Search
728 x 90

انتهى لبنان الذي نعرف؟ ما هو البديل ؟

انتهى لبنان الذي نعرف؟   ما هو البديل ؟

قبل انفجار مرفأ بيروت كان الانطباع معمماً عن انتهاء لبنان الذي يعرفه اللبنانيون ولو ان كل جهة تتحدث عنه وفق مقاربتها لهذا اللبنان… وبعد الانفجار، بدا الانطباع واقعاً ملموساً.
انتهى لبنان القديم فما هو البديل عنه اذا؟

يصدق الرأي العام اللبناني كما الرأي العام الخارجي رواية الاهمال والفساد المجرم اللذين ادّيا الى انفجار مخزن يحتوي على نيترات الامونيوم مدمراً رئة لبنان الاقتصادية ومعبراً مهمّاً للدول المجاورة ومدمراً العاصمة مشرّداً اهلها.

فليس الفساد العلامة الفارقة الوحيدة للدولة اللبنانية في هذا الاطار بل ايضاً سوء الادارة وسوء الحكم والاستزلام وعدم المحاسبة. وكلها عناصر مهيأة لتقود الى انهيار اقتصادي ومالي والى انفجار قاتل لمئات الناس وألوف الجرحى.

ولكن الظروف التي يواجهها لبنان على حافة الصراع الاسرائيلي الايراني ومعه ” حزب الله” والذي يتمظهر في انفجارات متتالية لافتة في مواقع نووية او مهمة في طهران او استهداف لمواقع ايرانية في سوريا تترك مجالاً لشكوك جدية بأن الامر قد لا يكون بالبساطة التي يتم الايحاء بها.

فهناك تحقيق تقني يفترض ان يحدد المسؤوليات في ما يتعلق بالبحث في الاسباب التي ادّت الى الانفجار، لكن هناك حاجة ماسة يعتقد افرقاء سياسيون طالبوا بتحقيق دولي في الكارثة التي ادى اليها الانفجار في مرفأ بيروت بأنها تتصل بمحاولة معرفة الاسباب التي تبقي على هذا النوع الخطير من المواد المستخدمة في صناعة المتفجرات في عنبر مقفل في مرفق مدني ولأي مدة كان سيستمر ذلك، واذا كانت متصلة بالارهاب الدولي.

ومع الشكوك التي تحوط بسيطرة ” حزب الله” على المرافق اللبنانية كما على القرار اللبناني يصعب عدم الأخذ بنظرية ان هذه المواد قد تتعلق باستخدامه لها او بأنها تشكل احتياطاً له. فحين يستحضر من الارشيف السيناريو الذي عرضه الامين العام للحزب العام 2017 شارحاً قدرته على تدمير اسرائيل عبر صواريخ للحزب توجه الى مرفأ حيفا حيث تخزين الامونيوم وما يمكن ان يؤدي الى مفعول قنبلة نووية وفق ما قال آنذاك، فإن ذلك لا يترك ايضاً المجال لعدم اخذ الامور بجدية بعيداً من بساطة الاعذار بأن فشل الطبقة السياسية وفسادها ادى الى تتويج كارثي عبر الانفجار الذي حصل. فهذه النقطة تنطوي على الكثير من الصحة ولا سيما ان هذا الفساد نفسه لا يزال يتفاعل في انهيار اقتصادي ومالي يتعاظم تدريجاً.

لكن الرؤية السياسية الى الانفجار لا تعبّر عن الشرخ السياسي القائم في البلد بل تعبّر كذلك عن مخاوف من استباحة متمادية للبنان في الصراع الاقليمي ولا سيما ان الانهيار الذي يواجهه اللبنانيون ويخيف الخارج على خلفية انه لا يريد انهياراً مزلزلاً يترك انعكاسات في المنطقة وارتدادات في اوروبا يروّج له من قوى السلطة على انه اعادة بناء لاقتصاد مختلف ولواقع سياسي مختلف ايضاً.

في الواقع توّج التفجير الذي حصل بغض النظر عن طبيعته، أكان حادثاً عفوياً او حادثاً مفتعلاً في حال اظهرت التحقيقات الداخلية أيّ جدّية في هذا الاطار، احتقاناً سياسياً محلياً واقليمياً خطيراً توقّع كثر من خبرتهم في لبنان بأنه احتقان سينفجر في مكان ما، في شكل ما.

لذلك كانت الانطباعات الأولية الفورية لحظات بعد الانفجار انه استهداف خطير للرئيس سعد الحريري قبل ساعات قليلة من توجهه الى لاهاي للمشاركة في جلسة اعلان حكم المحكمة الدولية في اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري. فمع ان الحكم معروف ومحصور بعناصر محدّدة من ” حزب الله” ولا يمسّ كيانية الحزب، فإن المخاوف كانت كبيرة من ارتدادات امنية داخلية تماماً في موازاة تعبئة يتم التحضير لها بين اسرائيل من جهة و”حزب الله” من جهة اخرى على خلفية مقتل عنصر للحزب في غارة اسرائيلية قرب دمشق.

بدا الانفجار تتويجاً لكل هذه الاحتقانات المتفاعلة جنباً الى جنب غضب شعبي مستمر من واقع الاذلال الذي يواجهه اللبنانيون نتيجة تطيير مدخّراتهم وفقدان وظائفهم. لذلك بدا الانفجار في سياق طبيعي من حيث المناخات المحيطة به بغض النظر عن فداحته المخيفة او عن عفوية حصوله او لا بحيث شكّل تجسيداً لكل ذلك. لكنّه ايضاً فجّر واقعاً لم يعد يمكنه الاستمرار، ان من حيث محورية لبنان مع ايران على حساب حياديته الموضوعية والايجابية، وان من حيث استمرار حكم ميشال عون و” حزب الله” او من حيث ترك الخارج للبنان في عزلته ولاستئثار ايران والحزب به. اذ سارعت فرنسا التي تحمل اهتماماً اصيلاً بلبنان لاعتبارات متعددة ومعروفة تاريخياً الى كسر هذه العوامل من خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى لبنان.

وتالياً فإن السؤال الابرز هو الى اين يمكن ان يتّجه لبنان في ظل المعطيات الجديدة التي حملت الى غضب اللبنانيين وعدم امكانهم السكوت على قتلهم واذلالهم مدّاً دولياً مساعداً يخفف من وطأة الانهيار الاضافي الذي يعمق انهياره الاصلي؟ فقبل الانفجار كان الانطباع معمّماً ايضاً عن انتهاء لبنان الذي يعرفه اللبنانيون ولو ان كلّاً  يتحدث عنه وفق مقاربته لهذا اللبنان. انتهى لبنان القديم فما هو البديل عنه اذا؟

هناك متغيرات حتميّة لا تبدو ملامحها واضحة كلياً. فصحيح ان ماكرون تحدث عن تغيير سياسي واتفاق جديد لكن الامر معقّد في لبنان ولا يمكن لمسؤولين معتادين هدر الوقت وعدم ايلائه اي اهمية في حياة لبنان واللبنانيين ان يكونوا على موعد مع التغيير الذي ينتظر الرئيس الفرنسي ان يرى طلائعه لدى زيارته المرتقبة للبنان مطلع ايلول المقبل في ذكرى مئوية لبنان الكبير.

ثمّة اقتناع واسع بأن ما بعد الانفجار الكارثي لن يكون كما قبله ولكن موعد النطق في حكم رفيق الحريري ارجىء الى 18 آب، ومن الصعب ان تشهد هذه المدة القصيرة امكان حوار بين الرئيس سعد الحريري و” حزب الله” على الاقل فيما انه يصعب ايضاً التصالح مع رئيس الجمهورية وفيما ان كل القوى تختبىء وراء موقف الحريري في الخصومة مع هذا الاخير.

وازاء توقع التغيير علماً انه قد يكون سراباً لأن القوى السياسية المتجذرة في الفساد واستغلال قدرات لبنان واهله يمكنها ان ” تذوب الاسيد” نفسه نظرا لقدرتها على التلاعب والخداع والكذب. هذا ما فعلته في كل مرحلة من مراحل التغيير، وتجربة انهاء الانتفاضة في 17 تشرين الاول لا تزال حيّة ونابضة بقوّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات