Search
728 x 90

اي افق للانتفاضة اللبنانية ضد الطبقة السياسية؟

اي افق للانتفاضة اللبنانية ضد الطبقة السياسية؟

قد يكون من غير الحكمة عدم الرهان على حركة شعبية من دون قيادات تحركها او تنظمها. فلبنان بلد صغير تتلاعب فيه ايضاً الاهواء الاقليمية، ومن الصعب رؤية اي تطور او حدث بعيداً مما يحدث في المنطقة.
فأي آمال بالانتفاضة الشعبية اللبنانية التي قد تسفر عن متغيرات حقيقية على الصعيد الاقتصادي كما قد تسفر عن سيناريو مناقض تماماً؟

كان يمكن للمراقب من المكاتب المطلة على ساحة الشهداء في وسط بيروت ان يميز بوضوح من هم الناس الذين توافدوا الى العاصمة من اجل التظاهر ومشاركة اللبنانيين الاخرين المطالبات الكبيرة بتنحي الطبقة السياسية وتغيير النظام .

انهم الشباب في الدرجة الاولى، الشباب الجامعي في شكل خاص الذي لا يجد فرصاً للعمل في لبنان في ظل سيطرة السياسيين وتأمين وظائف لمحازبيهم ومؤيديهم بعيداً من الكفايات العلمية، كما الشباب العاطل عن العمل المهمل والمسقط من اهتمامات الدولة، نساء ورجالا الى جانب العائلات من كل المستويات التي حملت همومها الى وسط بيروت كما الى ساحة النور في طرابلس في مشهد جديد كلياً بالنسبة الى مدينة فقيرة تحتاج الى كل اهتمام والاهم الى صور والنبطية وبعلبك.

انه الوجع اللبناني الشامل الذي لاقته الجاليات اللبنانية في المغتربات بعدما اضطرت الى هجرة لبنان نتيجة نظام طائفي يتربع عليه زعماء طوائف لم يتبدلون منذ ثلاثين عاماً وساهموا جميعهم في وصول البلد الى عتبة انهيار مالي واقتصادي وشيك.

الصدمة التي احدثتها الانتفاضة التي فجرتها قرارات حكومية سطحية وتافهة تقضي بفرض ضريبة على الواتساب ضربت المسؤولين الذين اربكتهم عفوية المتظاهرين وشمولية التظاهرات كل المناطق اللبنانية كما السقف المرتفع لمطالبهم التي طاولت الجميع من دون استثناء، فبقوا اياماً يتخبطون في السبل لتقديم ما يمكن ان يستوعب غضب الشعب اللبناني ويرضيهم ويعطي فرصة اضافية للسلطة خوفاً من انهيار اقتصادي ومالي يوازي او يكمل الانتفاضة الشعبية من دون ان يسجل اطلالة اي من الوزراء والنواب اعلامياً تجنباً لغضب الناس.

وقد سجلت هذه الحركة التي بدت مشابهة الى حد بعيد من حيث عفويتها وشموليتها كل الطوائف والمناطق للانتفاضات الشعبية التي حصلت في دول العالم العربي منذ 2011 مؤشرات مهمة لجهة انها سترغم الطبقة السياسية كلها على اعادة حساباتها بحيث ما بعد 14 تشرين الاول لن يكون كما قبلها.

وليست المطالب الشعبية ما يمكن التوقف عندها في هذا السياق بل ما ستؤدي اليه هذه الحركة الشعبية غير المسبوقة في الواقع على مستويات عدة.

اولا في المشهد الجديد الذي عبرت عنه المناطق ذات الغالبية الشيعية ومواقع نفوذ الثنائي الشيعي اي حركة ” امل” بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري و” حزب الله”. اذ للمرة الاولى عمّت التظاهرات لا بل الاحتجاجات المصحوبة بكلام قاس وشتائم، مدينتي صور والنبطية في الجنوب، وتم الاعتداء على مكاتب او منازل لنواب من كتلة ” التنمية والتحرير” التي يرأسها بري كما شملت مدينة بعلبك وقرى بقاعية حيث للحزب النفوذ الابرز.

وفيما ان الامين العام لـ” حزب الله” السيد نصرالله خاطب اللبنانيين المتظاهرين بعد خطابين احدهما لصهر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون رئيس التيار العوني جبران باسيل اطلقه من قصر بعبدا موقع الرئاسة الاولى وكأنه يتحدث باسمه والاخر لرئيس الحكومة سعد الحريري، وهو الشخصية الابرز سنياً، ساد اعتقاد ان كلام نصرالله سيصنع الفارق على خلفية ان قاعدته صلبة وكذلك جمهوره ومؤيديه.

لكن كما كلام باسيل احدث ردة فعل عكسية لدى المتظاهرين، كذلك فعل كلام نصرالله علماً ان كلامه كان منطقياً من حيث دفاعه عن بقاء الحكومة وعدم استقالتها في ظل الاسباب التي عرضها وتهديده وليد جنبلاط بعدم الاستقالة من الحكومة.

وثانياً في مشهد غضب يطاول رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ولا يستثنيه .

وثالثاً في محاولة افرقاء سياسيين السير مع تيار الانتفاضة والسعي الى تغذيتها على خلفية ان العهد لا يجب ان يستمر او ان يستمر ضعيفاً منهكاً في حال قُدّر له الاستمرار، وهو ما سعت الى القيام به الاحزاب المسيحية ولا سيما حزب الكتائب باعتبار انه هو الذي يشكل معارضة وحيدة للسلطة وكذلك حزب القوات اللبنانية التي استقال وزراؤه من الحكومة تحت طائل الانسجام مع موقف عدم القدرة على الانسجام والتضامن مع حكومة اكثرية يشكلها التيار العوني مع ” حزب الله” وتسيطر على الوضع السياسي في الوقت الذي رغب الحزب الاشتراكي الاستقالة ايضاً لانسجامه مع المطالب الشعبية لولا بروز عقبات اعاقته عن ذلك.

اطاحت الانتفاضة بكل السياسيين والمواقع الدستورية دفعة واحدة باستثناء قيادة الجيش اللبناني التي اجمع المتظاهرون على المطالبة بها في مقابل مطالبتهم برحيل الافرقاء السياسيين. ضعفوا جميعهم وحاولوا اضعاف القطاع المصرفي معهم والقاء التبعة عليه على الخطورة التي يمثلها هذا الامر لكن ” انا الغريق وما خوفي من البلل” بدا شعاراً اظهر افرقاء السلطة استعداداً للمضي فيه انقاذاً لانفسهم.

لكن التساؤلات ازاء امكان التغيير كما حصل في تونس مثلاً وفي شكل اساسي باعتبار ان التظاهرات كانت سلمية في غالبيتها ولم تشبها سوى مراحل صغيرة من الشغب ولا تصل الى اجوبة واضحة ومناسبة. اذ ان النظام الطائفي نظام متجذر في لبنان بدليل الانتخابات النيابية التي مكّنت قيادات الطوائف لان تعيد انتاج نفسها وفق قانون انتخابي فصّلته على قياسها ومن الصعب بل من الاستحالة التوصل الى قانون انتخابي جديد اياً تكن الظروف الضاغطة علماً ان الامر قد يستغرق سنوات كثيرة.

وهناك فريق يمتلك السلاح الكثير والذي يمكنه في لحظة ما التدخل على الارض من اجل ان يدفع الامور في الاتجاه الذي يراه مناسباً خصوصاً من اجل لجم شارعه بداية ما قد ينسحب تالياً وبسرعة على الشوارع الطائفية الاخرى.

وربما هذا الاستنتاج يعود الى التجارب السابقة التي اجهضت محاولات تغييرية اساسية ولا سيما تلك المتعلقة بثورة الارز التي ادّت في 14 اذار 2006 وعلى اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى انسحاب القوات العسكرية السورية من لبنان.

اليوم في 2019 وبعد 13 سنة على هذا التغيير، استطاع ” حزب الله” تغيير الواقع اللبناني لمصلحته كلياً وفق خط بياني مكّنه من ايصال رئيس للجمهورية وقّع معه تفاهماً استراتيجياً ومن التوصل الى قانون انتخابي ضمن له الاكثرية النيابية في مجلس النواب وتالياً حكومة اكثرية تدين له بالولاء.

وهذا لن يكون سهلا الانقلاب عليه ولن يقبل بتغييره وفقاً للتهديد الذي وجهه الى النائب وليد جنبلاط بعدم الانسحاب من الحكومة اولاً، ومن ثم بالتحذير من اسقاط العهد اي رئيس الجمهورية ثانياً لان ذلك سيكون بداية انهيار الدومينو الذي بناه، وثالثاً من خلال التهديد بأن نزوله كحزب الى الشارع يغيّر المعادلة حكماً.

قد يكون من غير الحكمة عدم الرهان على حركة شعبية من دون قيادات تحركها او تنظمها كالاتحاد العمالي العام او اي نقابات اظهرت كلها غيابها عن الساحة او فقدت صدقيتها نتيجة لاستتباعاتها السياسية فيما تصاعدت هذه الحركة خلال ايام لتبلغ ذروة غير مسبوقة بالنسبة الى بلد مجبول بالطائفية والفساد. لكن لا يمكن انكار انها اظهرت حيوية الشعب اللبناني وقدرته كما رغبته في احداث تغيير فعلي، لكن الخشية كل الخشية، الا يكون التغيير مقتصراً على رغبات الشعب اللبناني الذي يعّبر عن غضب كما عن تطلعات محقة.

فلبنان بلد صغير تتلاعب فيه ايضاً الاهواء الاقليمية، ومن الصعب رؤية اي تطور او حدث بعيداً مما يحدث في المنطقة اياً تكن طبيعته وهو يمكن ان يكون دخل العاصفة ولو عبر احداث محلية في ظل احداث اقليمية خطيرة تخوّف كثيرون من ان يكون لبنان من الاضرار الجانبية لها خصوصاً في ظل صراع كبير للمحاور في المنطقة.

فليس هناك ازمة ثقة بين المسؤولين السياسيين في لبنان والشعب اللبناني بل ان هناك تشكيك كبير بأن هذه الحركة الشعبية لا يمكن ان تكون بريئة من ابعاد اقليمية بحيث قد تستدرج المخاوف منها تطورات غير محسوبة على الارض تبعاً للتهديد الذي يستشعره فريق باتت سلطته مهددة على نحو لم يسبق له ان شعر بذلك من قبل اي فريق السلطة.

ولذلك ينبغي الحذر ازاء آمال كبيرة بالانتفاضة الشعبية اللبنانية التي قد تسفر عن متغيرات حقيقية على الصعيد الاقتصادي كما قد تسفر عن سيناريو مناقض تماماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات