Search
728 x 90

بحري ام بري؟… المهم النتيجة

بحري ام بري؟… المهم النتيجة

بالتوقيت والظروف السابقة واللاحقة تتم مقاربة اعلان رئيس المجلس النيابي نبيه بري التوصل الى اتفاق اطار ترسيم الحدود مع اسرائيل بعدما كان الملف يراوح مكانه، مجمّداً بالضغوط الاقليمية التي فرضت على لبنان ان يكون ورقة مساومة على طاولة الكبار.
الطرفان المعنيان بالترسيم، اي لبنان ومن خلاله حزب الله، واسرائيل سارعا الى التأكيد ان مفاوضات الترسيم لا تعني، لا سلاماً ولا تطبيعاً… الا انها بدت وكأنها تفصل الترسيم البرّي عن البحري.
موقع beirutinsights استوضح الباحث والمؤرخ الاكاديمي الدكتور عصام خليفة عن اهمية التمييز بين “الترسيمين” بعدما كانت الوساطة الاميركية توقفت في السابق امام عقبة تمسك لبنان بتلازمهما.

يوم وقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري في 6 آب 2020 قائلاً أن “المحادثات مع الأميركيين في ملف ترسيم الحدود الجنوبية أصبحت في خواتيمها”، تفاجأ اكثر من مراقب.
فترسيم الحدود الدولية مع اسرائيل بقي مسألة متوقفة على مصير سلاح المقاومة المربوط بتحرير الأراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل، اي مزارع شبعا، كما على الاستراتيجية الدفاعية التي كان تعهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في خطاب القسم بتحقيقها من دون ان يأتي أحد من الأفرقاء على ذكرها طوال 4 اعوام من العهد.
… الى ان برز ملف النفط في المياه الاقليمية اللبنانية. فنشط الكلام كما المساعي من اكثر من جهة اقليمية ودولية لحث لبنان على التفاوض لترسيم حدوده البحرية، كي تتمكن دول الجوار – وهو ايضاً- من استثمار الآبار الموجودة في المياه الاقليمية، ولا سيما بعد بروز نقاط خلاف حول البلوكات 8 و9 و10 مع اسرائيل.
فحزب الله ، على لسان امينه العام السيد حسن نصر الله كان كرر اكثر من مرة ان دوره المقاوم مرتبط بتحرير مزارع شبعا. فتوجه الى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في اليوم الثاني على الانسحاب الإسرائيلي، من بنت جبيل في 26 ايار 2000، قائلاً: “أنصحه بأن يخرج من مزارع شبعا ويفض هذه المشكلة، وستُثبت الأيام أن ليس لديه خيار آخر، ونحن لا تعنينا القرارات الدولية، إنما نفهم أن هناك أرضاً لبنانية محتلة يجب أن تعود إلى لبنان”.
لكن هذه النقطة بالذات والمتعلقة بمزارع شبعا تثير اشكالية عدم مطالبة لبنان بها حين احتلتها اسرائيل في العام 1967 على اساس انها تابعة لسوريا فيما ان هذه الاخيرة ترفض تسليم لبنان اثباتا على لبنانيتها الى الامم المتحدة في الوقت الذي تقول مصادر ان الترسيم في المزارع سيؤدي في حال حصولها عبر الخط الذي سيطاولها الى ان تخسر سوريا مياهها في بحيرة طبريا.

لجنة ومراسيم

المساعي تكثفت منذ العام 2009 من دون ان تثمر اي نتيجة ملموسة على الارض. فالرئيس نبيه بري تسلم الملف منذ العام 2011، وتمّ تشكيل هيئة ادارة قطاع البترول في 4 كانون الاول 2012 ، ومن ثم لجنة نفط وزارية مشتركة في نيسان 2014… الى ان نجحت حكومة سعد الحريري في اصدار مراسيم النفط في 4 كانون الثاني 2017 .
فالوساطة الأميركية لحض لبنان على التفاوض على حدوده بدأت مع فريديريك هوف الذي اقترح العام 2012 خطاً للحدود البرية، يمنح لبنان نحو 500 كلم مربع، والباقي لاسرائيل. فرفض لبنان.
ثم اتت وساطة آموس هوكشتاين الذي طرح بدوره إبقاء «المنطقة المتنازع عليها على ما هي عليه حالياً، وتكليف شركة مختصة باستخراج النفط والغاز العمل فيها، على ان توضع الأرباح في صندوق لتُقسّم لاحقاً باتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية».
وامام الرفض اللبناني مجدداً، نام الملف في الأدراج الى ان عاد احياءه مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى دافيد ساتيرفيلد الذي اقترح على الرئيس بري مفاوضات مباشرة مع اسرائيل، قائلاً عبارته الشهيرة «Take it or leave it».
وفي ظل الرفض اللبناني والفشل الاميركي في اقناع اسرائيل بالشروط اللبنانية، اي التلازم بين البر والبحر والرعاية الأممية للمفاوضات، عاد الملف الى ألأدراج الى ان ورثه مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر الذي حمله في زيارات مكوكية بين بيروت وتل ابيب، خصوصاً بعد عودة ملف النفط بقوة الى الواجهة مع انشاء “منتدى غاز شرق المتوسط” ( مصر، الاردن، اسرائيل، فلسطين، ايطاليا، قبرص، اليونان) في كانون الثاني 2019 ، والهدف منه انشاء سوق غاز اقليمي في منطقة الشرق الاوسط… الا ان الحائط المسدود بقي مصير الملف الى يوم اعلان بري التوصل الى اتفاق اطار للتفاوض حول الترسيم.
فما الذي تغيّر فجأة اليوم ليضع كل من لبنان واسرائيل “بعض الماء في نبيذه” بعد اعوام من تشبث كل منهما بموقفه. هل هي العقوبات الاميركية التي اشتدت على حزب الله وطاولت اخيراً حلفاءه عبر وزير المال في حكومة تصريف الأعمال مساعد رئيس المجلس النيابي علي حسن خليل، ووزير المردة السابق يوسف فنيانوس… مع التهديد بتوسيع مروحة العقوبات لتطاول حلفاء آخرين؟ ام هو اقتراب موعد الانتخابات الاميركية، ومضاعفة ادارة دونالد ترامب جهودها لكسب نقطة جديدة في المنطقة غداة توقيع “اتفاق ابراهام” بين اسرائيل من جهة والامارات العربية المتحدة والبحرين من أخرى، مع اعلان الرئيس الاميركي استعداد 7 او 8 دول في المنطقة الانضمام الى الاتفاق.
وكان لافتاً تصريح رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الاخير حين قال في 16 تشرين الاول 2020 ان ” المحادثات بين إسرائيل ولبنان حول ترسيم الحدود قد تؤدي بالنهاية لاتفاق سلام”.

وما الذي تغيّر، هل هي موافقة اسرائيل على الشروط اللبنانية وتلازم ترسيم الحدودين البرية والبحرية، او ان لبنان وافق على الشروط الاسرائيلية بترسيم الحدود البحرية وحدها علما ان هناك توافقا على مجمل النقاط البرية عبر اللجان العسكرية التي تجتمع في الناقورة برعاية الامم المتحدة؟ وهناك امل اميركي بأن يحصل ترسيم براً وبحراً، كما قال مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر في خلال لقاءاته والمسؤولين اللبنانيين في 16 تشرين الأول 2020 حيث تمنّى”انجاز مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية في اسرع وقت والتوصل الى نتائج إيجابية”.
فبيان حزب الله وحركة “امل” في الثالثة من فجر 14 تشرين الأول 2020، اليوم المقرر لبدء مفاوضات الترسيم، يرجّح الخيار الثاني. فالثنائي الشيعي اكد ان “وجود شخصيات مدنية في الوفد مخالف لاتفاق الاطار ومضمون تفاهمات نيسان 1996 التي على اساسها تنطلق المفاوضات. ودعا الى اعادة تشكيل الوفد المفاوض، معتبراً انه يشكل تجاوزاً لكل عناصر القوة للبنان وضربة قوية لدوره ومقاومته، ويمثل تسليماً بالمنطق الاسرائيلي الذي يرغب بالحصول على اي شكل من اشكال التطبيع”.
ثم واكبت حملة الكترونية واسعة من قبل مناصري الثنائي الشيعي البيان المشترك ، “مخوّنة” رئيس الجمهورية بحجة ان اعضاء الوفد اللبناني الـ 4 ، مدنيين وعسكريين، خبراء في الحدود البحرية، وما من احد منهم ضليع بالشؤون المتعلقة بالحدود البريّة. لكن الاعتراض العملاني لم يتخط اعلان البيان الى نسف الجلسة الاولى للتفاوض والتي حضر مساعد وزير الخارجية الاميركي شينكر من اجل اطلاقها كما ان الاخير زار رئيس مجلس النواب نبيه بري ولم تصدر اشارات اعتراض حول اللقاء.


فلسفة الربط

الباحث والمؤرخ الاكاديمي الدكتور عصام خليفة يؤكد ان فلسفة الربط بين ترسيم الحدودين البرّية والبحرية تنطلق من اساس “تغيير اسرائيل نقطة انطلاق الترسيم من رأس الناقورة، مما يؤثر كثيراً على خط ترسيم الحدود البحرية. فاسرائيل تبعاً للخط الازرق الوارد ذكره في القرار 1701، غيّرت نقطة انطلاق رأس الناقورة 30 متراً شمالاً لأن الابقاء على النقطة الأساسية في رأس الناقورة كان ليجعل الحدود البحرية تمرّ وسط حقل كاريش، مما جعل لبنان يخسر نحو 1700 كلم2. ”
” فلبنان ليس بحاجة لترسيم حدوده البرية مع اسرائيل” بالنسبة الى تثبيت هوية مزارع شبعا، يؤكد خليفة، اذ ان عبارة “ترسيم الحدود” يجب ان تستبدل بعبارة اكثر ملاءمة هي “تثبيت ترسيم الحدود البرية” نظراً الى ان اتفاق ترسيم الحدود خطيّ ومكتوب بين لبنان وسوريا ويعود الى العام 1946، وهو موجود مع خريطة موقعة من القاضي العقاري السوري عدنان الخطيب والقاضي العقاري اللبناني رفيق غزاوي. فمزارع شبعا والنخيلة وتلال كفرشوبا والغجر لبنانية “مليون بالمئة” برأي خليفة ، وهي تشكل حدوداً دولية مع سوريا لا تحتاج الى اعتراف هذه الأخيرة، التي سبق لمسؤوليها واكدوا شفهياً ومراراً لبنانية مزارع شبعا.
ويعتبر خليفة ان مصلحة لبنان في التفاوض التأكيد على مصطلح الحدود الدولية لأنها مرسّمة في اتفاق بوليه – نيوكومب في آذار 1923 ومثبتة في عصبة الامم في 6 شباط 1924. اما بعد اتفاقية الهدنة بين لبنان واسرائيل في آذار 1949، فتمت اعادة ترسيم الحدود الدولية برعاية عصبة الامم المتحدة بين 5 و15 كانون الاول 1949، واعيد احياء نقاط ثانوية بين النقاط الاساسية الـ 38 نقطة.
اما التفاوض مع اسرائيل على اتفاق اطار ترسيم الحدود استناداً الى القرار 1701 ، فقد يخلق إشكالية في مزارع شبعا، يعتبر خليفة، لأن هذا القرار يشير الى “المزارع” بأنها مشكلة من دون حل من حيث هويتها، اذ ينص على: ” نزع الاسلحة وترسيم الحدود الدولية للبنان ولا سيما في المناطق حيث الحدود متنازع عليها او غير مؤكدة بما في ذلك الاهتمام بقضية مزارع شبعا”.
وفي المقابل، يعتبر مراقبون متابعون لملف الترسيم ان التفاوض على الحدود البحرية ينطلق من الخلاف على نقطة الترسيم في الناقورة، وبالتالي على بلوكي النفط 8 و9 المتاخمين للمنطقة المختلف عليها جنوباً.
فالتفاوض سيتم وفق تقسيم المناطق البحرية الثلاث :
– المنطقة المتاخمة
– الجرف القاري
– المنطقة الاقتصادية الحصرية
وقد حدّد لبنان العام 1983،عرض بحره الإقليمي بـ 12 ميلاً بحرياً من الشاطئ اللبناني. وانضم الى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار Montego Bay العام 1995 حيث تم انشاء منطقة اقتصادية خالصة مساحتها نحو 370 كلم ، تمتدّ إلى 200 ميل بحري من خط الأساس.
وقد صدرت احكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في قانون في 17 آب 2011 حيث تم تحديد المياه الداخلية اللبنانية والبحر الاقليمي للبنان والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
فأتى تحديد المنطقة الاقتصادية في المادة السادسة من القانون كالآتي:
– من الناحية الشمالية الغربية: النقطة الواقعة على المسافة ذاتها من أقرب النقاط على ساحل كل من الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية وجمهورية قبرص.
– من الناحية الجنوبية الغربية: النقطة الواقعة على المسافة ذاتها من أقرب النقاط على ساحل كل من الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص وفلسطين المحتلة.

اذا، محور مفاوضات الترسيم آبار النفط والغاز في المياه الاقليمية لكل من لبنان واسرائيل. من هنا مناشدة الدكتور عصام خليفة “الجميع دعم الوفد اللبناني المفاوض بغض النظر عن اي طابع فئوي او سياسي او طائفي، كي يستطيع لبنان استغلال ثروته البحرية”.
فخليفة توقع مسلسلاً طويلاً من اجتماعات التفاوض – حُددت جولتها الثانية في 26 تشرين الأول 2020 – نظراً الى ان لبنان لن يتخلى عن حقوقه… ومن المعروف ان لاسرائيل اطماعاً اينما كان، برّاً وبحراً. اما المراهنة على ادارة اميركية جديدة لقلب الطاولة فتدعو الى التعجب – يؤكد خليفة- اذ هل ستتبدل السياسة الاميركية في المنطقة وفق اسم رئيس الولايات المتحدة الاميركية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات