Search
728 x 90

“اليوروبوندز” سياسة اختلطت بالمال… وسيف مصلت

“اليوروبوندز” سياسة اختلطت بالمال… وسيف مصلت

بين السندان والمطرقة وجد لبنان نفسه.
سندان استحقاق دين “اليوروبوندز” الخارجي الداهم الذي يدور جدل حول قدرة المصرف المركزي على تسديده، ومطرقة اعادة هيكلة الدين والوقوع بين براثن صندوق النقد الدولي وشروطه الاقتصادية والمالية القاسية… او عدم التسديد مع ما يترتب على ذلك من سيناريوهات كارثية على لبنان وفق اجماع ثلاثة خبراء ماليين واقتصاديين، نائب حاكم مصرف لبنان سابقاً د.غسان العياش والدكتور ايلي يشوعي والبروفسور جاسم عجاقة ، استوضحهم موقع beirutinsights.
في الحالات الثلاث الصورة قاتمة وقاتمة جداً، فكيف اذا اختلطت السياسة بالمال وتحوّل الاستحقاق الى سيف مصلت على رقبة الحكومة اللبنانية في ظل اصطفافات اقليمية حادة ولعبة دولية لا يستطيع لبنان المنهك اقتصادياً ومالياً الوقوف في وجهها؟

ارقام صادمة

اذا كانت الارقام تتكلم فإنها قد تنعي الاقتصاد اللبناني فوراً، واذا كانت السياسة تلعب دورها في الازمة المالية فإن لبنان واقف على شفير الهاوية، ان لم يكن وقع فيها اصلاً. فأمامه 3 استحقاقات مالية لليوروبوندز في 2020 تتحدد قيمتها بـ 4.5 مليار دولار أميركي، اولها في 9 آذار بقيمة مليار و200 مليون دولار، يتبعها استحقاق آخر لسندات “اليوروبوندز” بقيمة 700 مليون دولار في منتصف نيسان، على ان تستحق سندات “يوروبوندز” أخرى بقيمة 600 مليون دولار في حزيران.

وحسب تقرير “الدين وأسواق الدين” الذي تعدّه وزارة الماليّة ، سيُضاف إلى هذه المبالغ المستحقة مبلغ 2.7 مليار دولار، وهي قيمة الفوائد التي يجب أن يدفعها لبنان بالدولار كفوائد على الدين العام القائم بالعملة الأجنبيّة، مما يرفع مجمل الدين الذي يتوجب على لبنان ان يدفعه في 2020 الى نحو 5.2 مليار دولار.

ولا يتوقف هذا الدين على العام 2020 فقط، لا بل يمتد الى 2037 وفق الجدول المرفق (1) بحيث يرتفع الى و3.9 مليار دولار العام 2021، و3.7 العام 2022، و3.1 العام 2023… ليصل الى 33 مليار دولار أميركي منها 28.3 مليار دولار أميركي سندات يوروبوندز.

ثلاثة خيارات

امام هذا الواقع، تجد الحكومة اللبنانية نفسها امام ثلاثة خيارات مريرة، لكل منها ارتداداتها على الساحة المالية والاقتصادية المحلية:

1- دفع استحقاقات الـ “يوروبوندز” الممتالية للعام 2020 من احتياطي مصرف لبنان بالعملات الخارجية التي ستصبح في مهب الريح، نظراً الى ان ما من ارقام واضحة في هذا الصدد. ففي حين كان حاكم مصرف لبنان اعلن في آب 2019 ان هذا الاحتياطي ارتفع 1.45 مليار دولار ليصل الى 38.660 ملياراً، تفيد وكالة “موديز” ان احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية القابلة للاستعمال لا يتعدى المليارات العشرة، علماً ان مصرف لبنان كان سدد كامل سندات اليوروبوندز في 28 تشرين الثاني 2019 بقيمة إجمالية مع فوائد بلغت 1.58 مليار دولار، وذلك من احتياطاته بالعملات الأجنبية. من هنا ان تسديد قيمة “اليوروبوندز” لـ 2020 قد يخفض احتياطي مصرف لبنان بنسبة 29% ليبقى فيه 5.5 ملياراً تقريباً، وهو مبلغ لا يكفي لاستيراد المواد الغذائية والاستهلاكية الاساسية الا لبضعة اسابيع.

2- اعادة هيكلة الدين، وهذا شبه مستحيل بالنسبة الى الإستحقاق الاول في آذار، نظراً الى ان الوقت الداهم، والعملية تتطلب مفاوضات طويلة وشاقة مع الجهات الدائنة. من هنا تحبيذ دفع هذا الاستحقاق خوفاً من تدني تصنيف لبنان مجدداً، على ان يتم التفاوض على اعادة هيكلة الاستحقاقات الاخرى.

3- التخلف عن الدفع وتعريض لبنان لاعتباره “مفلساً” مع ما يستتبع ذلك من ضربة قاضية لاقتصاده وماليته ومصارفه وصدقيته الخارجية، ومن تدخل لصندوق الدولي وشروطه القاسية لمعالجة الوضع. وفي هذا الاطار، حذّرت تقارير فرنسية من أن عدم الالتزام بالدفع سيجعل الدائنين يطالبون بكامل مستحقاتهم إضافة إلى الفوائد المرتفعة عليها، مشيرة الى تجارب سابقة حيث رفعت مجموعة من المحامين الدوليين يُطلق عليهم اسم «طير القمام» دعاوى على الدولة التي تعلن إفلاسها بعد شراء سنداتها بأسعار زهيدة، مطالبين اياها بوجوب دفعها كاملة والا تُحجز ممتلكاتها واصولها من احتياطات العملات الأجنبية والذهب في نيويورك، مع إمكان حجز أي باخرة تحمل مؤناً او بضائع إلى لبنان. وهنا، اعتبر الدكتور ايلي يشوعي لـ beirutinsights ان عملية “طير القمام” او الـ cross default كما تسمى مالياً واردة اذا لم يتم التفاهم على اعادة جدولة الدين.

من جهته يعتبر الخبير الاقتصادي والمالي البروفسور جاسم عجاقة ان التخلف عن الدفع في 9 آذار من دون مفاوضات مسبقة يعني افلاس الدولة، وسيضع لبنان في العاشر من آذار امام عشرات الدعاوى التي ستقدم في نيويورك، علماً اننا نجهل القانون الاميركي في هذا المضمار، فهل سيتم حجز للمتلكات والاصول اللبنانية في الخارج؟

 

مرارة الخيارات

الخيارات الثلاثة مرة، لكن لا مفر من اختيار الحكومة لواحد منها وفق الاستشارة العلمية التي طلبتها من وفد من صندوق النقد الدولي سيتولى وضع “خريطة طريق” للوضع وفق المعطيات المتوافرة على الارض.

البروفسور جاسم عجاقة يؤكد لموقع beirutinsights ان المشكلة ليست في استحقاق آذار بالذات انما في كل الاستحقاقات المقبلة التي تعجز الدولة عن دفعها والتي هي نتاج السياسات الحكومية على مرّ السنين والتي أوصلت لبنان إلى الحالة التي هو فيها. فمصرف لبنان، بالتعاون مع المصارف يستطيع دفع هذا الاستحقاق. الا ان قيمة رأس المال المُستدان (بالدولار الأميركي فقط) من قبل الدولة اللبنانية على شكل سندات يوروبوندز تبلغ ما قيمته 28.314.133.000 دولار أميركي. وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار الفوائد على هذا الدين، فتُصبح الفاتورة 43.486.759.727 دولاراً أميركياً. لذا، الأجدى ربما هو التفاوض مع الدائنين لإعادة الهيكلة.

ويوافقه الرأي نائب حاكم مصرف لبنان السابق د. غسان عياش الذي يرى في اتصال مع beirutinsights وجوب تفادي اي مشكلة مع الدائنين اليوم في غياب اي برنامج شامل للدين بأكمله، علماً ان لبنان لا يستطيع دفع استحقاقاته لأنه لم يعد يملك العملات الاجنبية الكافية. من هنا، وجوب التفاوض مع الدائنين من ضمن برنامج اصلاحي كبير، الا ان هذا الامر يتطلب وقتاً لا يملكه لبنان. وهو يرى بالتالي وجوب دفع استحقاق 9 آذار بانتظار وضع برنامج شامل يتضمن اصلاحاً مالياً واقتصادياً كما هيكلة الديون.

د. يشوعي من جهته يرى ثلاثة حلول فقط: اما اصدار جديد اي ابدال دين بآخر ويبقى انتظار اذا سيتم الاكتتاب به، واما الدفع واما طلب الاستعانة بصندوق النقد الدولي. وهذا الاخير شروطه قاسية جداً بدءاً بتحرير الليرة مروراً بمنع اي عجز في الموازنة ومنع دعم اي سلعة استهلاكية مهما كانت حياتية وصولاً الى زيادة الضرائب وخفض الانفاق حتى لو كان صحياً واجتماعياً. فالبنك الدولي يصحح ارقاماً في ظل شروط لا انسانية لا تنظر الى حاجات الشعوب، يقول ياشوعي الذي لا يرمي المسؤولية على السياسات الحكومية في ما وصل لبنان اليه، لا بل يعتبر ان من اوصل البلد الى هذا الدرك هم 6 او 7 اشخاص وليست الحكومات المتعاقبة التي شكلت ادوات في ايدي هؤلاء. والحل يكمن في محاسبة من اوصل لبنان الى هنا بعدما تم التفريط بكل رساميله المالية الاقتصادية والبيئية.

واذ يشدد يشوعي على وجوب المحاسبة يسأل: هل يعتقد احد ان اعادة الهيكلة ستكون مجانية، وان قروض صندوق النقد الدولي ستعطى للأشخاص انفسهم الذي فرطوا بعشرات المليارات وسرقوا العشرات منها من اموال الدولة؟

من هنا، هو يقول، اصرار البعض على تفادي “كأس” الصندوق الدولي المرة عبر الطلب من حاكم مصرف لبنان سداد استحقاق “اليوروبوندز” خوفاً من المحاسبة… الا ان عملية شراء الوقت انتهت، يؤكد ياشوعي الذي يرى ان لبنان بات فاقداً لشرعيته ومشروعيته والثقة الخارجية فيه بوصوله الى هذا الدرك في ازمته المالية.

المحاسبة ايضاً هي مطلب عجاقة، الى جانب تحفيز النشاط الاقتصادي ليتمكن من دفع الاستحقاقات المتوجبة. فالسياسات الحكومية منذ التسعينيات الى اليوم لم تحفز هذا النشاط والمطلوب التحفيز الاقتصادي بأي طريقة، اكان ضغط الشارع ام الضغط الدولي صندوق النقد الدولي ام مصالح السياسيين الخاصة. فما من جهة دائنة ستحسم سنتاً من الدين اذا لم تتم الاصلاحات الاقتصادية المطلوبة، يقول عجاقة.

المطلوب، يؤكد عجاقة، وضع سيناريو كامل لأي خيار ستتخذه الحكومة، علماً انها ليست في موقع تحسد عليه، فهي ستهاجم مهما كان القرار الذي ستتخذه، اذ ان ما من جهة تقارب الموضوع بطريقة علمية، لا بل يتم طرحه بطريقة شعبوية محض.

دين باتت غالبيته خارجية

واذا كان مجمل الدين العام هو 33 مليار دولار، فإن 11.8 ملياراً منه بيد مستثمرين اجانب ، فيما المبالغ الباقية تحملها المصارف اللبنانية.

من هنا، يقول يشوعي ان طرح البعض حل الـ swap مع المصارف داخلياً في ظل دفع مصرف لبنان دينه الخارجي، لم يعد وارداً بعد اليوم لأن غالبية الدين باتت خارجية، ولم يعد للبنان لسان حال مع الدائنين. وهذا يطرح علامة استفهام كبرى لأن الدين بات مملوكاً من الخارج في سرعة قياسية بواسطة صناديق ادخار، يقول ياشوعي.

فالمعلومات الصحافية التي تسربت افادت ببيع المصارف اللبنانية نحو 60% من قيمة اصدار “اليوروبوندز” الى صناديق ائتمان خارجية، ولا سيما اميركية منها، بأسعار تتدنى اقل من 20 و30%، مما جعل اكثر من 80% من اصل سندات اليوروبوندز في يد خارجية تشد الخناق على عنق الحكومة اللبنانية مهما كان القرار الذي تتخذه في ظل الاوضاع المحلية والاقليمية الراهنة.

اما ان هذه السندات كانت في ايدي المصارف اللبنانية التي طالبت بشدة بتسديد استحقاق 9 آذار، فيطرح اكثر من سؤال.

وزيرة العدل ماري كلود نجم طلبت في 18 شباط من النائب العام التمييزي في بيروت غسان عويدات أن يوجه إلى هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، كتاباً يطلب فيه من الهيئة إيداعه كل المعلومات المتوافرة لديها عن عمليات متعلقة بسندات “اليوروبوندز” التي تمت اخيراً لكشف هوية من باعها الى الخارج.

تزامناً، اعتبر مصدر أميركي – لم يكشف عن اسمه- أن الاقتصاد اللبناني قد يصل إلى حال الإفلاس نظراً إلى الوضع الراهن الذي يعيشه لبنان، معتبراً ان “عدم سداد لبنان ديونه قد يقحمه في إجراءات قضائية دولية تصعب على الحكومة اللبنانية مواجهتها، أو على الأقل ستكون في موقع الضعيف إضافة إلى خسارة أهم سمعة للبنان، سمعته المالية”.

مصدر مالي رفيع كشف لـ beirutinsights ان عملية بيع “اليوروبوندز” اخيراً الى الخارج قد ترتكز الى 3 سيناريوهات:

1- ان تكون حاجة المصارف للسيولة لتلبية حاجات مودعينها دفعتها الى البيع بهذا الحجم.

2- ان يسعى مستثمرون لبنانيون لتهريب اموالهم الى الخارج عبر بيع سندات “اليوروبوندز” التي بحوزتهم.

3- ان يكون الهدف سياسياً بحيث ان البيع لشركات اجنبية، ولا سيما اميركية منها، يهدف الى شد الخناق على الدولة اللبنانية لتصبح تحت رحمة القضاء الاميركي اذا ما تخلفت عن الدفع. وفي هذا الاطار يلعب الضغط السياسي دوره في ظل تجاذبات اقليمية كانت ترافقت مع حزمة من العقوبات الاميركية على عناصر ومؤسسات تابعة لحزب الله، بحيث ان مثال العقوبات على مصرف “جمال تراست بنك” لا يزال حاضراً في بال المصارف اللبنانية.

ويضيف المصدر عينه ان زيارة رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني للبنان – وهو اول زائر خارجي بعد نيل الحكومة الثقة – ليست بريئة اذ ابدى استعداد بلاده تقديم المساعدة للبنان، في مجالات الكهرباء والدواء والمشتقات النفطية، وفي كل ما من شأنه أن يساعد على تحسين الاقتصاد في لبنان… تزامناً مع تسريب واشنطن معلومات لأكثر من جهة عن تحضير رزمة جديدة من العقوبات ستطاول لبنانيين متهمين بالتعاون مع حزب الله.

وفي المقابل، لا يصنّف د. عياش عملية وجود 80% من مجمل اليوروبوندز في يد اجنبية بأنها سياسية، لا بل، قد تكون محض تجارية – كما يقول – فهناك من اشترى اليوروبوندز بسعر متدن جداً من المصارف اللبنانية ويتوقع ان يقبض الآن سعرها كاملاً 100%. فهل هو مش ارك؟ هنا السؤال.

ويشير د. عجاقة في هذا الاطار الى ان قيمة سند “اليوروبوند” لدى استحقاقه ستكون 100% على الدولة ان تدفعها، مهما كان السعر الذي تم شراؤه من قبل، اي من الممكن ان يتم شراء اليوروبوند الواحد بخمسين دولاراً في 8 آذار، ليتم قبض سعره في 9 آذار 100. وهذا الامر يفتح شهية المستثمرين الاجانب.

القنبلة النووية والنظام

… اذاً، ما هو مستقبل الوضع المالي في لبنان في ظل الخيارات المريرة المتوافرة امامه، وهل يواجه اي خطر في تغيير انظمته وارتداده بالتالي على اسس النظام السياسي اللبناني؟

بنظر يشوعي، ما من خطر على النظام الاقتصادي والمالي الحر ذات البعد الاجتماعي واحترام الحرية والملكية الفرديتين – وهو من افضل الانظمة الاقتصادية في العالم- ففي حال الخطأ يحاسب من اساء تطبيق النظام وليس النظام بحد ذاته، علماً ان المطلوب الغاء ميثاق الـ 43 وتطبيق الدستور بحذافيره، لأنه دستور مدني غير ديني على الاطلاق.

اما تأثير الازمة المالية على النظام المالي اللبناني، وارتداداً السياسي، فيستبعدها عياش بقوة قائلاً ان عناصر تغيير النظام لم تكتمل بعد في لبنان: لو وقعت حرب نووية لن يتغير النظام السياسي في لبنان، لكن الخشية ان يسعى هذا النظام الى تحويل الازمة الاقتصادية والاجتماعية الى حرب طائفية… ليتخلّص نفسه.

واذا كانت الازمة المالية ناجمة عن سوء الممارسة، فلا بد من معالجتها بالتوازي مع البدء بالإصلاحات في ظل قضاء مستقل، يؤكد عجاقة… لكن هل سيكون ذلك كافياً؟

(1) جدول الدين اللبناني حتى العام 2037  EUROBONDS-LB jassem ajaka

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات