Search
728 x 90

بلد غابات الاعلام والالوان

بلد غابات الاعلام والالوان

” لبنان الكبير في المئوية الاولى . بيت من دون سياج” هو العنوان لكتاب اصدره حديثاً الدكتور داود الصايغ عن دار سائر المشرق.هو فعل ايمان بلبنان وبالصيغة اللبنانية بعدما خصص الكاتب كل كتاباته ومنشوراته على مدى سنوات طويلة من العطاء للبنان وتجربته ونظامه كما حاجة العالم اليه. وهذه المقدمة للكتاب تكشف اقتناعه بأن لبنان وبفضل عمق جذور الانسان فيه اقوى من كل عواصفه الداخلية والخارجية.
وينشر موقع beirutinsights فصولاً من الكتاب الذي يكشف فيه داود الصايغ تاريخ لبنان الذي عاشه عن كثب مشاركاً في احداث مهمة فيه خلال مراحل مختلفة.

جاء في سفر التكوين أن الله عندما انتهى من عملية الخلق في سبعة أيام تطلّع إلى ما تحقّق وقال: “هذا حسنٌ جدًا وكان مساءٌ وكان صباح”. وما جرى بعد ذلك، كان ولا يزال من فِعل الإنسان، وأخطره خراب الطبيعة التي خلقها الله إلى درجة أن المياه ستغمر اليابسة بعد سنوات كما يبشّر العلّماء بعدما خرّبها البشر.
حتى الآن، وبعد مئة عام على عملية نشوء لبنان، ما زال البعض يتردّدون في القول: هذا حسن. كأن الولادة كانت طبيعية والعناية مربكة. فتُرك المولود لشأنه وهو ما زال منذ مئة عام يسأل ويتساءل: من أنا؟
الآخرون عرفوه وتعرّفوا إليه وأحبّوه ولكن شيئًا ما في داخله ما زال يقلقه ويطرح عليه التساؤلات. لأن المئوية الأولى للبنان الكبير لو اختصرت لما كانت غير مئوية التساؤلات. فالمعادلة نفسها تختصر حالةً لم تعرفها أوطان أخرى، كأن هنالك رضا غير مكتمل عما جرى ويجري ما زال يعتمر في النفوس. ولكن ليس هنالك من قبولٍ لأي حالٍ آخر أو لأي حلٍّ آخر. وهذه هي مشكلة لبنان منذ مئة عام.
فلعلّ تشوّه مفهوم العيش المشترك كافٍ وحده للدلالة على المشكلة الأساس، وعلى تفسيره وإدراك جوهر معناه، رغم أن التعبير بحدّ ذاته انتقل إلى بعض المجتمعات العربية الأخرى، وكان العنوان الأساسي للبيان التاريخي الصادر في شباط 2019 إثر لقاء البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيّب في الإمارات العربية المتّحدة. فالعيش المشترك حالةٌ لا تعرفها المجتمعات الأخرى غربيةً كانت أم شرقية، المجتمعات المتجانسة أو ذات الأكثريات الواضحة. ولذا فإن الوثيقة التاريخية تلك، وثيقة “الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك”، تبدو لمن يراجع بعض مبادئها، بأنها تلتقي حتمًا مع تجربة لبنان الإنسانية والتاريخية، بخاصةٍ في مجال تلك القيمة التي رفعتها الوثيقة إلى المرتبة التاريخية وهي “العيش المشترك” والتي بات لها في لبنان مرتبة دستورية.
وقد جاء في تلك الوثيقة:
إن الحرية حقّ لكلّ إنسان: اعتقادًا وفكرًا وتعبيرًا وممارسة، وإن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلًا ثابتًا تتفرّع عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف، وتجريم إكراه الناس على دين بعينه، أو ثقافة محدّدة أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر.
[…] إن الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وثقافة التسامح والتعايش بين الناس، من شأنه أن يسهم في احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية التي تحاصر جزءًا كبيرًا من البشر.
كما دعت هذه الوثيقة إلى التخلّي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح “الأقلّيات” الذي يحمل في طيّاته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهّد لبذور الفتن والشقاق، ويؤدّي إلى ممارسة التمييز ضدهم.
ولا بدّ من التذكير هنا، بأن “العيش المشترك” حالةٌ لم تنجح حتى في بلدانٍ يؤمن سكّانها بالأناجيل ذاتها، مثل بلجيكا (فالونيون وفلامنكيون)، إسبانيا (انفصاليو الباسك) وحتى إيرلندا الشمالية (كاثوليك وبروتستانت) والمملكة المتّحدة مع اسكتلندا. وجميع هؤلاء مسيحيون ومعظمهم كاثوليك أي متّحدين مع البابا، فضلًا عن دول أوروبا الشرقية السابقة مثل الدويلات التي ظهرت بعد تفكّك يوغوسلافيا السابقة. أو كما هو الوضع في كندا أو حتى بالنسبة إلى جزيرة كورسيكا الفرنسية.
هذه المجتمعات كانت مؤلّفة من أعراقٍ وطوائف لا تريد الاستمرار في العيش الواحد، أو العيش المشترك، كما في تعابيرنا اللبنانية. ولكن أوروبا، أوروبا الاتّحاد، لجمت تلك النزعات، وبخاصةٍ لأنها تشهد حاليًا صعود ما صار يُعرف باليمين المتطرّف في معظم الدول الأوروبية، كردّة فعلٍ رافضة لاستقبال اللاجئين، اللاجئين المسلمين تحديدًا بعد مآسي دول الشرق العربي، وسوريا بخاصة، التي لجأ مئات الآلاف منها إلى تلك الدول وإلى ألمانيا تحديدًا. وكان ذلك العامل الأساسي لاضطرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى تحديد موعد انسحابها من الحكم، إذ لا مشكلة في الدول الأوروبية في البرتغاليين والإيطاليين والإسبانيين الذين يملأون المدن الفرنسية والألمانية والسويسرية.
أما سويسرا، وهي بلدٌ مضياف هادئ ومستقرّ، والتي أوجدت حلًّا لتعدّد أعراقها منذ زمنٍ طويل، عبر الصيغة الاتّحادية والحياد، صوّتت في 29 تشرين 2009 بوسائل الاستفتاء الشعبي، بعدم السماح ببناء مآذن جديدة، رغم أن العمّال المغاربة يملأون فنادقها ومؤسّساتها. إنها نموذجٌ للمجتمعات التي تحفّظت على غير العنصر الأساسي أي العنصر الأوروبي ذي الجذور المسيحية، وهو ما تمّ التداول به عند وضع دستور الاتّحاد الأوروبي عام 2004. بالمقابل إن أعداد المسلمين في الدول الأوروبية تتغيّر بين دولةٍ أوروبية وأخرى، وبالتالي لا لزوم هنا لتحديد ما هي النسبة المئوية من المسلمين في أوروبا.
العالم انفتح بعضه على البعض الآخر، ولكن فتح الحدود لم يكن كافيًا. فالنفوس بقيت حذرة وبخاصةٍ في عصر الإعلام والتواصل الاجتماعي، حيث توسّل المتطرّفون الوسائل ذاتها لنقل قضاياهم الإرهابية، وممارسة القتل الجماعي في المدن الأوروبية مثل باريس، ونيس، وبرلين، ولندن، ومدريد، بوسائل وحشية لا سابق لها، موجّهة ضد الغرب ومعتقداته وحضارته. ولعلّ أفظعها كان عملية قتل الأب جاك هاميل Jacques Hamel على مذبح الكنيسة في بلدة سان إتيان دو روفراي Saint-Etienne du Rouvray في تموز 2016 على يد شابَين متطرّفَين أحدها من مواليد البلدة ذاتها. يومها هدّأ البابا فرنسيس النفوس، وهو على طائرة العودة من بولونيا، عندما قال للصحافيين إن أعمال عنفٍ حصلت في تاريخ المسيحية، محاولًا عدم إثارة موجات الكراهية والحقد ورفض الآخر. وهو الذي كان سبق له وزار جزيرة لسبوس Lesbos بتاريخ أيار 2016 مصطحبًا معه 12 مهاجرًا سوريًّا إلى روما كدليلٍ على وجوب التعامل مع المهاجرين بروح الإنسانية والأخوّة، وهو ردّد مرارًا أنه هو نفسه كان مهاجرًا إيطاليًا في الأرجنتين.
ما حصل في مصر من إرهابٍ طال المسيحيين الأقباط، والسياح الأجانب، بعد ما حصل في ليبيا وما يحصل في بعض دول المغرب العربي، يزيد في هواجس الغربيين ومخاوفهم، وبخاصةٍ بعد حروب القضاء على المنظّمة الإرهابية الأساس التي عُرفت بداعش في كلٍّ من العراق وسوريا بقيادة الولايات المتّحدة ودول أوروبا الغربية. لذلك لم يكن مستغربًا أن ينقبض الغرب ويخاف ويقونن عمليات الدخول إلى أراضيه، في تعاونٍ لا سابق له بين أجهزة الأمن والمخابرات الغربية، مع العلّم أن كبار المسؤولين وأصحاب الرأي والكتّاب والمعلّقين دعوا بوضوحٍ وبقوّة إلى عدم المزج بين الإسلام والتطرّف. يدلّ على ذلك وصول مسلمين في بلدان أوروبا مثل إنكلترا أو فرنسا إلى أعلى المراكز الحكومية والإدارية.
لبنان النموذج، نعم. لبنان القدوة والرسالة إلى الشرق والغرب، نعم. إنه يبقى كذلك لأنه نشأ على هذا الأساس، بخلاف معظم كيانات منطقة الشرق العربي. إنه سبق الآخرين بذلك، حتى في إعلان حرّية المعتقد في دستوره عام 1926، والحرّيات العامة والديمقراطية كلّها: “حرّية الاعتقاد مطلقة، والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جيمع الأديان والمذاهب…” بالإضافة إلى موادٍ أخرى حول الحرّيات العامة الأخرى. فأي دستور في عشرينات القرن الماضي نصّ على مثل هذا المبدأ النبيل؟
في النُبل نشأ لبنان. أطلّ على العالم من قمم الدهر. سبق الجميع انسجامًا مع تاريخه وعملية تكوينه الطويلة عبر ثلاثة قرون، منذ عهد الأمير فخر الدين الثاني المعني (1572-1635) عندما كانت حكومته مختلطة مؤلّفة من ممثّلي الطوائف كلّها.
إنه سبق العالم، ولكنه إلى أين انتهى اليوم؟
لم يكن لبنان وطنًا حائرًا. فالثوابت كانت، ولا تزال، محترمة. ولكنه أربك البعض ممن هم حوله، لأنه مختلفٌ عنهم. فأسهموا بالتسبّب له بشيءٍ من الضياع. شيءٌ ما افتقد إليه ذلك المولود الاستثنائي لكي ينمو ويكبر ويتطوّر، وهو إحاطته بالحصن الذي يصون الأوطان، وبالسياج الذي يسيّجها. لم يكن للبنان سياجٌ يحميه. والسياج كان، ولا يزال، من المفروض أن ينطلق من الداخل، لأن سور البلد نفسه، وكلّ الأسوار الأخرى زائفة وزائلة.
عبثًا حاول البعض التطلّع إلى الخارج. فلم يكن ذلك هو الحلّ أبدًا، لأن البعض الآخر تطلّع إلى خارجٍ آخر. ففتحت الأبواب للمجاري الغريبة، باعتبار الغريب غريبًا وليس من أهل البيت. وفي ذلك مسؤولية كاملة على اللبنانيين أنفسهم، في ما عرف بالاستقواء بالخارج، الذي لم يتسبّب لهم سوى بالتشتّت والانقسام، فضلًا عن الذلّ، لأن الخارج يتدخّل على أساس مصالحه هو، وليس على أساس ما يتمنّاه البعض من تدخّله، ولأن هذا المتدخّل لا بدّ له في يومٍ من الأيام أن ينكفئ. وهذا ما حصل مرارًا، ولكن ما لم يحصل هو تعلّم الدروس. فلماذا لم يتحقّق ذلك؟
لأن الرضا المتبادل الذي كان مطلوبًا في عملية النشوء كان يفترض به أن يؤدّي إلى ترجمته في معادلة السلطة القادرة، وليس في عملية البحث المستمرّة عن الرضاءات المتبادلة. لأن الوفاق يترجم بنظام حكمٍ معروف، ولم يكن أفضل من الصيغة البرلمانية ما يناسب لبنان. ليس ذلك لأنها كانت نظام الدولة المنتدَبة عام 1926، إذ إنه سبق للبنان أن عرف شيئًا منها في نظام المتصرّفية، في انتخابات مجلس الإدارة عام 1868، عبر المناصفة بين المسيحيين والمسلمين. فأي نظامٍ آخر يناسب ذلك التنوّع؟ لقد فرض الواقع أن يكون مجلس النواب ليس فقط سلطة تشريعية، بل مكانًا لتمثيل الأسر الروحية كلّها. الكلّ في الداخل. هكذا قضت الحكمة مع الآباء المؤسّسين، وأبرز منظّريهم ميشال شيحا. وقد كان الرئيس الراحل شارل حلو يردّد معه تلك الكلمة:
«Débattre à l’intérieur pour ne pas se battre à l’éxtérieur».
أي أن يتمّ التحاور في الداخل، حتى لا يحصل التقاتل في الخارج. أي إنه كان ولا يزال مطلوبًا من المؤسّسات أن تستوعب ذلك التنوّع وتدمجه فيها. تنوّعٌ وليس انصهارًا، ولكن أيضًا ليس محاصصة.
لذا بعد مئة عام يطرح السؤال الآتي: كيف يدار التنوّع من دون تلك المحاصصة التي أرهقت نظام الحكم بالممارسة الخاطئة، بالممارسة المعاكسة لما خُطّط له، الوطن مساحة مشتركة للجميع وليس أجزاءً مقتطعة. والدولة تحضن الجميع في الولاءات الواحدة تجاهها، لأن الولاءات تلك لم تحصل، وفي ذلك عوامل داخلية وأخرى خارجية.
بداية الإشارات المقلقة
لبنان كان مختلفًا ولا يزال. هذا لا يعني أن محيطه لم يقبله. إنه قبله في البدء وعلى مدى عقود. ورضي العرب حتى بـ”وجهه العربي”، كما جاء في البيان الوزاري لحكومة رياض الصلح الاستقلالية. وتجاوبوا معه لدى تأسيس الجامعة العربية عام 1945 وقبلوا بمبدأ الإجماع للقرارات الملزمة وليس بالأكثرية حتى لا يحرجوا لبنان، معترفين بما يسمّى آنذاك بـ”الوضع الخاص”. وما كان ذلك الوضع الخاص بالحقيقة، غير وضع المجتمع المختلط دينيًا ومذهبيًا، حيث لا أكثرية طاغية، وحيث رئيسه هو الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي. فاحترموا هذه الخصوصية طويلًا، وأقرّوا للبنان مساهمته البنّاءة وعطاءاته الثقافية على أنواعها، في الجامعات والتأليف والصحافة والانفتاح والمصارف والاستشفاء والاصطياف والضيافة. ولم يطالبوه بأكثر مما يمكن أن يعطي.
لكن إلى أين انتهى هذا اللبنان؟ لبنان 2020 تاريخ المئوية الأولى؟ لا بدّ من القول والحسم، مرّةً أخيرة أن الكيان لم يكن مصطنعًا، لأنه لو كان كذلك، لما صمد مئة عام حتى مع الأزمات والحروب التي أثارت التساؤلات ولا تزال، ولكان انهار منذ زمنٍ طويل.
لبنان الكبير لم يكن مجرّد محطّة في التاريخ، لأنه لو وُلد نتيجة اتّفاقات فرساي Versailles في حزيران عام 1919، إثر الحرب العالمية الأولى، لاعتبر مجرّد موضوع تفاوض على موائد الكبار، مثل الدول التي رُسمت وفق المصالح الدولية في وضع الخرائط وإعادة النظر بالكيانات. وهذا حصل في أماكن وأزمنةٍ عديدة في التاريخ والصراعات على الحدود والحقوق لا تزال قائمة حتى اليوم.
غير أن لبنان كان حاضرًا في طيّات الزمان، قبل أن تُعرض خرائط الشرق أمام الرئيس الأميركي وودرو ويلسن Woodrow Wilson، ورئيس وزراء بريطانيا لويد جورج Lloyd George ورئيس الحكومة الفرنسية جورج كليمنصو Georges Clemenceau في فرساي عام 1919 إثر انسحاب العثمانيين من الشرق.
كان هنالك من اهتدى إليه بحدّ ذاته، خارج صراعات الإمبراطوريات، واكتشف سرّه مع المكتشفين والرحّالة والمستشرقين والعلّماء والأدباء والمرسلين الذين ولجوا الشرق من بابه المضياف، ومع الذين انفتحوا على أوروبا مع الأمير فخر الدين والمعاهد التي أسّسها لبنانيون في روما وباريس، وقبل أن ينعقد في سبيل لبنان أول مؤتمٍر دولي خاص لمنطقة محدّدة، داخل الدولة العثمانية، نتج عنه إقامة نظام المتصرّفية عام 1861، والذي يمارس مبدأ التمثيل الشعبي منذ عام 1868 كأول تجربةٍ في الشرق.
لذا فإن مئة عامٍ على ولادة الكيان تحرّك تساؤلات عديدة في هذه الظروف بالذات، لأنها تطرح الموضوع الأساسي الذي لا بدّ من طرحه وهو: هل نجحت هذه التجربة؟ هل كانت فعل إرادة؟ هل إن لبنان هو تجربة متجدّدة كُتب عليها أن تتأقلم مع مختلف الظروف أيًا كانت؟
منذ منتصف القرن العشرين بدأت تظهر إشارات مقلقة تجلّت في التدخّلات الخارجية من جهة، وفي بعض الميل الداخلي للارتباط بأحد المحاور الخارجية من جهةٍ ثانية، وذلك خلافًا لما تضمّنته أحكام الميثاق الوطني لعام 1943، حين أعلن الرئيس رياض الصلح في البيان الوزاري لحكومة الاستقلال في 25 أيلول 1943: “إن إخواننا في الأقطار العربية لا يريدون للبنان إلّا ما يريده أبناؤه الأُباة الوطنيون، نحن لا نريده للاستعمار مستقَرًّا، وهم لا يريدونه للاستعمار ممرًّا، فنحن وهم إذًا نريده وطنًا عزيزًا مستقلًّا سيّدًا حرًّا”. وكانت هذه العوامل مجتمعة من أسباب ما عرف بأحداث 1958، إبان الصعود الطاغي للنهج الناصري، وتأثير الرئيس المصري (1952-1970) على معظم التوجّهات السياسية في الشرق العربي ومغربه ومنها لبنان وتوجّه الحكم اللبناني يومذاك في ظلّ رئاسة الرئيس كميل شمعون الارتباط بما عُرف يومذاك بحلف بغداد( ) وقد انتهت الأحداث يومذاك بمعالجةٍ داخلية-إقليمية تمثّلت عام 1959 باتّفاق الرئيس فؤاد شهاب والرئيس جمال عبد الناصر الذي تفهّم الخصوصية اللبنانية وسعى إلى حمايتها. وهو من موجبات أي حكمٍ عربي يعتبر أن التجربة اللبنانية هي ثراءٌ للعروبة. وعرف لبنان بعد ذلك الحقبة الأكثر تعبيرًا عن إمكانية نجاح تجربته، التي امتدّت منذ نهاية الخمسينات وحتى آخر ستينات القرن الماضي، تاريخ توقيع اتّفاق القاهرة في خريف 1969 بين الدولة اللبنانية ومنظّمة التحرير الفلسطينية والتي أسهمت في التأسيس للحروب الجديدة.
بعد حوالي ستين عامًا على ذلك التاريخ، عاد الارتباط بأحد المحاور هو الطرح وهو المشكلة، عبر مكوّنٍ يعلن جهارًا الارتباط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية تمويلًا وتسليحًا وسياسةً.
كان هنالك إسرائيل بالطبع ولا تزال. كون لبنان لم يعش سوى خمس سنوات فقط من دون جوارها المعادي، ما بين استقلاله عام 1943 وقيامها عام 1948. ووجد لبنان نفسه يدفع في البدء ثمنًا كبيرًا مع النزوح الفلسطيني البشري في عام 1948 ثم ثمنًا أقسى وأشد بعد عام 1967 مع الحضور الفلسطيني المسلّح في الجنوب ثم في أجزاءٍ لبنانية أخرى، واصطفافات لبنانية مهمّة معه قادت كلّها إلى انفجار الحروب واستمرارها ما بين 1975 و1990، لتحضر على الصعيدَين الإقليمي والدولي كقضيّةٍ مأسوية حادة لم تجد المصالح الكبرى نفسها ملتقيةً لكي تضع حدًّا للقتال والتدمير والتهجير معها، إلّا في خريف 1989.
منذ مئة عامٍ على ذلك التاريخ في الأول من أيلول 1920، الصورة في الذاكرة لذلك المشهد على درج قصر الصنوبر في بيروت: المفوّض السامي هنري غورو جالسًا بين البطريرك الياس الحويّك والمفتي مصطفى نجا. هل كانت تلك الصورة كافية لإعلان نشوء الكيان؟ مفوّض سلطة الانتداب بين رمزَين للطائفتين الأساسيتين المارونية والسنّية، واللتين اختصرتا مجمل التمثيل الطائفي في لبنان برضا الجميع يومذاك أو من دون رضاهم.
ولكن لو تسنّى اليوم استعادة مشهدٍ مماثل فهل كان ليجلس على ذلك الدرج أو على أي درجٍ تاريخي مستحدث أقل من عشرين شخصية روحية؟ ذلك أن الوفاق الأساسي المقصود، بين ممثّلي الطائفتين ثم الطوائف، تدرّج من الطوائف والوفاق إلى صيغةٍ سياسة تمّت ترجمتها بنظامٍ برلماني خاص لا يشبه في ممارساته أيٍ من الأنظمة البرلمانية في العالم. لأنه انطلق من التكوين الطائفي ومن التسليم بإبقاء الطائفية كصيغةٍ موقّتة يتوق الجميع إلى الانعتاق منها، كما ورد في خطاب الاستقلال السابق ذكره للرئيس رياض الصلح عندما قال: “إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان. وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله”. وذلك قبل أن تتحوّل الطائفية والوفاق إلى مجموعات حصصٍ وولاءات غذّتها الزعامات القديمة والمستحدثة والتوريث العائلي، بمطالبات جديدة كبّلت المسيرة الوطنية، وجعلت الكيانات الخاصة للقيادات السياسية تعلو على مصلحة الكيان الوطني.
تلك هي المشكلة لو تمّ اختصارها: لبنان السياسي هو مجموعة قيادات يحرص كلٌّ منها على كيانه الشخصي بأي ثمنٍ كان، بأي اعتبارٍ كان، وبأية وسيلةٍ كانت، حتى لو مدّت الأيدي إلى الخارج ولو كان ذلك على حساب الكيان الوطني والمصلحة الوطنية.
لبنان الآخر هو شأنٌ آخر. لبنان الإنسان والفكر والعلّم والعطاء والانفتاح والإبداع والتفوّق، لا علاقة له بالشأن السياسي. لأنه لم يتسنَّ لأي ممثّلٍ من هؤلاء، إلّا في ما ندر، أن يصل إلى مركزٍ من مراكز القرار.
لذا تحوّلت السياسة في لبنان إلى مهنةٍ قائمة بذاتها. لها أصولها وقواعدها وإشاراتها وحُسن معرفة الدخول إليها. ليس لأن أساسها عدم الاهتمام بالمصلحة العامة، بل تمرير هذه المصلحة من خلال مصالح من يتّخذ القرار، من دون أي اعتبارٍ للإخلاص، كما نبّه إليه اللبنانيين ذات يوم الجنرال شارل ديغول حين دعاهم في حفل اليسوعية عام 1931 إلى التحلّي بما سمّاه الـ”dévouement” في سبيل الشأن العام. وبالرغم من أن السياسة غريبة عن البراءة في كلّ مكانٍ وزمان، مذ قال ذلك الثائر الفرنسي سانت جوست Saint Just للملك التعس لويس السادس عشر أثناء محاكمته عام 1793 “ليس من براءةٍ في السياسة”، إلّا أن الدول تقدّمت عندما جعلت الولاء الوطني يعلو على الولاءات الأخرى، فتسنّى لها أن تحاسب. لأن لبنان ليس البلد الوحيد في العالم المتنوّع في تكوينه البشري، وإن كانت تجربته فريدة. فهنالك دولٌ تشبهه حصّنت نفسها وأصبحت في المقدّمة بالرغم من اختلافاتها العرقية. فالقادة فيها انحنوا، جميعهم، أمام علَم البلد الواحد الموحّد، ليس فقط لما يرمز إليه من وحدةٍ وولاءٍ وطني، بل لأنه العلّم الوحيد الذي يُفترض أن يُرفع. وهذا لم يحصل بعد في لبنان. بلد غابات الأعلام حيث لكلّ فريقٍ علَمه ولونه، حيث لكلّ زعيمٍ حتى ولو كان محلّيًا حزبه ولونه وعلَمه، وحيث لكلّ قياديٍ مذهبيٍ أو طائفيٍ جماعته وعلَمه ولونه.
من غابات الألوان تلك أي لبنان هو بعد مئة عام. من حروب الإقليم والصراعات العربية-الإسرائيلية-الفلسطينية أي لبنان بقي وصمد. هل فشلت التجربة؟ ولكن بالمقابل هل هنالك غيرها. ولماذا تفاقمت الأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشية من دون أن يكون هناك قدرة للمسؤولين على إيجاد الحلول لها، الحلول لأبسطها، بالرغم من أن الدول الصديقة مدّت إلينا يد العون.
هذا الكتاب لا يهدف فقط إلى التشخيص، بل إلى محاولة رسم الحلول بقدر ما وفّرته التجارب، تجارب لبنان وتجارب الآخرين، من أمثولات. فلعل لبنان في النتيجة قد دفع ثمن التنوّع البشري فيه. التنوّع له أفضال فتح النوافذ على الخارج، ولكنه بالمقابل قد يوصد الأبواب في الداخل، حين لا يؤخذ بالاعتبار وجود الآخر. فالآخر هو كلّ القضيّة. ولعل لبنان وطنٌ غير مكتمل، ولعلّه لا يكتمل ويحقّق قضيّته، لا بل رسالته، إلّا عندما يصبح الآخر محفورًا في النفوس، إذّاك تتّجه الوجوه كلّها إلى الداخل، ويصبح الميثاق والوفاق والاعتدال قيمًا تسمو على تحاصص أهل السلطة.
هكذا تتوزّع فصول هذا الكتاب، ليس فقط على مرتكزات الكيان، بل على تشوّهاته، وعلى الظروف الموضوعية لطرق عمله، لإمكانية نجاحه، ولإقفال أبواب العبث فيه. من الهويّة الواحدة المفترضة إلى التوجّهات المشتّتة. من غياب الرؤية والقضيّة الواحدة لدى المسؤولين، إلى تقصير الآخرين في وجوب حماية تجربةٍ رائدة وغنيّة يحتاجها الشرق والغرب معًا.
فكيف لهذه التجربة أن تُحمى وتستمرّ؟ وقبل كلّ ذلك أين هو اللبناني ومن هو؟

*داود الصايغ دكتور دولة في الحقوق من جامعة السوربون، وصاحب نشاطات متعددة في الحقل العام. صدر له عن دار النهار: النظام اللبناني في ثوابته وتحولاته (2000)، لبنان والعالم بين الدور والضرورة (2002) لبنان ثورة الحرية الدائمة (2011)، ومن بين لبنان وسوريا (2012)، وعن دار سائر المشرق: وجه لبنان في عواصف الشرق (2018).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات