Search
728 x 90

اي نظام ما بعد الانهيار ؟

اي نظام ما بعد الانهيار ؟

لا ينفي احد ان اتفاق الطائف انتهى فيما البديل مجهول، وكذلك انتهى النظامان المصرفي والاقتصادي كما عرفهما لبنان على مدى عقود. والسؤال هو هل ان البحث عن خطط انقاذية هو لذرّ الرماد في العيون، والى اين يتجه لبنان واي نظام سيكون له على خلفية انهيار يقضي على ما تبقى من النظام القديم.

يستمر المسار الاقتصادي والمالي في لبنان في الانهيار في ظل غياب كلّي للرؤية حول الاتجاه الذي يذهب اليه الوضع.

فمع ان وفداً من صندوق النقد الدولي زار لبنان بناء على دعوة من مسؤوليه من اجل تقديم ” استشارة تقنية” وفقاً لما عممّ اهل الحكم واشاعة اجواء ايجابية عن امكان التعاون بين الجانبين متى شاء لبنان او اراد، فإن الموقف العلني الذي خرج به احد ابرز افرقاء الحكومة والقاطرة الاساسية للتحالف الذي انتج الحكومة من قوى ما يسمى 8 آذار اي ” حزب الله” والذي يفيد بعدم قبوله ” الخضوع ” كما قال لصندوق النقد اربك الحكومة وترك تشاؤماً ازاء امكان وقف الانهيار فكيف بالخروج منه. اذ ان الاقتناع الموضوعي والصحيح لدى غالبية كبرى من الخبراء يفيد بأن لا امكان للبنان لمنع الاستمرار في الانهيار والذهاب الى خطة انقاذية حقيقية من دون الاستعانة ببرنامج يساعد صندوق النقد على تنفيذه لاعتبارات متعددة. اذ ان البرنامج الذي يمكن ان يضعه لبنان وحده او بمساعدة الصندوق يطلب هذا الاخير ان يكون سلّة متكاملة من الاجراءات والخطوات بحيث لا يحصل تنفيذ انتقائي غير مجدي لأي منها فيفشل الانقاذ .

ثم ان لبنان، ووفق تجارب سابقة، قد يكون احدثها الخطوات الاصلاحية التي تضمنها مؤتمر سيدر الذي امّنت فرنسا انعقاده ودعت عدداً كبيراً من الدول والمنظمات الدولية اليه من اجل مساعدة لبنان، لم يتلقفها اهل السلطة بلبنان على انها خطوت ينبغي تنفيذها فعلا وليس فقط الاكتفاء بها كعناوين شعبويّة او ما شابه، فبقي المؤتمر حتى مع دخول لبنان مساراً انحدارياً حبراً على ورق لم يشهد حماسة من الافرقاء السياسيين لتنفيذ اي خطوة منه ولا سيما ملف الكهرباء الذي سبب اكثر من نصف عجز الخزينة بما يزيد على 43 مليار دولار حتى الان.

وازاء عدم صدقية اهل السلطة ازاء تنفيذ خطوات اصلاحية اعلن عدد من الدول وفق ما برز من مواقف اكدها مسؤولون فرنسيون عن احداث ربط بين تأمين لبنان مظلة صندوق النقد الدولي لبرنامجه الانقاذي وتقديم مساعدات للانقاذ . وفرنسا هي من بين الدول التي اعلن وزير ماليتها من مؤتمر دول العشرين الذي انعقد في الرياض اخيراً عن استعداد بلاده لمساعدة لبنان مالياً، لكن الامر لن يكون سهلا لان لبنان يحتاج الى اكثر من مساعدة يتيمة حتى لو توافرت ولا سيما ان المجتمع الدولي، وخصوصاً الدول القادرة على المساعدة، تعتبر ان لا امكان لمساعدات مالية تذهب الى الهدر والفساد لدى الطبقة السياسية في لبنان.

ومن المؤشرات المؤسفة على عدم حصول اي تطور او الاتعاظ مما حصل من انتفاضة اللبنانيين التي انطلقت في 17 تشرين الاول من العام 2019، ان اهل السلطة واصلوا اعمالهم كالمعتاد مع خطاب لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون في مناسبة اطلاق بدء استكشاف البلوك الرقم 4 للغاز في البحر توجه به الى اللبنانيين ليس من اجل قيادتهم في هذه المرحلة الصعبة بل لاعادة الاعتبار لرئيس تياره وصهره الوزير جبران باسيل نتيجة سوء ادارة ملف الكهرباء الذي كلف البلد اموالاً باهظة. فعزا اليه الفضل في تنفيذ حلمه الشخصي باستكشاف النفط وموحياً ان المستقبل يمكن ان يحقق الانقاذ عبر هذا الاستكشاف وتالياً عبر تبني باسيل لرئاسة الجمهورية ضمناً.

نموذج اخر حول عدم الاتعاظ وبقاء القديم على قدمه تمثل في سقوط عناصر عدة من ” حزب الله” في معارك ادلب على نحو اظهر ان الحكومة اللبنانية ستكون في مأزق اثبات انها تستطيع التزام مبدأ النأي بالنفس فيما هي لا تستطيع لأن القرار ليس في يدها، وان كانت حكومة تمثل الحزب وحلفائه فقط.

والمؤشرات غير المشجعة تتواصل في الكباش حول التعيينات القضائية من اجل توجيه رسالة الى الداخل والخارج ان استقلالية القضاء ستحترم. اذ ان الجدل الذي قام حول ابقاء بعض اسماء القضاة الذين تحوط بهم علامات استفهام نتيجة انتماءاتهم وولاءاتهم الحزبية، احتدم بين اهل السلطة انفسهم فيما ان المحاولات للحصول على ثقة اللبنانيين في الداخل كما ثقة الخارج ظلت من دون جدوى ولا سيما ان الشعارات الشعبوية لا تزال تعتمد من اجل تعويم السياسيين انفسهم او محاولات استعادة شعبيتهم التي اهتزت بقوة .

وهذا يسري على شعارات استعادة الاموال المنهوبة او استرجاع الاموال التي تم تحويلها الى الخارج بعد 17 تشرين الاول او ملاحقة الفاسدين ومحاسبتهم واحياء قانون الاثراء غير المشروع. فهذه كلها هي بمثابة غبار للتعمية ولا صحة اطلاقاً، لا لاعتمادها او لتأمين تنفيذها اياً تكن الاسباب، لان آليتها معقدة ومرتبطة باعتبارات كثيرة.

ومع ان الكلام كثير حول الخطوات التي يمكن ان تساهم في وقف الانهيار وبدء مرحلة الصعود من توفير استقلالية القضاء الى اتاحة المجال لاطلاق عمل الهيئات النظامية والرقابية وترك السياسيين الادارة بعيداً من هيمنتهم وسائر الاجراءات المالية والنقدية والاقتصادية التي تذهب في اتجاه حاسم هو المزيد من افقار اللبنانيين وخسارة ودائعهم في المصارف اللبنانية او الجزء الاكبر منها ، فإن السؤال الاهم يتصل بما اذا كان هناك من يدفع قدماً في هذا الاتجاه لغايات تتصل بتغيير النظام اللبناني سياسياً واقتصادياً ومالياً.

فالنظام السياسي اللبناني انتهى ولم يعد يعمل. وللمفارقة فإن هذا الكلام اتى على لسان السفيرة الاميركية في لبنان اليزابيت ريتشارد التي انتهت مهمتها في لبنان وقامت بزيارة وداعية للقصر الجمهوري حيث تلت بياناً اشارت فيه الى ان لبنان يحتاج الى ان يقلب الصفحة بعد الذي جرى لان النظام لم يعد يعمل.

والمفارقة تكمن في ان احداً لم يعلق سلباً على كلام السفيرة الاميركية و” حزب الله” خصوصاً، وهو دأب على اعتبار اي اقتراح من الاميركيين بمثابة تدخل ومحاولة تغيير في لبنان. لكن احداً لا ينفي ان اتفاق الطائف انتهى فيما ان احداً لا يعرف البديل وكذلك انتهى النظامان المصرفي والاقتصادي كما عرفهما لبنان على مدى عقود.

وتالياً فإن السؤال هو هل ان التفكير في البحث عن خطط انقاذية هو لذرّ الرماد في العيون لأن هذا تفكير يتم بـ “الميكرو” فيما ان الصورة الاكبر هي في “الماكرو” اي الى اين يتجه لبنان واي نظام سيكون له على خلفية انهيار يقضي على ما تبقى من النظام القديم.

الانهيار واقع حتمي وهناك من يحاول ان يخفف من الخسائر او يحدّ منها لكن الافق غير واضح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات