Search
728 x 90

ايران ترفع رهاناتها في ظل الضغوط على السعودية

ايران ترفع رهاناتها في ظل الضغوط على السعودية

خدم الرئيس الاميركي ايران الواقفة على ابواب مواجهة عقوبات اميركية جديدة فيما صبّ اختفاء الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي لمصلحتها. فهل تستطيع طهران مواصلة المواجهة الديبلوماسية والسياسية؟ 

من المرجح ان تتصاعد المواجهة السياسية بين الولايات المتحدة وايران ربطا بموعد العقوبات الاميركية الجديدة المرتقبة في 4 تشرين الثاني المقبل مع اتخاذ هذه المواجهة فصولا مختلفة تختلط فيها الادوات او العناصر الاقليمية والدولية. ثمة ما لعب في مصلحة ايران في الاونة الاخيرة ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر قرار محكمة العدل الدولية بوقف العقوبات الاميركية على ” السلع” الانسانية المفروضة على ايران نتيجة شكوى تقدمت بها هذه الاخيرة امام المحكمة ما اعطاها زخما في مواصلة اللجوء الى محكمة العدل.

وخدم الرئيس الاميركي دونالد ترامب ايران على نحو غير مباشر من خلال اعلانه خلال احدى الحملات الانتخابية لحزبه انه قال للعاهل السعودي في اتصال هاتفي انه “لولا الولايات المتحدة ودعمها لما بقي في الحكم اسبوعين ” حسب قوله. وعقب هذا الموقف اتصالات من مسؤولين اميركيين بالمسؤولين السعوديين ورد من ولي العهد السعودي الا ان ذلك لا يخفف من وطأة ما قيل.

وعلى نحو غير مباشر ادت ازمة اختفاء الكاتب السعودي جمال خاشقجي الى حرج لدى الولايات المتحدة بحيث رفعت ضغوطها كرأي عام واعضاء مجلس شيوخ في اتجاه المملكة في ظل عدم اتضاح ظروف اختفائه. وهذا من شأنه ان يصب في مصلحة ايران حتى لو ان موضوع العقوبات المرتقبة في الرابع من تشرين الثاني على ايران منفصلة كليا . اذ انه جعل المملكة في عين العاصفة الاميركية سواء بسواء مع ايران خصوصا في ظل رهان ايراني وفي ظل الخصومة الكبيرة بين طهران والرياض على ان الحكم الجديد في المملكة لن يصمد ولن يكون قابلا للحياة في ظل الخطوات الاصلاحية التي اتخذها. وتاليا فإن الضغوط التي تعاظمت على المملكة السعودية اخيرا واخذت طابعا دوليا، وليس فقط اميركيا، تقوّي عزم ايران او رهاناتها على تغييرات قد تلبي تطلعاتها في المنطقة وربما في الدول التي تتدخل فيها ولا سيما في اليمن حيث الكباش قوي مع المملكة في ظل دعمها للحوثيين هناك والكلفة التي ترتبها حرب اليمن على المملكة السعودية.

وهذه التطورات لا يمكن تجاهلها في سياق ما يجري وما هو متوقع في المرحلة المقبلة. اذ ان مرشد الجمهورية الاسلامية اضطر الى الاعتراف بأن الازمة الاقتصادية عميقة في بلاده داعيا الى ايجاد حلول لها. وايران قد اعتمدت منذ ايار الماضي، تاريخ انسحاب الرئيس الاميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي، سياسة “مكابرة” تقول ان ايران قادرة على الصمود في وجه اي اجراءات وتملك ما يلزم من مقومات شعبية وعسكرية وتجارية للوقوف في وجه موجة العقوبات الاميركية. غير ان الوقائع والارقام والتراجع القوي للريال الإيراني في وجه الدولار، لم تأت مطابقة لحسابات “بيدر” القيادة الايرانية، فاضطرت الى مواجهة الحقيقة .وموقف خامنئي في هذا الاطار يعد تمهيديا لرزمة جديدة من العقوبات ستفرضها واشنطن على ايران تدخل حيز التنفيذ في 4 تشرين الثاني المقبل وتشمل “إعادة العقوبات المتعلقة بالنفط خاصة التعاملات المالية مع شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) وشركة النفط الدولية الإيرانية (NICO) وشركة النقل النفطي الإيرانية (NITC) وحظر شراء النفط والمنتجات النفطية أو المنتجات البتروكيماوية من إيران”، اضافة الى” عودة العقوبات المتعلقة بالمعاملات الاقتصادية للمؤسسات المالية الأجنبية مع البنك المركزي الإيراني وبعض المؤسسات المالية الإيرانية.

ويكشف ديبلوماسيون غربيون عاشوا طويلا في ايران خصوصا ابان المفاوضات على الاتفاق النووي، عن توقعاتهم بأنه من غير المرجح ان تتجاوب ايران مع الضغوط الاميركية والعقوبات التي تفرضها ادارة ترامب من اجل الجلوس الى طاولة المفاوضات. اذ انه، وعلى عكس الانطباعات التي تروّج لوجود افرقاء في ايران بين صقور يمثلهم المحيط الاقرب للمرشد الايراني والوزراء الامنيين الذين يتم تعيينهم مباشرة من قبله والحرس الثوري وحمائم يمثلهم رئيس الجمهورية الايرانية حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف او من يطلق عليهم صفة الاصلاحيين، فإن الطبقة السياسية في ايران ترتبط في ما بينها بصلات قربى قوية تصعب الفكاك بينها. وذلك فضلا عن ان ثمة مصالح قوية بين الطبقة السياسية بحيث يجعل من الصعب الاعتقاد ان استقواء الحرس الثوري مثلا على الرغبة في ديبلوماسية مختلفة لدى ايران هو الذي يعيق الامور او يسيطر على الواقع السياسي في ايران لان الكل يتكامل ولا ينقسم على عكس ما يعتقد كثر.

وبحسب هؤلاء فإنه من غير المرجح قدرة طهران على الانسحاب من الاتفاق النووي كما هددت اكثر من مرة ربما في اطار ابتزاز الدول الخمس الاخرى الموقعة على الاتفاق النووي غير الولايات المتحدة من اجل بذل جهد لمساعدتها اكثر مما تطلب هي. والواقع أن اجتماعاً ضمّ وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث الموقِّعة على الاتفاق النووي مع ايران (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) إضافة إلى وزيري خارجية الصين وروسيا، عُقد على هامش الدورة السنوية للجمعية العمومية للأمم المتحدة مع وزير خارجية إيران، أكد فيه المجتمعون البحث في آلية تحفظ تجارة تلك الدول مع إيران، بما في ذلك صادرات النفط والتبادل المصرفي، والالتزام بالتنفيذ التام للاتفاق النووي الذي وقعوا عليه في حزيران 2015، رغم خروج الولايات المتحدة الأميركية منه. وهو امر ترك ارتياحاً كبيراً في الأوساط الإيرانية، وفتح الباب لحلحلة سياسية للأزمات العالقة في الدول التي تقع تحت التأثير الإيراني، ومنها لبنان والعراق وسوريا، على قاعدة ترييح وتحييد تلك الدول عن الاشتباك الأميركي – الإيراني المتصاعد، والتي ستسعى الدول الأوروبية إلى الحد من تأثيره المؤلم على طهران بعد دخول العقوبات الأميركية على النفط الإيراني حيز التنفيذ، مطلع تشرين الثاني المقبل.

هذه المساعدة من شأنها ان تجعل ايران تصمد وتنتظر في مرحلة اولى الانتخابات النصفية الاميركية للكونغرس التي تصادف في السادس من تشرين الثاني المقبل ايضا من اجل تحديد اتجاهات السياسة الاميركية ازاءها. فمع ان الديموقراطيين كما الجمهوريين في الولايات المتحدة يحتفظون بموقف شبه موحد من ايران، الا ان خسارة الرئيس الاميركي الاكثرية الجمهورية في الكونغرس ستقيّد سياسته الى حد كبير.

هذه المعطيات تجعل من الرهان على ان العقوبات الاميركية الجديدة ستساهم في التأثير بقوة على النظام الايراني الى حد اعادة النظر فيه قد يكون في غير محله على رغم الضغط الذي تمثله هذه العقوبات. اذ هناك مجال واسع للتفلت والاحتفاظ بهامش كبير للتخفيف من هذه العقوبات عبر الدول المحيطة بايران وهي ليست بقليلة ايضا.

ومن هنا ربما القدرة على مواصلة المواجهة الديبلوماسية والسياسية اياً تكن الصعوبات التي يواجهها الشعب الايراني. وذلك في الوقت الذي من غير المستبعد ان تكون ضعفت قدرة ايران على تمويل التنظيمات التي تدعمها في المنطقة ( وهذا موضوع مفتوح على بحث في سبل تمويل هذه التنظيمات نفسها عبر وسائل اخرى عبر استغلال موارد الدول التي تنتمي اليها) كما ان الاميركيين ادخلوا عاملا تغييرا في مقاربتهم للوضع في سوريا من خلال ربط استمرار وجودهم هناك ببقاء ايران خارج حدودها. الا ان كل هذه المعطيات لا توضح متى يمكن ان تنتهي المواجهة بالجلوس الى طاولة المفاوضات اقلّه حتى الان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات