Search
728 x 90

بعد 100 عام… لبنان الى اين؟

بعد 100 عام… لبنان الى اين؟

تزامنت المئوية الاولى لإعلان لبنان الكبير مع حدث مفصلي شكله انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، تاركاً البلد مشلعاً ومتوّجاً انهياراً اقتصادياً ومالياً غير مسبوق في عمره.
سؤال اساسي اثير، ولا سيما من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي هرع لإنقاذ لبنان المهدد بالإختفاء بحسب تعبير وزير خارجيته جان ايف لودريان: لبنان الى اين؟
اين هي جغرافية الوطن من التجاذبات الاقليمية؟ اين لبنان من قابلية طرح الدولة المدنية التي طالب بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون؟ومن صيغة الـ 43 التي اعلن المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان انتهاءها؟ ومن الغاء الطائفية السياسية التي نص عليها اتفاق الطائف العام 1989؟ وهل لها اي علاقة بالعقد الاجتماعي الجديد الذي تكلم عليه ماكرون في زيارته الاولى الى لبنان والذي ابدى حزب الله استعداده لمناقشته؟
الخبير في القانون الدستوري والدولي د. شفيق المصري والباحث في الشؤون الجيوسياسية د. نبيل خليفه يفنّدان لموقع beirutinsights هذه النقاط.

على حدود الخطر الدائم

“يعيش لبنان على حدود الخطر الدائم”.
القول لميشال شيحا، واضع دستور استقلال لبنان عام 1926 بالتعاون مع بترو طراد وعمر الداعوق.
والخطر الدائم هذا يستمر منذ 100 عام… وتزيد حدّته مع احتدام الاوضاع الاقليمية المؤثرة مباشرة عليه والمتداخلة مع اوضاعه الداخلية التي تشكل اكثر من ذراع لها.
فقيام كيان لبنان منذ 100 عام، برأي الباحث في الشؤون الجيوسياسية د. نبيل خليفه، لم يرق لجهات داخلية عدة، كما خارجية ولا سيما اقليمية منها، لأنه شكل في الوقت نفسه نقضاً لسوريا الكبرى ولاسرائيل الكبرى، مما جعل من مشكلة لبنان مشكلة وجودية. فتعتبر الدولتان ان قيام لبنان خطأ جغرافي وتاريخي كما تقول الدبلوماسية الفرنسية Élisabeth Picard… وعلى هذا الخطأ ان يصحح، والتصحيح يقول بإلغائه.


خليفه يستشهد بالكاتب Jean Gottmann ، وبكتابه la politique des États et leur géographie حين قال ان لبنان هو “بلد – حاجز” État-tampon بين اسرائيل وسوريا اللتين سعيتا وتسعيان للإستئثار بمصالحه وثرواته او السيطرة على جزء منه او عليه كاملاً. والدليل على ذلك الخطوات الاسرائيلية العدائية المتواصلة، ناهيك عن الرفض السوري لترسيم الحدود الذي ينبع من رفض الاعتراف بالكيان اللبناني، وفق تعريف عالم الجغرافيا Michel Foucher للدولة التي ترفض ترسيم حدودها المشتركة مع دولة مجاورة.
وكون لبنان “بلداً – حاجزاً” يفسّر التطورات الامنية والسياسية التي شهدها الوطن الصغير منذ يوم استقلاله الى اليوم الذي بات فيه محشوراً في الزاوية. امامه خيارات معدودة: إما الانهيار والاندثار، وإما محاولة لملمة ما تبقى من الوطن عبر طروحات مستجدة، كان آخرها مطالبة رئيس الجمهورية بالدولة المدنية، وعرض الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بـ”عقد اجتماعي جديد” وابداء الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله انفتاح الحزب على مناقشة الاقتراح الفرنسي شرط أن يكون “بإرادة ورضى مختلف الفئات اللبنانية”. تضاف الى ذلك مطالبة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بحياد لبنان كحلّ لمشكلاته.
فأي من هذه الطروحات قابل للحياة والتنفيذ؟

الصيغة او الميثاق

بعد مئة عام على وجود لبنان بحدوده الراهنة ومساحة الـ 10452 كلم2 اثر ضمّ ولاية بيروت مع اقضيتها وتوابعها (صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار ) والبقاع مع اقضيته الأربعة ( بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا )، مخطئ من يعتقد ان اعلان لبنان الكبير او الانتداب الفرنسي هما من ارسيا طائفية الدولة عبر صيغة 43 او ما يعرف بالميثاق الوطني بعد الاستقلال بتقاسم السلطات طائفياً عرفاً، اي رئاسة الجمهورية للموارنة، والحكومة للسّنة والمجلس النيابي للشيعة.
فالرئيس اللبناني الاول شارل دباس (1 ايلول 1926) بعد اعلان لبنان الكبير، كان ارثوذكسياً وتولى في ما بعد رئاستي مجلس النواب والحكومة. وعمل فريق من النواب الموارنة قبيل انتهاء ولايته العام 1932 على التسويق لانتخاب الشيخ محمد الجسر خلفاً له، في اعقاب طرح اسمه (ورقة انتخاب وحيدة) خلال جلسة التجديد لدباس العام 1929.
ومن ثم اتى حبيب باشا السعد الذي كان رئيساً للبنان وتولى في فترات مختلفة رئاستي مجلس النواب والحكومة، كما الفرد نقاش وايوب تابت اللذان توليا رئاستي الجمهورية والحكومة، والارثوذكسي بترو طراد الذي تولى رائستي الجمهورية والمجلس النيابي.


فالعرف المعروف بصيغة الـ 43 مخالف للدستور الذي لم ينص ابداً على الطائفية، برأي الخبير في القانون الدستوري والدولي د. شفيق المصري، اذ ان البيان الوزاري الاول في عهد الاستقلال (8 -11-1943) نص على: ” ان الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان”، مع الإشارة الى القول “الغاء الطائفية” عموماً وليس “الطائفية السياسية” وحدها.
لذا، تأتي مطالبة رئيس الجمهورية بـ “الدولة المدنية” لتنحصر بقوانين الأحوال الشخصية فقط، وفق المصري، ولا علاقة لها بالطائفية السياسية التي لا يأتي الدستور ابداً على ذكرها. فالمادة السابعة منه تنص على ” ان كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم”.
صحيح ان هناك التباساً بين الدولة المدنية والدولة العلمانية، يقول المصري، الا ان الدستور اللبناني ينص على ان معظم الدولة مدنيّة لأن معظم تشريعاتها مدنيّة باستثناء قوانين الاحوال الشخصية الطائفية والمحاكم الخاصة بها.
فالدولة المدنيّة المقصودة اخيراً برأي المصري، تنحصر بوضع قانون مدني للأحوال الشخصية (الزواج، الارث، الوصية، التبنّي… ) وبمحاكم مدنية متعلقة بها، وليس فقط بالزواج المدني، بحيث يكون الحل بتشريع مدني موحد لكل الاحوال الشخصية والغاء الاجهزة الطائفية.
من جهته، يعتبر الباحث نبيل خليفه ان المطالبة بالدولة المدنيّة هو لعب على الكلام ومحاولة لتخفيف مفهوم العلمانية، ومنعاً للمطالبة بها. فإما المطلوب دولة علمانية laïque او دولة متعلقة بالدين hiératique . فالإسلام يرفض الدولة العلمانية، ولا سيما ايدولوجية الطائفة الشيعية التي تنطلق من منظومة دينية لرؤيتها لمفهوم الدولة.
فكيف نطالب بدولة مدنية – يقول خليفه- والطائفة الاسلامية عموماً ترفضها. فسيّد الطائفة الشيعية الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وباعترافه، ينتمي الى ولاية الفقيه، اي الى ولاية دينية. وكأنها محاولة وضع مفهوم مدني لرؤية دينية في الاساس.
ثم اذا كانت الدولة المدنية ستشمل المفهوم السياسي لها، فهي تحمل مخاطر جمّة، وفق ما اكدت مراجع متابعة للوضع اللبناني، قائلة ان وجود فريق سياسي مسلّح – هو حزب الله – يجرّد هذا المفهوم من معناه نظراً الى انه يكرّس تفوّق فريق على آخر… ناهيك عن انه ينقض مقدمة الدستور اللبناني التي تنص الفقرة “ب” منها على ” ان لبنان عربي الهوية والانتماء”… وليس فارسيّ الهوى.
عقد اجتماعي جديد؟
هل يكون الحل اذاً بـ “عقد اجتماعي جديد”، كما قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في زيارته الاولى الى لبنان، اي ان يتم ايجاد عقد جديد يفصل بين ما يفرضه الدين وما تفرضه الدنيا والسياسة؟
المطلوب اولاً توحيد النظرة الى “اي لبنان نريد” يقول الدكتور خليفه، مستعيناً بعبارة
المفكر والسياسي اللبناني شارل مالك الذي كان يقول “قبل ان تتكلم عن لبنان يجب ان تتكلم عن النظرة الى لبنان في ذاته”.
فهل لبنان جزء من الأمة العربية ام الاسلامية، من الغرب ام من الشرق؟ اهو كيان مستقل ام تابع؟ علماً ان الامين العام لحزب الله شدد منذ فترة وجيزة على ان لبنان يجب ان يتجه شرقاً.
ثم هل يعني الاتفاق الاجتماعي الجديد العتيد نهاية الطائف الذي سبق ونعاه اكثر من فريق، مع الإشارة ان غالبيته لم تطبق، لا لجهة الغاء الطائفية السياسية، ولا تنظيم انتخابات نيابية بعيداً عن القيد الطائفي، ولا انشاء مجلس شيوخ.
فتبدو المطالبة هنا بالعقد الاجتماعي الجديد اشبه بمناورة سياسية تهدف الى حرف الانظار عن مخاطر اخرى داهمة، لعل ابرزها الوضعان المالي والمعيشي.

حياد او تحييد؟

ويأتي هنا دور مبدأ الحياد الذي تكلم عليه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.
فهل المطلوب الحياد ام التحييد La neutralité ou la neutralisation ، يقول د. خليفه. فالاول يعني الحياد بإرادة شعبية طوعية (وفق المثال السويسري) والثاني يأتي مفروضاً على الدولة (وفق المثال النمساوي) لتفادي اي تهديدات للأمن الاقليمي او الدولي.
وكيف يكون الحياد طوعاً فيما جزء مهم من الشعب اللبناني يجاهر بانتمائه الايراني والسوري، وهو يستطيع فرض رأيه بقوة سلاحه، وفيما اسرائيل على الباب تنتهك السيادة اللبنانية يومياً، وفيما لبنان يشكل ساحة صراع اقليمي تفترض التدخل الخارجي، اكان غربياً ام عربياً، لحل مشاكله في كل مرة.
والسنوات الاخيرة خير مثال على ذلك، اكان عبر اتفاق الطائف (السعودية) ام الدوحة (قطر) ام اليوم تدخّل باريس لمحاولة ايجاد حل لأزمة حكومية مستفحلة، علماً ان نائب وزير الخارجية الروسية المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوغدانوف شدد على أهمية إبقاء لبنان بعيداً عن أي تدخّل أجنبي، وحثّ على عقد طاولة حوار في بعبدا بهدف الحفاظ على الأمن والسلام في البلد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات