Search
728 x 90

بكركي وبعبدا : توتر يقود الى المعركة “الأخرى” ؟

بكركي وبعبدا : توتر يقود الى المعركة “الأخرى” ؟

لا يمكن تجاهل التداعيات التي تركتها مواقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الحادة المتعاقبة التي اطلقها غداة انهيار المحاولة الأخيرة لتأليف الحكومة الجديدة. ولا يمكن تجاهل دعوة البابا فرنسيس للزعماء السياسيين والدينيين اللبنانيين الى التفاني في خدمة شعبهم لا مصالحهم الخاصة. فإلى اين يقود التوتر بين بكركي وبعبدا؟

مع ان الكثير من الأوساط اللبنانية السياسية والدينية المعنية عن قرب بعلاقة الكنيسة المارونية مع العهد العوني تدرك ان البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي لا يذهب في علاقته مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ابعد من تسجيل موقف علني انتقادي لكل الطبقة السياسية الحاكمة لا يخصص عون وحده به ، فإن التطورات السلبية التي واكبت تعثر تأليف الحكومة الجديدة عشية عيد الميلاد شكلت تطوراً مختلفاً عن السابق في علاقة العهد ببكركي وعبرها بالكنيسة المسيحية عموماً . اذ لا يمكن تجاهل التداعيات التي تركتها مواقف الراعي الحادة المتعاقبة التي اطلقها غداة انهيار المحاولة الأخيرة لتأليف الحكومة الجديدة بعد فشل الاجتماعين الثالث عشر والرابع عشر بين الرئيس عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري منذ تكليف الأخير تشكيل الحكومة علماً ان مواقف الراعي في مناسبة عيد الميلاد بلغت في انتقاداته للطبقة الحاكمة والطبقة السياسية حدوداً غير مسبوقة في التقريع والتأنيب واللوم .
ولكن ما يحتم الإضاءة على علاقة بكركي برئيس الجمهورية من الآن فصاعداً ليس فقط غضب البطريرك الماروني الواضح من اخفاق المسعى الذي قام به الأسبوع الماضي لحضّ عون والحريري على تأليف حكومة اختصاصيين غير سياسيين حتى لو تجاهلا كل القوى السياسية وانما التوتر المكتوم والصامت بين عون وفريقه السياسي والبطريرك بعدما تبين للفريق الرئاسي ان الراعي بدا مقتنعاً وربما منحازاً الى وجهة نظر الحريري من تأليف الحكومة كما وضعها ومن بينها أسماء لامعة في الاختصاصات المختلفة.
ولا بد من التذكير هنا ان البطريرك الراعي وغداة استقباله الرئيس الحريري في بكركي الأسبوع الماضي واطلاعه منه على تشكيلته الحكومية التي رفضها الرئيس عون، اعلن مواقف بدت متماهية تماماً مع موقف الحريري ولا سيما منها تحديداً رفض الثلث المعطل لأي فريق والإصرار على حكومة اختصاصيين غير سياسيين وغير ممثلين لقوى سياسية .
ومع ان انتقاداته الحادة في رسالة الميلاد وفي قداس العيد لم توفر أحداً في الظاهر الشكلي والمحتوى السياسي فإن اعتذار عون للمرة الأولى عن حضور قداس الميلاد ولو بذريعة جائحة كورونا، أرخى ذيولاً وغمامات على علاقة الرئاسة ببكركي ولو حاولت بعبدا نفي أي بعد غير السبب الوبائي لغياب عون عن القداس التقليدي في الميلاد . اذ ان الراعي نادى بوضوح يوم عيد الميلاد بالتغيير السياسي الشامل كما يطلب الشعب ولم يميز أحداً.
كما ان الامر الأهم الذي محض مواقف الراعي صدقية وقوة إضافية تمثل في الرسالة التي وجهها في اليوم نفسه البابا فرنسيس الى اللبنانيين عبر البطريرك الراعي قبل ان يعلنها البابا بنفسه بعد يوم من الفاتيكان، وهي تتضمن بدورها دعوة معبّرة للزعماء السياسيين والدينيين اللبنانيين الى التفاني في خدمة شعبهم لا مصالحهم الخاصة كما تضمنت اعلان البابا عزمه على زيارة لبنان في اقرب فرصة.
هذا التطور وفّر لبكركي تسلحاً نافذاً قوياً بأقوى حليف ديني وزمني ومعنوي هو الفاتيكان ولو ان بعضهم يتساءل عما يمكن للفاتيكان ان يقوم به بأكثر مما فعلت فرنسا مثلا ؟
والحال ان السؤال يبدو مشروعاً لكن الفارق هنا هو الوقع المعنوي القوي لمواقف الكنيسة المارونية على الرئاسة المارونية أولا ومن ثم بدء انخراط الأجواء الخلفية للزعامات المارونية والمسيحية في آفاق معركة رئاسة الجمهورية، الامر الذي سيعيد قريباً بكركي موقعاً مؤثراً في اجتذاب القوى السياسية ومراجعها على غرار ما حصل قبل انتخاب الرئيس عون بالذات حيث اتفق الزعماء الموارنة الأساسيون آنذاك على دعم وصول ما سمي المرشح القوّي، أي واحد منهم وهم عون والرئيس امين الجميل والدكتور سمير جعجع وسليمان فرنجية.
في أي حال فإن خلفية المعركة الرئاسية تقدمت بشكل ملحوظ الى ساحة الصراع الدائر حالياً حول الاستحقاق الحكومي وذلك من خلال تقاطع او التقاء الزعيمين اللدودين جعجع وفرنجية على موقف يدعو عون الى التنحي المبكر عن الرئاسة بداعي فشل عهده فشلاً كارثياً. وهو موقف لم يصل اليه بعد البطريرك الراعي ويستبعد تماماً ان يبلغ سقفه اقله في المرحلة الحالية.
ولكن الاستمرار في النزف الكبير وعدم اظهار العهد قدرته على التفوق على مصالح فريقه السياسي الذي يمسك بقراره صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل كما إظهاره العجز عن التفلت من اجندة حليفه حزب الله الذي يسترهن الحكومة الجديدة في حسابات ايران مع الإدارة الأميركية المنتخبة، كل هذا يدفع الى طرح الإشكالية الكبيرة التي بدأت تتنامى بين بعبدا وبكركي ولو على وتيرة مدّ وجذر لا تخفى معه معالم التوتر التي تطبع هذه العلاقة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات