Search
728 x 90

الوصول إلى المعلومات كوسيلة لمكافحة الفساد وبناء الثقة

الوصول إلى المعلومات كوسيلة لمكافحة الفساد وبناء الثقة

قد لا يكون التنفيذ السليم لقانون الحقّ في الوصول إلى المعلومات حلّاً شاملاً للأزمات التي يُواجهها لبنان، اذ لا يمكن اعتباره أكثر من ضمادة لجسم متآكَل. لكن يبقى تطبيق هذا القانون بشكلٍ صحيح وفعّال مهمّاً على كل مستويات الإدارة العامّة حيث يشكِّل فاتحة لاستعادة الثقة بلبنان على المستوى الوطني والدولي وتحقيق الشفافيّة التي وحدها باستطاعتها أن تُخرج لبنان من الأزمة.

كريم مرهج*

بعد مرور ثلاث سنوات على إقرار قانون الحقّ في الوصول إلى المَعلومات لا يزال هذا القانون حبراً على ورق. وتُظهر المُماطلة في تطبيق هذا القانون أنّ الهَدف من إقراره كان لا يتعدّى رغبة السلطة السياسيّة بتلميع صورة لبنان في الساحة الدوليّة من أجل جذب قروض ومُساعدات المانحين بدلاً من مُحاولة القضاء على الفساد بشكلٍ جدّي. فبَينما تطغى عبارة “استعادة الثقة” على مُجمل خطابات وبيانات النخبة السياسيّة في لبنان، قد يكون التنفيذ السَليم لهذا القانون خطوة أولى نحو مكافحة الفساد واستعادة هذه الثقة.

لم تقُم الحُكومات المتتالية منذ انتهاء الحرب الأهليّة بأي عمل جدّي لمُكافحة الفساد بالرغم من توقيع لبنان ومصادقته على اتّفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في نيسان ٢٠٠٩، وبالتالي الالتزام بـ “ترويج وتدعيم التدابير الهادفة إلى منع ومكافحة الفساد بشكلٍ أكثر كفاءة وفعاليّة” و”تعزيز النزاهة والمساءلة والإدارة السليمة للشؤون العامّة والمُمتلكات العامّة”. يُمكن القول أنّ ارتفاع مُستوى الفساد وسوء الحَوكمة وسوء إدارة الخدمات العامّة والبنى التحتيّة، بالإضافة إلى السرّية داخل أروقة السلطة قد كانت كلها عناوين مُمارسة السلطة منذ توقيع اتّفاق الطائف عام ١٩٨٩.

بالرغم من تنوّع المطالب بين مختلف فئات المواطنين المشاركين في الانتفاضة الحاليّة، هناك اتّفاق على أنّ السلطة السياسيّة إمّا في أفضل الأحوال فشلت في الحكم، وإما في أسوأ الأحوال تعمّدت سوء إدارة البلاد للحفاظ على شبكاتها الزبائنيّة ومصالحها الخاصّة. وقد أدّى ذلك إلى تراجع حادّ في مستوى الثقة بين المواطنين والدولة.

في ظلّ القلق الاقتصادي الحادّ والأزمات المتعدّدة الأوجُه، وتجاهل السلطة السياسيّة الواضح للأزمات، والاضطرابات الشعبيّة المشروعة، لا بد من اللّجوء إلى الأدوات القانونيّة التي يمكن أن تسمح للبنان بالخروج من هذه الأزمات والتي قد تساهم بدورها في استعادة ثقة الشعب بالدولة. ويشكّل قانون الحقّ في الوصول إلى المَعلومات أحد هذه الأدوات، إذ أنّ الشفافية في الحصول على المَعلومات حول إدارة الدولة – مثل ميزانيّات الهيئات الرسميّة وطرق إنفاق الأموال العامّة وإدارة المُناقصات – هو أمر ضروري لمكافحة الفساد وضمان خدمة القطاع العامّ للشعب بشكلٍ صحيحٍ.

في هذا السياق قُدّم قانون حقّ الوصول الى المعلومات إلى المَجلس النيابي عام ٢٠٠٩، وتمّ إقراره عام ٢٠١٧. أحكام القانون واضحة ومباشرة: بإمكان أيّ شخص له صلاحيّة قانونيّة أن يطلب معلومات من القطاع العامّ وشركات القطاع الخاصّ المُتعاقدة مع الدولة (المادّة ١)، في حال كانت معلومات عن الموازنة، أو القرارات الإداريّة والعقود مع القطاع الخاصّ أو غيرها من الوثائق الأرشيفيّة (المادة ٣). بالإضافة، يتوجّب على الهيئات العامّة نشر البيانات الرئيسيّة المُتعلّقة بالموازنات والقرارات على مواقعها الإلكترونيّة (المادة ٧)، وكذلك التقارير السنويّة التي تفصّل كل الأنشطة التي نُفّذت على مدار العامّ، والتحدّيات والعوائق التي واجهتها (المادة ٨). بالتالي، من الناحية النظريّة، يجب أن يكون من السهل للمُراقبين في لبنان – مثل الصحافيين الاستقصائيين وهيئات المجتمع المدني أو المواطنين المهتمّين- أن يرصدوا كيف يتمّ إنفاق الأموال العامّة وأن يتنبّهوا عندما يتمّ الكشف عن المُمارسات الخاطئة. غير أنّ هذا السيناريو لا يمتّ للواقع بصلة بعد مرور ثلاث سنوات على إقرار القانون.

تُعتبر مُعظم المواقع الإلكترونيّة الرسميّة التابعة للإدارات العامّة مُهملة ولا تَنشر أيّ معلومات هامّة حول أنشطتها أو حول كيفيّة إنفاقها للمال العامّ. بالإضافة إلى ذلك حاولت العديد من هيئات المُجتمع المدني والجمعيّات الاستفادة من هذا القانون عبر طلب مَعلومات متعلّقة بكيفيّة إنفاق الأموال العامّة، إلّا أنّ الجهات الحكوميّة كانت إمّا غير مُدركة لوجود القانون أصلًا وإما غير راغبة بإعطاء المعلومات أو حتّى غير قادرة على توفيرها بسبب عدم وجود سجلّات رقميّة لها. وتُصبح كل هذه الذرائع واهية، في الوقت الذي لا تلتزم السُلطات العُليا بهذا القانون – مثل رئاسة الجمهوريّة ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة المجلس النيابي – ممّا يضع حالة الشفافيّة في القطاع العامّ في لبنان مَوضع التشكيك وتتحوّل مكافحة الفساد إلى معركةً وهميّة.

إنّ سوء إدارة السُلطة السياسيّة المتعمّد وغير المتعمّد لموارد الدولة وبنيتها التحتيّة قد ساهم بشكلٍ مباشر في خلق الأزمة المتعدّدة الأوجه التي يمرّ بها لبنان حالياً. فوضع السياسيات العامّة بشكلٍ غير شفّاف – سواءً على المُستوى المحّلي أو على المستوى الوطني – من دون مُشاركة المُجتمع المَدني، أدّت إلى الوضع السيّء الحالي. قد لا يكون التنفيذ السليم لقانون الحقّ في الوصول إلى المَعلومات حلّاً شاملاً للأزمات التي يُواجهها لبنان، وفي الواقع، نظراً إلى خطورة الوضع الراهن، لا يمكننا اعتباره أكثر من ضمادة طال انتظارها لجسم متآكَل. لكن بالرغم من ذلك يبقى تطبيق هذا القانون بشكلٍ صحيح وفعّال مهمّاً على كل مستويات الإدارة العامّة حيث يشكِّل فاتحة لاستعادة الثقة بلبنان على المستوى الوطني والدولي وتحقيق الشفافيّة التي وحدها باستطاعتها أن تُخرج لبنان من الأزمة.

*كريم مرهج، باحث وزميل مع غوغل، مختبر السياسات العامة والحوكمة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات