Search
728 x 90

اي ابعاد للتقارير المالية الدولية على لبنان ؟

اي ابعاد للتقارير المالية الدولية على لبنان ؟

تلاحق صدور التقارير عن الوضع المالي في لبنان عن المؤسسات المالية الدولية بوتيرة لم تخل من القلق توقيتاً ومضموناً . فمن حيث التوقيت بدت هذه التقارير ملحةً على لبنان في وقت يتعثر في تأليف حكومته منذ اكثر من ثمانية اشهر . ومن حيث المضمون حذر بنك جولدمان ساكس ووكالات التصنيف الدولية على غرار موديز وفيتش من العجز البالغ في المالية العامة على انه غير قابل للاستمرار فيما خفضت الوكالتان تصنيف لبنان المستقبلي من مستقر الى سلبي وبدا التحذير واضحا من خطر اندلاع أزمة مالية .

حذر بنك جولدمان ساكس الاستثماري ووكالات التصنيف، موديز وفيتش ، في احدث تقاريرهم عن لبنان، من أن العجز المزدوج في المالية العامة والميزان التجاري للدولة اللبنانية غير قابلين للاستمرار.

وخفضت كل من موديز وفيتش تصنيف لبنان المستقبلي من مستقر إلى سلبي في حين أشار جولدمان ساكس إلى أن خطر اندلاع أزمة مالية واحتمال التخلف عن سداد الديون يزداد بحدة بعد عامين إلى ثلاثة أعوام.

ولكن بدل التعامل مع هذه التقارير بجدية، اختار معظم المسؤولين والاقتصاديين و المحللين اللبنانيين التاكيد على أن لا أزمة مالية وشيكة، متجاهلين عمدا أن توقعات المؤسسات المالية العالمية في هذا الخصوص مبنية على السيناريوهات الأكثر تفاؤلا والمرتبطة باجراء سلسلة من الاصلاحات المطلوبة على وجه السرعة.

أما الأكثر إثارة للقلق فهو شبه الإجماع بين المعنيين بهذا الملف بأن تشكيل الحكومة سيشكل حل سريعا وسحريا لمشاكل لبنان الاقتصادية والمالية. كما لو أن تشكيل حكومة ، في غياب إصلاحات اقتصادية ومالية ملموسة ، من شأنه أن يحد من عجز الميزانية ، وأن يحفز القطاعات الإنتاجية ، ويعزز اقتصاد المعرفة ، ويجذب الاستثمارات الأجنبية ، ويخفض أسعار الفائدة ، ويعزز النمو ، ويعكس العجز في ميزان المدفوعات، وكل ذلك من بين تدابير ضرورية أخرى لتحريك الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي.

في الواقع ، إن تشكيل حكومة بعد اشهر من المناكفة السياسية من شأنه ، وكما بينت تجارب سابقة ، أن يعزز ثقة المستهلك والمستثمر بشكل مؤقت وقصير قبل أن تتلاشى هذه الموجة من التفاؤل و تنحسر من جديد في غياب الاصلاحات المطلوبة.

وفي حين أن الكثير من اللبنانيين فقدوا الأمل في قدرة المسؤولين اللبنانيين ورغبتهم في مواجهة هذه التحديات بعد اربعة عقود على انتهاء الحرب، فان اغلبية ساحقة من المقيمين و غير المقيمين ما زالوا يثقون في قطاعنا المصرفي على رغم الشكوك المبررة حول استدامة السياسات النقدية للبنك المركزي والنموذج الاقتصادي اللبناني ، الذي يعتمد بشكل كبير على جذب دولارات “جديدة” من الخارج.

و لكن هذه الثقة التي تشكل احدى اّخر عوامل الاستقرارقد تتزعزع اليوم نتيجة دعاوى مدنية في نيويورك تتهم 11 مصرفا لبنانياً بتقديم دعم مادي لحزب الله على شكل خدمات مالية ومصرفيه سهلت “أنشطة الحزب الإرهابية” في العراق و أماكن أخرى، مما أدى إلى وفاة وإصابة عدد من المدعين الاميركيين وأقاربهم.

وفي حين أن هذه الدعاوى القضائية يمكن أن ترد من المحاكم الامريكية ، كما أشارت جمعية المصارف في لبنان في بيان صدر عنها اخيرا ، فإن مجرد قبول السيربهذه الدعاوى من قبل المحاكم يمكن أن يشكل تحديات جمة للمصارف كما للاقتصاد اللبناني المدولر.

فعلى سبيل المثال، يمكن للبنوك المراسلة الأميركية أن تقرر أن مخاطر التعامل مع البنوك اللبنانية تفوق الفوائد المالية لهذه العلاقة، وبالتالي ان تختار قطع العلاقة مع البنوك اللبنانية حتى قبل ان تتم ادانة او تبرئة هذه المصارف او التوصل الى تسوية بينها والجهات المدعية. أما التهديد الاخطر فيتجلى في امكان صدور قرار أي من الوكالات الأميركية مثل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، إجراء مزيد من التحقيقات في احتمال حصول انتهاكات للعقوبات الأميركية ضد حزب الله ، وبالتالي تحريك قضية جنائية ضد المصارف اللبنانية.

ولكن معظم المصرفيين اللبنانيين يسارعون إلى استبعاد مثل هذه السيناريوهات ، والتأكيد بأن الدعاوى المدنية قد تم تبنيها من مكاتب محاماة تسعى لتحقيق ارباح مالية من خلال هذه الدعاوى الجماعية أو تم تحريكها لدوافع سياسية بايحاء او دعم من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة على رغم غياب اي سند قانوني.

كما يجادل معظم المصرفيين بأن كبار المسؤولين الأميركيين قد طمأنوا نظراءهم اللبنانيين بالتزام الولايات المتحدة استقرار لبنان المالي ورضاهم عن التزام القطاع المصرفي بالعقوبات واللوائح الأمريكية.

لكن ما لا يدركه هؤلاء المصرفيون والسياسيون او يتعمدون تجاهله او تسليط الضوء عليه لاعتبارات مفهومة ان لا ضمانات بأن تبقى هذه التطمينات السياسية صالحة إلى أجل غير مسمى.

وهنا يفيد التذكير بان إدارة الرئيس الاميركي السابق باراك أوباما ، وفي إطار تصميمها على ضمان التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، غضت الطرف عن “الأنشطة غير المشروعة ل”حزب الله “في أميركا اللاتينية وأماكن أخرى ، وفقاً لتحقيقات “بوليتيكو”.

ثم انتخب الرئيس دونالد ترامب الذي ألغى الاتفاق النووي مع إيران وأعاد فرض العقوبات القديمة وزاد من الضغوط على طهران ووكلائها في المنطقة. وتبين هذه الأحداث مدى سهولة تغير الأجندات السياسية لأسباب مختلفة.

و يجب التنبه هنا الى ما نقل عن المسؤولين الأميركيين خلال زياراتهم الأخيرة إلى بيروت أن دعم الولايات المتحدة للبنان مشروط بالحد من نفوذ حزب الله في الحكومة أوعلى الأقل منع الحزب المدعوم من إيران من توسيع نفوذه في المؤسسات اللبنانية.

وفي هذا السياق، فان الافتراض بأن الولايات المتحدة لن تتخذ اي إجراءات تستهدف المصارف او المؤسسات اللبنانية او اعضاء فيها تحت اي ظرف كان بحجة حماية الاستقرار المالي للبنان هواستنتاج ساذج.

وعليه فإن الاستهتار بهذه الدعاوى القضائية سيكون خطأ فادحا، ولا سيما إذا كانت هذه الإجراءات القانونية المدنية “ذات دوافع سياسية”، كما يدعي البعض، في خضم المواجهة الاقليمية بين ايران والولايات المتحدة والتي انعكست مزيدا من التشدد من قبل حزب الله واصراره على التمثل في الحكومة بشكل سافر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات