Search
728 x 90

بعد الحب، الدفء في قمة هانوي… والآتي مجهول

بعد الحب، الدفء في قمة هانوي… والآتي مجهول

يكشف فشل قمة هانوي بين الزعيمين الاميركي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم جونغ اون هشاشة رفع سقف التوقعات غير الواقعية بين الخصمين اللدودين لعقود مرت. فما هي اسباب الفشل وهل يمكن التوصل الى اتفاق ثنائي بينهما في قمة ثالثة، او التعويل على لقاء ثالث بينهما؟

من الحب، الى الدفء، تراجعت العلاقة بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب ونظيره الكوري الشمالي كيم جونغ اون في اعقاب فشل قمة هانوي بينهما، وهي القمة الثانية التي جمعتهما والتي كان ترامب يعوّل عليها لتحويل النظر عن المأزق السياسي الذي يواجهه في اميركا، وآخر فصوله شهادة محاميه السابق مايكل كوهين أمام الكونغرس التي تدينه بشدة.

فبعدما كان جاهر ترامب امام حشد من أنصاره في وست فيرجينيا اثر القمة الاولى بين الزعيمين، بأنهما “وقعا في الحب”، تكفّلت قمة هانوي المختصرة بانحسار العلاقة بينهما في اعقاب اللغط حول الشروط الكورية الشمالية بإلغاء كامل العقوبات الاميركية على بيونغ يانغ ، او جزء منها كما عرضت واشنطن، قبل قيام هذه الاخيرة بوقف كل نشاطاتها النووية وتجميد كامل لبرامجها لأسلحة الدمار الشامل.

فلم تجدِ نفعاً، لا الساعات العشرين التي امضاها ترامب في الطائرة، ولا اليومين والنصف اللذين امضاهما كيم جونغ اون في القطار قبل الوصول الى هانوي.

الازمة بين الطرفين، يقول متابعون غربيون للملف الكوري الشمالي، بدأت من اعتبار الرئيس الاميركي ان الكاريسما الشخصية التي يتمتع بها ستحل محل فريق كامل من الاختصاصيين العسكريين يتولون عادة تحضير ارضية اي اتفاق من هذا الحجم بين دولتين ووضع خطوطه العريضة، بحيث يأتي الرئيسان ليشرّعا ما تم الاتفاق عليه بعد اشهر من التفاوض- وهذا ما لم يحصل قبل هانوي. ويستذكر المتابعون الغربيون كيف ان القمة الاولى بين الزعيمين تمت في غياب اي وفد من الجهتين بحيث ان فريقي عمل البيت الابيض والخارجية المقربين من ترامب لم يطّلعا على ادنى تفصيل في اللقاء بينهما.

وذهبت الثقة الاميركية الى حد تضمّن برنامج القمة “حفل توقيع اتفاق مشترك” وغداء عمل كان تم التحضير له مسبقاً، وتم الغاؤه في ما بعد.

من هنا، ربما وللمرات النادرة في عهد ترامب، رفعت وسائل الاعلام الاميركية سقف توقعاتها من هذه القمة، اذ توقع بعضها- ولا سيما الداعم لترامب- صدور ” اعلان هدنة” شبيه بالاعلان السياسي لإنهاء الحرب الكورية (اوائل الخمسينيات) من دون توقيع معاهدة سلام شامل، او تعهد الزعيم الكوري الشمالي بتدمير مجمع “يونغبيون” النووي الكوري الشمالي، والذي يمثل ركيزة البرنامج النووي لبلاده والذي سبق ان وعد بإلغائه في مفاوضات العام 2007 مع مجموعة الست. ومما زاد في نسبة التفاؤل اعلان ترامب الغاء المناورات العسكرية الاميركية الكورية- الجنوبية الواسعة “العزم الرئيسي” و”فرخ النسر” واستبدالها بتدريبات “دونغ مينغ” المحدودة وبـ” فرخ النسر” المبرمجة على مدى سنة، وذلك رغم تأكيد الرئيس الاميركي انه لم يبحث هذه التدريبات مع نظيره الكوري الشمالي، وان الغاءها تم “لأنها تكلف الكثير من المال”.

وذهب بعض وسائل الاعلام هذه في تفاؤله الى حد اجراء دراسات عن سبل النهوض بالاقتصاد الكوري الشمالي على مثال الاقتصاد الفييتنامي… بعد توقيع اتفاق ثنائي بين البلدين.

وفيما سارع ترامب الى اختصار القمة وانهائها قبل ساعتين من موعد ختامها الرسمي بعدما لمس تصلباً كورياً شمالياً، قال ” ان الأمر كله يتعلّق بالعقوبات. أراد الكوريون الشماليون رفع كل العقوبات ونحن لا يمكننا فعل ذلك”، مما استدعى رداً سريعاً من وزير الخارجية الكورية الشمالية ري يونغ في مؤتمر صحافي نادر عند منتصف الليل في هانوي، اذ قال ان “بلاده لم تطلب سوى رفع جزئي للعقوبات التي تتصل بمصادر معيشة الناس، لا تلك العسكرية”. واضاف:” اذا رفعت الولايات المتحدة جزئياً العقوبات التي تعرقل الاقتصاد المدني ووسائل عيش شعبنا، سنفكّك بشكل دائم وتام منشآت الانتاج النووي في يونغبيون، في حضور خبراء أميركيين.” وحدد أنه من أصل مجموع عقوبات الأمم المتحدة الإحدى عشرة، أرادت بيونغ يانغ رفع العقوبات الخمس التي فُرضت في الفترة بين عامي 2016 و2017 – ولا سيما الأجزاء التي لها تأثير على “معيشة الناس” و”الاقتصاد المدني”، وهي تشمل الحد من واردات كوريا الشمالية من النفط الخام والواردات النفطية المكررة وفرض حظر على تصدير الفحم والحديد والرصاص والمأكولات البحرية والمنسوجات، وحظر على المشاريع المشتركة مع الشركاء الكوريين الشماليين ومنع العمال الكوريين الشماليين من العمل في الخارج.

وفي هذا الاطار، قالت مجلة Foreign Policy، ان كيم جونغ اون يواجه صعوبة مزدوجة في اعقاب فشل قمة هانوي. الاولى هو تنامي الجناح المتشدد داخل كوريا الشمالية الذي يدعو الى عدم الانفتاح على الغرب وعدم الثقة به. اما الثانية، فهي عدم تمكن الزعيم الكوري الشمالي من العودة الى طاولة المفاوضات بمطالب مرنة بعدما تعهد علناً في خطابه بمناسبة السنة الجديدة بإيجاد طريقة جديدة للدفاع عن المصالح العليا لدولته إذا استمرت الولايات المتحدة في فرض عقوبات بناء على “خطأ في تقدير صبر شعبنا”.

من هنا، تبدو التنازلات التي حصلت عليها كوريا الشمالية اثر القمة الاولى، باهتة او على الاقل من دون نتائج ايجابية لاحقة، خصوصاً انها اقتصرت على الاضواء الاعلامية وتعليق المناورات العسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مقابل التزامها بنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية والموافقة على إعادة رفات الجنود الأميركيين الذين قتلوا خلال الحرب الكورية.

وإذ لفتت وكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية الى “صعوبات لا مفرّ منها” في طريق إقامة علاقة من نوع جديد بين البلدين نظراً الى أن العلاقات بينهما “طبعها انعدام ثقة وعداء” طيلة عقود، لفت محللون اميركيون الى ان انعدام الثقة بالسياسة الاميركية قد يكون نابعاً من الغاء واشنطن اخيراً الاتفاق النووي من طرف واحد مع ايران بعدما تم العمل لسنوات قبل التوصل اليه مع ادارة باراك اوباما. فما الذي يمنع من تكرار السيناريو نفسه مع ادارة ترامب؟

من هنا، يعوّل متابعون للملف على دور كوري جنوبي للتوسط بين العاصمتين الاميركية والكورية الشمالية في ظل اقتصاد متدهور تعاني منه سيول، كما على ضغط ياباني لحلحلة التوتر السائد في هذه المنطقة الآسيوية، اذ سارع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الى ابداء استعداده للقاء الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، انطلاقاً من مبدأ ان طوكيو تسعى لئلا تبقى خارج صورة اي مفاوضات راهنة او مستقبلية، ساعية لإيجاد قاعدة سلمية في المنطقة. فالخبراء اليابانيون لم ينسوا بعد مواطنيهم الذين خطفتهم بيونغ يانغ منذ عشرات السنين، كما ان صواريخ “نودونغ” البالستية الكورية الشمالية الذي يصل مداها الى 800 مايل قد تطالها في غضون 10 دقائق، خصوصاً ان بيونغ يانغ اجرت تجارب على صواريخ بالستية مماثلة اخترقت الاجواء اليابانية العام 2017.

اما الصين، فتخشى اي تصلب كوري شمالي تصعيدي قد يهدد الاستقرار الهش، لذا، رحبت بإيفاد الزعيم الكوري الشمالي مساعده الخاص الى بيكين لإطلاع المسؤولين فيها على تفاصيل القمة مع الترامب.

وتحدد Foreign Policy شرطين لضمان تحقيق اي مفاوضات ناجحة مستقبلاً ولسحب فتيل التفجير من هذه المنطقة الآسيوية المتوترة:

– وضع خريطة طريق محددة زمنياً تؤدي الى كوريا شمالية خالية من الأسلحة النووية، ولو تحقق ذلك على المدى الطويل.

– إنشاء آلية مؤسسية تسمح بالعودة الى طاولة المفاوضات لاحقاً في حال تعثر اي مفاوضات عتيدة او تعثرها.

لذا، تكمن النتيجة المباشرة لفشل قمة هانوي، في صعوبة اي مفاوضات مستقبلية بين البلدين، خصوصاً اذا استأنفت بيونغ يانغ تجاربها الصاروخية او النووية في ظل امتلاكها 60 مفاعلاً ومنشأة نووية، مما قد يستدعي “نار وغضب” ترامب الذي اضفى شرعية دولية علنية على الزعيم الكوري الشمالي بفضل قمتين ثنائتين، حتى لو لم تأتيا بأي نتائج، متخطياً تقرير الامم المتحدة عن انتهاك حقوق الانسان في البلاد، كما سوء معاملة الطالب الاميركي اوتو وارمبيار الذي اعتقل هناك، وتوفي في ما بعد.

ويجب عدم الاغفال ان عقوداً من الخلافات بين بيونغ يانغ وواشنطن وتاريخاً من انعدام الثقة بينهما لا يمكن محوهما في ساعات معدودة موزعة على قمتين- مهما كانتا مهمتين- وعلى لقاء رئيسين فقط – مهما تغنّيا بصفات بعضهما- من دون عمل جدي ومعمق لفريقي عملهما. كما ان توقيع اتفاق ثنائي بينهما الآن لا يخدم مصلحة اي منهما: لا كيم جونغ اون الذي يتجنب التسرع في الالتزام بأي توقيع فيما بلده قوة نووية لا يستهان بها – حتى لو كان اقتصاده مخنوقاً- وباستطاعته ابتزاز القوى الغربية لتحصيل مزيد مما يعتبره حقوقاً… ولا دونالد ترامب الذي يفضل تحقيق الاتفاق بعد سنة او اكثر، قبيل الانتخابات الاميركية الرئاسية العام 2020، كي يوظّف نجاحه في حملته الانتخابية العتيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات