Search
728 x 90

بريكست باتفاق او من دون اتفاق… هذا ما يعنينا

بريكست باتفاق او من دون اتفاق… هذا ما يعنينا

مع بريكست او من دون بريكست، لا تُحسد بريطانيا التائهة بين خياراتها على وضعها، اكان سياسياً ام اقتصادياً. 
انظار العالم شاخصة اليها. ما هي الطريق التي ستسلكها، وما هي انعكاسات خياراتها التي لا تتعدى الثلاثة على علاقاتها الدبلوماسية والتجارية الخارجية؟ لبنان الذي سبق واختبر اخيراً موقفاً بريطانياً متقدماً حيال عدم التمييز بين الجناحين السياسي والعسكري لحزب الله – رغم تأكيد وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية اليستير بيرت خلال زيارته بيروت ان ما من تبدل في موقف المملكة البريطانية من دعم الحكومة والجيش اللبنانيين- ينظر الى البريكست بعين الريبة.
موقع beirutinsights استوضح الوزير السابق، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين النيابية، عضو كتلة التحرير والتنمية النائب ياسين جابر المطلّع على السياسة البريطانية، لقراءة تبعات هذا الواقع وتأثيره على لبنان نظراً الى علاقاته الدبلوماسية الرفيعة في هذا المضمار، اكان لجهة الدبلوماسية البريطانية الراهنة والمستقبلية، ام الانعكاسات الاقتصادية على الاسواق اللبنانية.

بين الـ Soft Brexit والـ Hard Brexit، تتأرجح بريطانيا قبل ايام معدودة من موعد خروجها من الاتحاد الاوروبي في 29 آذار، والانظار كلها متجهة الى تبعات هذا التطور وانعكاسه على الواقعين الاوروبي والعالمي.

فالـ Soft Brexit يفترض الموافقة على اتفاق الخروج الذي سبق لمجلس العموم ان رفضه مرتين مصوّتاً لصالح طلب تأجيل الخروج من الاتحاد الأوروبي. اما الـ Hard Brexit فيقضي بخروج من دون اتفاق مع ما يستتبع ذلك من فوضى اقتصادية واجتماعية ستطاول بريطانيا اولا، ومن ثم الدول الاوروبية فالدول الاخرى، ومن بينها لبنان.

اما طلب رئيسة الحكومة تيريزا ماي تمديد مهلة الخروج من الاتحاد حتى 30 حزيران فحاز على موافقة دول الاتحاد الاعضاء الـ 27 بالإجماع ، معلنة التمديد حتى الثاني والعشرين من أيار 2019  إذا وافق مجلس العموم البريطاني على الاتفاق الذي ستطرحه ماي  للتصويت اوائل نيسان 2019. وفي حال الرفض، سيدفع الاتحاد باتجاه تأجيل البريكست إلى موعد أقرب في حدود الثاني عشر من نيسان، وهو الموعد النهائي لتقرر بريطانيا مشاركتها في انتخابات الاتحاد.

وفي الفرضيات الثلاث تلتصق ببريطانيا صفة حال الضياع الاقتصادي والاجتماعي التي ستلحق بالجميع، وفق ما يؤكد النائب ياسين جابر لموقع beirutinsights لافتاً الى ان ما من وضوح في الرؤية البريطانية لما سيحصل في المستقبل القريب. فالمشكلة تكمن في رئيسة الحكومة وحزبها اللذين يسعيان الى دفع مجلس العموم للتصويت لخطتها، رغم رفضها مرتين من قبله، علماً ان ما من جهة تؤيد الـ Hard Brexit، لا البرلمان البريطاني ولا الاتحاد الاوروبي الذي سيتضرر من خروج بريطانيا المفاجئ من دون اتفاق واضح… اللهمّ الا الولايات المتحدة الاميركية – وعلى لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو- الذي حثّ بريطانيا على الـ Hard Brexit، واعداً بالدفاع عن العلاقات المميزة بين لندن وواشنطن فيما حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أنّ اتّفاق بريكست الذي تمّ توقيعه بين بريطانيا والاتّحاد الأوروبي قد يضرّ بالتجارة بين واشنطن ولندن، كما غرّد لحث بريطانيا على الخروج فوراً من الاتحاد الاوروبي قائلاً ان واشنطن جاهزة لتوقيع اتفاقية تجارية جديدة بين البلدين.

وفي هذا الموقف دعم للتحليلات الغربية التي تلفت الى ان “استفراد” بريطانيا وسط المحيط الاوروبي يخدم المصلحة السياسية والاقتصادية الاميركية في شرذمة اوروبا قوية لصالح سيادة اميركية عالمية. فترامب الذي دان اتفاق البريكست علناً، ولا سيما خلال زيارته الى بريطانيا في تموز 2018، لم يتردد في ادانة اي استفتاء بريطاني جديد على البريكست، اذ ان بريطانيا المنهكة بعد الخروج من الاتحاد ستوافق حتماً على اي شروط اقتصادية وتجارية اميركية ولا سيما لجهة المعايير الغذائية الاوروبية الصارمة والاسعار المفروضة.

ولعلّ جولة السفيرين البريطاني والاميركية في لبنان على كل من القصر الجمهوري ووزارة الدفاع وتأكيدهما دعم الجيش اللبناني تشكل مؤشراً الى تقاطع المصالح الاميركية والبريطانية راهناً.

فجابر يرتكز الى سعة اطلاعه الدبلوماسي في هذا الشأن ليؤكد ان الموقف البريطاني حيال لبنان يشكل حقيقة موقفين سياسي واقتصادي. في الاول تحاول حكومة اليمين البريطانية التماهي مع الموقف الاميركي اكثر مبتعدة عن الموقف الاوروبي، وهذا ما ظهر في الموقف البريطاني الاخير من حزب الله حيث لم يميز بين الجناحين السياسي والعسكري للحزب في موازاة التأكيد على استمرار التزام لندن- وفق ما شدد عليه وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية اليستير بيرت في زيارته الاخيرة الى لبنان- دعم لبنان والجيش اللبناني.

اما اقتصادياً، فيقول جابر، ان بريطانيا تسعى لـ “مسايرة” لبنان اكثر اذ انها تخرج – بفعل البريكست- من اتفاق التجارة الحرة القائمة مع الاتحاد الاوروبي، مما يحتّم وجود مصلحة لديها للتفاوض مع لبنان – كما مع دول اخرى لعقد اتفاقات تجارية منفردة- كي تحصل على الشروط ذاتها التي كانت تحصل عليها من ضمن وجودها في الاتحاد الاوروبي.

واذا كانت حال الضياع سمة الوضع البريطاني الراهن نظراً الى ان ما من طريق واضحة للمستقبل، فإن الارقام تدّعم هذه النظرية وفق ما يؤكد جابر الذي يذكّر بالاستفتاء الاخير الذي اجرته “سكاي نيوز” ويظهر ان 95% من البريطانيين يعتقدون ان حكومتهم سببت لهم احراجاً كبيراً في موضوع البريكست، اذ انها اظهرت ان دولتهم ليست صاحبة قرار، لا بل هي غير قادرة على حسم وجهة سيرها.

فالدراسات كلها تشير الى ارقام خسارة فادحة ستتكبدها بريطانيا بفعل البريكست. واستناداً الى تقرير مؤسستي Oliver Wyman الاميركية و Clifford Chance اللندنية فإن التكلفة السنوية المباشرة للانتقال إلى قواعد «منظمة التجارة العالمية» – بدلاً من اتفاقية بديلة – تقدر بنحو 27 مليار جنيه إسترليني لبريطانيا و31 مليار جنيه إسترليني للاتحاد الأوروبي.

كما قدّرت دراسة لمعهد Oxford Economics خسارة 112 مليار يورو (137 مليار دولار) للاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020، و125 مليار جنيه إسترليني (174 مليار دولار) لبريطانيا.

من هنا، التبدل الحتمي في السياسة البريطانية نظراً الى التغيير الذي سيولده البريكست، اكان لجهة اعادة النظر بالعلاقات البريطانية الدولية سياسياَ واقتصادياً. فبريطانيا التي كانت تركن الى الاتحاد الاوروبي في علاقاتها التجارية والدولية، ستضطر الى اعادة صياغة كل الاتفاقات وحيدة، ومع كل دولة على حدة وبشروط اقسى واشدّ مما كانت توفره لها اتفاقاتها من ضمن السوق الاوروبية الموحدة ومن ضمن الاتحاد الاوروبي الذي يضم 27 دولة.

وفي هذا الاطار، يؤكد جابر لـ beirutinsights ان التجّار اللبنانيين، كما الاوروبيين وغيرهم، سيتأثرون بالبريكست بشكل مباشر، اذ ان البضائع البريطانية تفيد الآن من اعفاءات جمركية كبيرة كون بريطانيا لا تزال من ضمن اتفاق الشراكة بين لبنان والاتفاق الاوروبي، الا ان بضائعها ستخضع للضرائب الجمركية فور خروجها من الاتحاد الاوروبي، مما يرفع اسعار البضائع البريطانية بشكل كبير.

لكن ماذا عن مدى تأثر اللبنانيين الذين يعملون او يعيشون في بريطانيا؟

اللبنانيون كما غيرهم من الاوروبيين والاجانب الذين يعيشون في بريطانيا سيتأثرون بطريقة او بأخرى بالبريكست، يقول جابر. فعدد كبير من المؤسسات – ولا سيما المصارف الكبرى- سيعمد الى اعادة التموضع خارج بريطانيا حيث كانت شروط العمل اسهل من الشروط الموجودة في باقي الدول الاوروبية امثال المانيا او فرنسا.

اذاً، البريكست واقع ، لا مفر منه؟

يضحك جابر ويستذكر تغريدة لنائبة في البرلمان الاوروبي اطلقت اسم “بريكست” على قطتها التي تموء للخروج من المنزل، لكنها تبقى واقفة على الباب من دون ان تفعل. وهو يستند الى اطلاعه الحثيث على الاعلام البريطاني الذي يقول ان البريكست قد يصبح من الماضي بعدما ظهرت وقائع عدة، ولا سيما ان كثيرين يعتبرون ان البريكست يشكل عملية غش كبيرة، اذ ان البريطانيين زُوّدوا بمعلومات خاطئة لتحفيزهم على الخروج من الاتحاد الاوروبي، بدءاً بتخويفهم عبر صورة الخط الطويل من اللاجئين الذين قيل انهم يتوجهون الى بريطانيا، مروراً باستذكار قول رئيس الوزراء البريطاني السابق دايفيد كاميرون ان تركيا (و70 مليون مسلم ) قد تنضم الى الاتحاد الاوروبي، وصولا الى التكهن بأن 378 مليون باوند ستدخل اسبوعياً الى المنظومة الصحية البريطانية.

وهنا تكمن عملية تلاعب نقدية كبيرة كشفتها مجلة تايم اخيراً، لافتة الى ان مؤيدي البريكست والداعين اليه جنوا الملايين بعدما باعوا الباوند الاسترليني والاسهم البريطانية بسعر عال قبيل الاستفتاء على البريكست، وقبل ان تتدنى الاسعار في ما بعد. اما وقد بات البريكست واقعاً لا مفر منه، فانكفأ عن الساحة كل الداعين اليه، اكان بوريس جونسون ام نايجل فاراج ام غيرهما.

واذا صحّت التوقعات وبات البريكست من الماضي، فإنها لن تتم الا باستفتاء بريطاني جديد، ستكون على الارجح نتيجته مغايرة كلياً ، يؤكد جابر المتابع للسياسة البريطانية الداخلية منذ اكثر من عشرين عاماً بحكم وجوده في لندن لفترات متفاوتة. فالاستفتاء الاول شارك فيه المتقدمون في السن الذين لا يزالون يعيشون في “ماضي الامبراطورية البريطانية” ويخشون مما خُيّل اليهم بأنه هجمة مسلمة ومن النازحين السوريين فيما امتنعت شريحة كبيرة من الشباب عن المشاركة.

اما اليوم، فإن المعطيات ستكون مختلفة كلياً، يقول جابر، اذ ان الشريحة الشبابية المشاركة ستكون اوسع، علماً ان النظرة الشعبية البريطانية الى سياسييها مشوبة بالقلق. فالبريطانيون يخشون اليسار رغم انهم يعانون من حزب المحافظين اليميني (الذي خلق البريكست) نظراً الى انتفاء وجود اليسار الوسطي.

وفي انتظار اي خيار ستعتمده بريطانيا وفق الظروف الاوروبية المحيطة بها، تبقى المملكة المتحدة اسيرة لعبة سياسية واقتصادية محفوفة بالمخاطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات