Search
728 x 90

الى اين يتجه لبنان ؟

الى اين يتجه لبنان ؟

ثغرتان في التضييق الذي تمارسه الولايات المتحدة على حزب الله وعلى ايران لا تبدو مفاعيله واقعية بالنسبة الى استمرار تثبيت الحزب نفوذه. لا بل تبرز احتمالات حوار اميركي- ايراني ومن ورائها التأثير المباشر على المنطقة في تجربة الاتفاق النووي التي انعكست على نحو سلبي عليها.

فيما تنشغل الحكومة اللبنانية في درس ومناقشة الموازنة التي تأخر اقرارها نتيجة عرقلة تأليف الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري لمدة تسعة اشهر على وقع اضرابات واعتصامات مطلبية، يظهر لبنان كأنه يعيش في فلك آخر مختلف عما تعيشه المنطقة من تغييرات وتحولات. فمع ان اولى واجبات الحكومة هي ادارة البلد وشؤونه الصغيرة فيما القضايا السياسية الفعلية مغيبة عن النقاش والتدوال بعدما اخذت في مراحل سابقة حجماً كبيراً، الا ان الانطباع الذي يسري يفيد كأنما البلد لا يتأثر فعلا بما يجري من حوله ولا يظهر المسؤولون وتالياً الشعب اهتماماً بما يمكن ان ينعكس على البلد .

يؤكد المسؤولون انه لا يمكن عزل ما يجري في لبنان عما يجري في المنطقة ، لكن ذلك لا يمنعهم من التصرف على انه يمكن القيام بذلك. لكن النقطة الاساس لا تكمن هنا بل هي تكمن في واقع التحول القسري الذي يشهده البلد تدريجاً في اتجاه محور اقليمي معين ترجح كفته بامتياز من دون وجود معارضة شديدة لهذا المنحى والذي تجلّت مظاهره حتى في ما يتعلق بالمناقشة حول الموازنة وفي طلب افرقاء الضغط على المصارف من اجل المساهمة في انقاذ الواقع المالي والاقتصادي.

فحين تشن حملة على المصارف قوامها افرقاء اساسيون من قوى 8 آذار سابقاً على المصارف باعتبار ان القطاع المصرفي يجب ان يتحمل المسؤولية الاساس ويتم العمل الى حد كبير بهذا الضغط، فيمكن الاستنتاج بسهولة بالنسبة الى مراقبين حياديين ان هناك تسييراً للواقع الاقتصادي بحيث لم يعد حكرا على افرقاء كانوا ولا يزالون يعتمدون على المصارف من باب التعاون والتنسيق، بل غدا القطاع الاقتصادي ملحقاً على نحو قسري بالهيمنة من جانب فريق يعتبر انه انتصر في المنطقة ويترجم انتصاره في لبنان بانتظام وتدرج من دون عقبات تذكر.

ويشكل هذا التطور الذي لم يعط اهمية تذكر في الواقع السياسي نتيجة اعتبارات متعددة تحدياً مهماً لمضمون الموقف الاميركي الذي كان عبّر عنه وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو من القاهرة ثم في لبنان . اذ قال” ان حزب الله له وجود كبير في لبنان لكننا لن نقبل ذلك كأمر واقع ولن نقبل بسياسات الحزب في لبنان”.

لكن التضييق الذي تمارسه الولايات المتحدة على الحزب وعلى ايران في الدرجة الاولى ما يؤثر بدوره على الحزب لا تبدو مفاعيله واقعية بالنسبة الى استمرار تثبيت الحزب نفوذه لا بل توسيع هذا النفوذ.

وهناك ثغرتان في الواقع : الاولى تتمثل في ان الحلفاء الافتراضيين للولايات المتحدة لا يرون ان سياسة التضييق فاعلة في لبنان فعلاً فيما ان الدعم لهم المفترض من حلفائهم وحلفاء الولايات المتحدة في دول الخليج العربي لا يزالون مترددين في تقديم المساعدة والدعم على نحو يسمح لهذه القوى بأن تقيم توازناً سياسياً خصوصاً ان التوازن السياسي الذي تحاول الولايات المتحدة ارساءه في المنطقة عبر الضغط على ايران لم ينعكس فعلياً على لبنان. فهناك محاولات جرت ولا تزال في اطار محاولة انقاذ العراق من البراثن الكلية لايران من خلال سياسة احتواء ومساعدة من الدول العربية للعراق ولا سيما من المملكة العربية السعودية. الا ان السياسة او المفاعيل نفسها لم تصل الى لبنان في الواقع.

اما الثغرة الثانية فتتمثل في الاقتناع الراسخ لدى غالبية القوى اللبنانية ممن طلب منها بومبيو التصدي لمحاولات سيطرة ” حزب الله” وتنفيذ ايران سياستها في لبنان بأنها لا تملك الادوات او القدرة اللازمة لذلك . اذ ان الولايات المتحدة لا تولي لبنان الاولوية التي يستحق ولا تتعاطى معه على انه اولوية بل على انه ملحق ان كان في موضوع ” حزب الله” والتضييق عليه من جانب واشنطن اضافة الى ما يمكن ان يستتبع ذلك من احتمالات تصعيد بين الحزب واسرائيل بما ينعكس سلباً على لبنان او في موضوع اللاجئين السوريين الذين، وان كانت تتفهم واشنطن العبء الملقى على عاتق لبنان في هذا الاطار، فإنها تدعم العودة الطوعية التي لا يراها لبنان مناسبة له.

والمساعدة الكبيرة التي تقدمها الولايات المتحدة للجيش ودعمها للقطاع المصرفي قد يكونان العلامة الفارقة الاساسية في ما توليه واشنطن للبنان بما يمنع الحزب من الامساك بكل مفاتيح القرار اللبناني، لكن ما حصل بالنسبة الى الضغط من اجل تحميل المصارف عبء المسؤولية في منع وقوع انهيار مالي وفقاً لمواقف معلنة وضاغطة في هذا الاطار، اظهر محاولة جدية لمقارعة الولايات المتحدة في احد المجالات التي تدعمها على نحو يستكمل السيطرة السياسية ولا ينقضها.

والسؤال في هذا الاطار يتصل بما اذا كان الضغط والتضييق على ايران من اجل حملها على الجلوس الى طاولة حوار تناقش عليها نفوذها في المنطقة سيؤدي الى تقليص نفوذها او تثبته اكثر في لبنان في الوقت الضائع ؟ بمعنى ان الولايات المتحدة التي تطالب ايران بالانسحاب من سوريا فاتها ان التغلغل الايراني سلك اشواطاً تماماً على غرار ما حصل ابتداء من العام 1982 في لبنان تحت اعين واشنطن بالذات بحيث لن تحتاج ايران الى سيطرة مباشرة ويمكنها ان تفعل الامر نفسه في سوريا وهي تفعله بحيث لن تحتاج الى وجود مباشر لكن يصعب عودة سوريا الى ما كانت عليه.

وحين تبرر واشنطن لمسؤولين لبنانيين زاروها في الاونة الاخيرة، او لدول اوروبية كفرنسا طالبتها بعدم التشدد بإجراءاتها على لبنان خشية ” انكساره” نتيجة هشاشته السياسية ، بأنها تضغط من اجل تحوّل ” حزب الله” الى حزب سياسي فقط ومنع تدخله في المنطقة او تسليم سلاحه ، فإن الثمن قد يكون في حال حصول كل ذلك انخراطه على ما يفعل راهناً في مؤسسات الدولة على نحو لا يحتمي فيها فقط بل يكون شريكاً فاعلاً ومؤثراً جنباً الى جنب احتفاظه بسلاحه في الوقت نفسه ما يعطيه تأثيرا اكبر كأمر واقع يصعب دحضه لاحقا.

ما يجب مراقبته والتحسب له في الواقع ليس احتمال حرب اميركية ايرانية على رغم احتمالاتها القائمة عبر قوى بديلة اكانت بين اسرائيل و” حزب الله” او اي بدائل اخرى في المنطقة فحسب، بل احتمالات الحوار وما يمكن ان يؤدي اليه في حال حصوله خصوصاً ان تجربة الاتفاق النووي انعكست على نحو سلبي على المنطقة كما على علاقات اميركا بدول الخليج العربي الحليفة تاريخياً للولايات المتحدة.

فلبنان دفع انذاك ثمناً باهظاً تمكن من خلاله حزب الله وايران من ورائه من فرض ” الانتصار” الاقليمي على لبنان فيما ان الولايات المتحدة غضّت الطرف عن تحرك ايران في سوريا ولبنان لقاء الاتفاق النووي.

وقد يكون صعباً في حال احتمال الحوار الاميركي الايراني عكس عقارب الساعة الى الوراء في لبنان، بل تثبيت ما يمكن ان يكون غدا انزلاقاً شبه كلي في العمق باستثناء بعض المظاهر الخادعة حول التوازن على ما هي الحال راهناً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

1 التعليق

  • باتريك الدبس
    حزيران 5, 2019, 12:43 ص

    تحليل جيد جداً و له ابعاد تطال المنطقة الإقليمية و الوضع الهش الحالي.

    الرد

أحدث المقالات