل منهما ايضاً، ارتبط بمسألتي التكليف والتأليف.

دخل على خط السجال افرقاء كثيرون، الا ان الاكثر حدة كان رؤساء الحكومات السابقين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام الذين نددوا، فرادى ومجتمعين، مرة تلو مرة آخرها بيان 4 كانون الاول، بأولوية التأليف على التكليف، وتأجيل التكليف بلا مبرر، ما عدّوه مخالفة دستورية مرة، ونيلاً من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء مرة اخرى. في المقابل، مدافعاً عن ارجائه التكليف، عزاه رئيس الجمهورية الى رغبته في عدم العودة الى التقليد المحدث منذ اتفاق الدوحة، وهو ان يتحول التكليف في يد الشخص المنوط به سلاحاً يواجه به الرئيس والكتل النيابية، فيماطل في تأليف الحكومة الى ان تستجاب شروطه. في الغالب، على مرّ تجاربهم منذ عام 2008، لم يفز الرؤساء المكلفون دائماً بفرض شروطهم للتأليف عبر استخدام سلاح الوقت، وتأثروا بلعبة التنازلات المتكافئة في ما بينهم والكتل الكبرى، كما بينهم ورئيس الجمهورية، من اجل الوصول الى تسوية مقبولة تخرج التأليف من مآزقه.

لم يقبل الحريري، ولا الزعماء السنّة، بحصان التأليف يتقدم عربة التكليف، واصروا على تصحيح الادوار: حصان التكليف هو الذي يتقدم عربة التأليف. على ان الاستعارة الاكثر صواباً للمشكلة، ان الفريقين المتنافرين لم يتمكنا من الاتفاق على تفسير العقدة المستحيلة: ايهما يسبق الآخر، البيضة أم الدجاجة؟ يصلح التكليف، كما التأليف، لوصف كل منهما بالبيضة والدجاجة في آن.

اصرار رئيس الجمهورية على موقفه، متسلحاً بالفقرة الثانية في المادة 53 التي لا تقيّده بمهلة للدعوة الى الاستشارات النيابية الملزمة، وهي المرة الاولى يقدم رئيس للجمهورية منذ اتفاق الطائف على هذه السابقة، اتاح له اجراء جولات طويلة من التفاوض، مباشر وغير مباشر، في موازاة مهمة مماثلة تولاها الثنائي الشيعي الذي اضحى الشريك الفعلي، غير الدستوري، في تأليف الحكومات. انتهى المطاف بالاتفاق على المهندس سمير الخطيب لتكليفه تأليف الحكومة، بعدما اعلن الحريري في 26 تشرين الثاني اعتذاره عن هذه المهمة. آل ذلك الى تحديد رئيس الجمهورية 9 كانون الاول موعداً للاستشارات النيابية الملزمة.

على ان السجال المتشعب في اولوية التكليف على التأليف، او على الاصح قلب الاولوية هذه لتفادي الفراغ بأسبقية التأليف على التكليف، اوجد افرقاء وفيرين يدافعون عن هذا الخيار او ذاك. البعض المناوىء، خصوصاً في اوساط الزعماء السنّة وتيار المستقبل، اعتبر ما يحدث لا يقتصر على مخالفته الدستور فحسب، بل يُنشىء سابقة خطيرة يُخشى تكرارها مستقبلاً في كل مرة تقبل البلاد على استحقاق حكومي، فيسيطر رئيس الجمهورية على ادارة لعبة التأليف، المنوطة دستورياً بالرئيس المكلف، ويعطل دوره، ما يعني عند هؤلاء الاعتداء على صلاحيات رئيس مجلس الوزراء وسمعة طائفته والانتقاص منهما معاً. اذ يصرّون على ان ليس ثمة مهلة مقيِّدة للرئيس المكلف تأليف الحكومة، يرفضون في المقابل الاقرار بأن ليس لرئيس الجمهورية مهلة غير مقيِّدة للدعوة الى الاستشارات النيابية الملزمة. بل يطالبونه بها على عجل.

ثمة سابقة، ربما لم يعد يتذكرها افرقاء السجال الحالي، حصلت عام 2004 تناولت اولوية التأليف على التكليف.

على اثر تمديد ولاية الرئيس اميل لحود في 3 ايلول 2004، توقّع الحريري الاب قبل ان يقدم استقالة حكومته، ترؤس اولى حكومات الولاية الثانية للرئيس. كان قد كان عارض التمديد، ثم أُرغِم عليه بضغط مباشر من الرئيس السوري بشار الاسد. على الاثر، رحبت دمشق امامه ببقائه في السرايا، وطلبت منه سلفاً التعاون على احسن حال مع لحود. على ان خلافاً حاداً نشب بينه ورئيس الجمهورية الذي قلماً تحمّس للقبول به شريكاً في الحكم. استباقاً لاستقالة الحكومة القائمة منذ عام 2003، دار تفاوض مباشر حيناً وغير مباشر احياناً بين الرجلين. قالت وجهة نظر رئيس الجمهورية بالاتفاق سلفاً على الحكومة الجديدة قبل ان يصير الى اجراء الاستشارات النيابية الملزمة، بحيث يكرّس التأليف التكليف، بينما كانت للحريري وجهة نظر معاكسة، هي حصوله على التكليف اولاً، ثم يباشر التأليف بالتفاهم مع لحود. تناقض الموقفان، فتعذر اتفاقهما جراء تصلب كل من الرئيسين بما يرومه.

اراد الحريري في الحكومة الجديدة الحصول على تعويض لائق ثمن موافقته على ما لم يكن يتقبّله وهو التمديد، عبر حصة وزارية ذات شأن تعيد الاعتبار الى سمعته السياسية، بعدما كان جهر برفضه تمديد الولاية، ثم جاراه في مجلس الوزراء بداية ومن بعده في مجلس النواب، وصوّت فيهما على الولاية الثانية لثلاث سنوات. ناهيك برد الاعتبار الى التوازن السياسي بينه ولحود، المفقود في ظل الدعم السوري غير المشروط لرئيس الجمهورية. لم تشأ دمشق التدخّل في خلافهما، وتركته على غاربه فتصاعدت وتيرته، بعدما كانت اعتادت في السنوات المنصرمة في الولاية الاولى، على التوسط بينهما لتذليل تناحرهما. ابلغت الى كليهما ان عليهما ان يسوّيا ما بينهما بالتفاهم. لم يكن احد الرئيسين يكتم عن الآخر كرهه العميق الضمني له.على ان استعصاء الاتفاق حمل الحريري في 20 تشرين الاول 2004 على اعلان استقالة حكومته، مقروناً بالاعتذار عن تأليف حكومة جديدة، مدلياً يومذاك ببيان لا يزال عالقاً في ذاكرة اللبنانيين عندما قال في ختامه: “استودع الله سبحانه وتعالى هذا البلد الحبيب لبنان، وشعبه الطيب، واعبّر من كل جوارحي عن شكري وامتناني لكل الذين تعانوا معي خلال الفترة الماضية”.

لم يحتج الامر الى وقت طويل كي يجري لحود استشارات نيابية ملزمة، انتهت الى تكليف الرئيس عمر كرامي تأليف الحكومة في الغداة، 21 تشرين الاول، من غير ان يشترط عليه ما اشترطه على الحريري.

ما دام الحدث بالحدث يُذكر، رفض الحريري الابن ما رفضه الحريري الاب، وهو اولوية التأليف على التكليف، واقدم على ما اقدم عليه والده قبل 15 عاماً، بالادلاء ببيان اعتذار والخروج الطوعي من السرايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات