Search
728 x 90

بعض لبنان وبعض روسيا: الخيارات الانتحارية!

بعض لبنان وبعض روسيا: الخيارات الانتحارية!

لبنان في صلب محاذير كيانيّة بدأت تغتال هويته. وهي ليست بتهديدٍ في اللجوء والنزوح، بل إن من افتعلها دوليّاً واقليميّاً ووطنيّاً يعني بها عكس المتوخّى لأغراض تخدم مصالحه. فلبنان مسيحي ومسلم، وليس فيه، لا اقليات تحتاج للحماية ولا اكثريات تفتعل التخويف. ومسيحيّوه ومسلموه – ويهوده المتبقّون – مدعوّون لوقف الانهيار ذات سِمة التحالف الموضوعي مع أنساق المرض الأقلوي أو الانتفاخ الأكثري.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللاجئين

من يحدّد مصلحة لبنان العُليا في ظِلّ عدم هندسة منظومة أمن قومي تجعل خيارات الدولة ومواطنيها أولويّة أكثر منه التحاقاً بهذا المِحور أو ذاك؟ ومن يحدّد مسار هذه الخيارات في ظِلّ انعدام وزن المؤسسات الدستورية، وإشارتي الى البُنية المترهّلة لحوكمة هذه المؤسسات أكثر منه في من هو على رأسها؟ سقطت في العالم في الخمسين عاماً الأخيرة مقولة الزعيم أو القويّ. الأنساق المستدامة للسياسات العامة وحدها كفيلة بحماية الدولة، أي دولة، خصوصاً إن كانت على مِثال لبنان في إقليمٍ شديد التفجّر.

بطبيعة الحال، ما نحن مقبِلون عليه يتبدّى شديد الخطورة، إن لم نقُل أننا أمسينا في صلب محاذير كيانيّة بدأت تغتال هوية لبنان. ليست هذه المحاذير، وكما يُصرّ البعض، على توصيفها قسراً بتهديدٍ في اللجوء والنزوح، وفي هذا تعميةٌ على المخاطر الحقيقية، ليست هذه المحاذير قائمةً سوى في الانتساب الى مفاهيم مشوّهة، بل على قدرٍ من الخبث التنظيري، والانسياق في صيرورة تسويق هذه المفاهيم فيما هي ليست من الحقيقة بمكان. بل إن من افتعلها بدهاءٍ انتهازي دوليّاً واقليميّاً ووطنيّاً يعني بها عكس المتوخّى لأغراض تخدم مصالحه المافوق تاريخنا وجغرافيّتنا وهويّتنا.

قد يعتبر البعض أن الصراع السياسي يحتمل نحر المرتكزات الحضارية لأي وطن – شعب، أو دولة – دَور، بما يعني الانقضاض على ما حَكَم مصير هاتين المعادلتين اللّتين ذكرنا، وفرضَ ما ليس سوى من قبيل الإمعان في الهروب الى الأمام، أو ممارسة سياسة حافة الهاوية. في الهروب وحافة الهاوية شراءٌ مؤقتٌ لستاتيكو لن يلبث إلا وأن ينهار على مختاريه. النماذج الجيوبوليتيكة خصوصاً في الشرق الأوسط كثيرة على ستاتيكويات مزيّفة، لا يمكن أن نُحيّد فيها سوى الأردن، إذ إن الحكمة الهاشمية فيه تستأهل مقاربة علميّة، وتستدعي التفكّر في نموذجيّة قدرتها على صياغة منظومة أمنٍ قوميّ متماسكة، رغم كل ما يواجهه الأردن من حوله.

مفاد ما نعايشه تظهّر في عودةٍ مهتزّة لخياراتٍ ذات صلة وثيقة بقناعات زُرِعت عندنا في لبنان، ولم تكُن يوماً من أدبيّاتنا، وكأنّنا لم نتّعظ أيضاً من خياراتٍ اعتمدتها روسيا في سوريا تحديداً ولم تزل، في حين أن القناعات المزروعة والخيارات المعتمدة لن تؤدّي سوى الى تداعياتٍ كارثيّة. لست في وارد تحييد الولايات الاميركية المتحدة أو أوروبا في اتحادها أو دولها فُرادى من مسؤولية هذه التداعيات، لكن ما يعنيني بدايةً أن نفهم التمايز الموجب بين فِعل ورَدّة فِعل، وبين انخراط في معسكر أو التموضع في حيادٍ عن أيّ من المعسكرات المتناحرة، وهنا بيت القصيد.

1- روسيا: دَعم ديكتاتوريّات وثيوقراطيّات!

سعيُ روسيا الى الشرق الأوسط ليس دينيّاً بهدف حماية المسيحييّن. وليس عقائديّاً سياسيّاً بهدف تعميم نسَقِ في الحُكم على غرار ما تقوم به الليبراليّة الغربيّة. سعيُ روسيا اقتصادي – نفطي محسوم الوجهة. أما ما ينبثق عنه ممّا سبق، فليس غير أكسسواراتٍ مصلحية. كيف يمكن لمسيحيّي روسيا أن يقتبلوا بأن تدخّل جيشهم في سوريا “حربٌ مقدّسة” على ما أعلتنه كنيسة روسيا منذ سنواتٍ أربع؟ لم أقرأ في أيّ من اللاهوت الارثوذكسي الروسي، أو اليوناني أو الانطاكي تعبيراً مماثلاً. الكنيسة الكاثوليكيّة تابت وطلبت المغفرة عن الحروب الصليبيّة.

روسيا اختارت منطق حِلف الاقليّات في الشرق الأوسط، وهي منسابة في سياقاتِ تغذيته. واضحٌ انحيازها للخيار الاسرائيلي الأقلوي والناشد حمايات من أدنى الأرض الى أقاصيها. الدولة اليهودية ماذا يميّز عنها جهاديّات مؤدلجة دينيّاً هنا وهناك؟

2- لبنان بمسيحيّيه: لا للأقلوية ولا للحماية!

لبنان مسيحيٌّ – اسلاميّ، وبعضٌ من يهوده الذين يعارضون توجّهات اسرائيل العدوانيّة لم يغادروا لبنان. الميثاق – الصيغة منذ (1943) أكّد على أن ليس في لبنان أقلّيات وأكثريّات. وبشعار “لا شرق / لا غرب” تمّ نفي أي إمكان استدراج حمايات. أمّا افتعال التخويف في مشهديّاتٍ من زمن (1860)، وتجاوز نهائية العيش معاً في ما تضمّنه اتفاق الطائف، وما رسّخته مصالحة الجبل (2001) باستعادة خطابٍ فئوي لتبرير تبوؤ مواقع رجراجة، كلّ ذلك ينمّ عن جهل وتجاهل الروح الذي يقوم عليه لبنان – الرسالة.

مسيحيّو لبنان ومسلموه – ويهوده المتبقّون – مدعوّون لوقف الانهيار ذات سِمة التحالف الموضوعي مع أنساق المرض الأقلوي أو الانتفاخ الأكثري.

*****************************

رحِم الله الخوري الرؤيويّ والمتجذّر بمارونيته ميشال العويط … ومن قبله الأب العلّامة يواكيم مبارك والأب الهادِر بالحقيقة ميشال الحايك… هؤلاء من عليائهم يمثّلون النور في زمن الظلمة الانتحاريّة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات